في 25 مايو (أيار) 2022 وبعد 10 أشهر من انقلاب 25 يوليو (تموز) 2021، أصدر الرئيس التونسي قيس سعيد مرسومًا رئاسيًا، يدعو الناخبين إلى الاستفتاء حول مشروع دستور جديد، بعد أن استقبل الرئيس في 20 مايو 2022 عميد كلية القانون الأسبق في تونس الصادق بلعيد، وكلفه بأن يكون الرئيس المنسق للهيئة الوطنية الاستشارية من أجل جمهورية جديدة.

حسب بلاغ الرئاسة التونسية وصدر في نفس اليوم بالرائد الرسمي (الجريدة الرسمية التونسية) مرسومًا رئاسيًا متعلقًا بإنشاء الهيئة الوطنية من أجل جمهورية جديدة، وجاء في الفصل الثاني منه أن «الهيئة الوطنية الاستشارية من أجل جمهورية جديدة» تتولى، بطلب من رئيس الجمهورية، تقديم اقتراح يتعلق بإعداد مشروع دستور لجمهورية جديدة يقدم إلى رئيس الجمهورية، وتحدث الفصل الثالث في المرسوم عن إمكانية قيام الهيئة بدراسات وتقديم مقترحات في المجالين السياسي والقانوني، إلى جانب المجالين الاقتصادي والاجتماعي على أن يكون ذلك بطلب من رئيس الجمهورية أيضًا.

وتأتي هذه الخطوة ضمن مسار أعلن عنه قيس سعيد في 13 من ديسمبر (كانون الأول) 2021، وانطلق باستشارة وطنية إلكترونية لمعرفة آراء التونسيين حول جملة من القضايا السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، في مارس (آذار) 2022، ويختتم بانتخابات تشريعية في ديسمبر 2022 على أن يجري المصادقة على دستور جديد من خلال استفتاء شعبي يتم في شهر يوليو 2022.

ورغم ما واجهته «خارطة طريق» قيس سعيد من رفض داخلي وتحفظات خارجية، فإن الرئيس قيس سعيد يواصل المضي قدمًا في تغيير معالم النظام الساسي مؤكدًا «العزم على إصلاح ما أفسده سابقوه» كما يقول في سائر خطاباته. 

وفي هذا الصدد يقول رئيس المكتب السياسي لحركة النهضة نور الدين العرباوي لـ«ساسة بوست»: «في الوقت الذي تطالب مختلف الأطراف في تونس الرئيسَ بالتراجع خطوةً إلى الوراء والتركيز على إصلاح الجانب الاقتصادي والاجتماعي الذي يسير بالبلاد نحو الانهيار، يصر قيس سعيد على الهروب إلى الأمام من أجل تنفيذ مشروعه الشخصي غير عابئ بنتائجه الكارثية على الدولة والشعب» حسب قوله.

وضع اقتصادي متردٍ.. وشعبية الرئيس في تراجع 

تتزامن دعوة سعيد الشعب إلى الاستفتاء على دستور جديد، مع تراجع الاقتصاد التونسي وبلوغه وضعية متردية حسب تصريح المتحدث باسم صندوق النقد الدولي جيري رايس، الذي حث الحكومة التونسية على عدم انتظار انتهاء المفاوضات مع صندوق النقد، والانطلاق في الإجراءات الضرورية والحاسمة لإنقاذ اقتصاد البلاد.

Embed from Getty Images

الرئيس التونسي قيس سعيد

وقد أعلن البنك المركزي التونسي في بيان له الأسبوع الماضي عن رفع نسبة الفائدة 75 نقطة لتصبح 7% بعد إن كانت 6.25% وأرجع بيان البنك المركزي هذا القرار إلى ارتفاع معدل التضخم إلى 7.5% في أبريل (نيسان) 2022 بعد أن كان في حدود 5% في الفترة نفسها من سنة 2021.

ويعود ارتفاع معدل التضخم إلى ارتفاع الأسعار بشكل كبير، وهو ما تسبب في احتجاجات اجتماعية كبيرة خاصة من طرف المزارعين؛ الأمر الذي اضطر الدولة إلى التراجع وتجميد زيادات أعلنت عنها سابقًا في أسعار أعلاف الحيوانات.

وبلغ عدد الاحتجاجات الاجتماعية خلال الثلاثية الأولى من هذه السنة 3068 احتجاجًا، 88% منهم احتجاجًا غير منظم من طرف القوى السياسية، وشهد معظمها أحداث عنف، حسب تقرير المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية لشهر مارس 2022.

وأثر الوضع الاقتصادي والاجتماعي الصعب الذي يعيشه البلاد على شعبية الرئيس قيس سعيد؛ إذ كشف استطلاع نشرته مؤسسة «إنسايت» في شهر مايو 2022 تراجعًا حادًا في نسبة ثقة التونسيين في قيس سعيد لتبلغ 22 % فقط، وقبل ذلك بشهر واحد أظهر استطلاع لمؤسسة «امرود كونسلتينج» تراجعًا في نسبة رضا التونسيين على أداء رئيس الجمهورية لتبلغ 59% بعد أن كانت 68% خلال شهر فبراير (شباط) 2022.

رفض متزايد لـ«الجمهورية الجديدة».. و«التونسي للشغل» يقترب من المعارضة

اتسعت رقعة معارضة خيارات رئيس الجمهورية قيس سعيد في تونس في الأشهر الأخيرة، كما مثلت لحظة الإعلان عن الهيئة الوطنية الاستشارية من أجل جمهورية جديدة محطة أخرى في اتساع الهوة بين سعيد وجملة من الفاعلين السياسيين في البلاد، فقد اعتذر عمداء كليات القانون في تونس عن المشاركة في الهيئة التي أعلنها قيس سعيد، وأعلنوا تمسكهم بحياد المؤسسات العلمية وضرورة النأي بها عن التجاذبات السياسية. 

وفي نفس الاتجاه عبّر الاتحاد العام التونسي للشغل في بيانٍ عن رفضه المشاركة في الحوار في صيغته المقترحة، واعتبر الحوار الذي دعا إليه رئيس الجمهورية قيس سعيد «غير قادر على إخراج البلاد من أزمتها، بل سيعمّقها ويطيل أمدها إلى حدّ تفكيك أوصالها وإلغاء ما راكمته أجيال متعاقبة» حسب تعبير البيان.

وجدّد الاتحاد رفضه لأيّ حوار شكلي تُحدَّد فيه الأدوار من جانب واحد وتُفرض فرضًا، وتُقصِى فيه القوى المدنية والسياسية الوطنية، واعتبر «التونسي للشغل» أن الهدف من الحوار المعلن «تزكية نتائج معدّة سلفًا يجري إسقاطها بشكل فردي، وفرضها على طريقة المرور بقوّة وفرض الأمر الواقع».

وبدورها عبرّت بعض الأحزاب السياسية عن رفض واسع لحوار قيس سعيد، فاعتبرت حركة «النهضة» مرسوم «الجمهورية الجديدة» بمثابة «خروج تام عن الشرعية الدستورية وتكريس للانقلاب» كما أدانت «جبهة الخلاص الوطني»، إصرار رئيس الجمهورية على الانفراد بالسلطة والقرار وتجرؤه على دستور البلاد.

Embed from Getty Images

راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة

وأنكرت الجبهة التي تضم كلًا من: حركة «أمل»، وحزب «قلب تونس»، وائتلاف الكرامة، وحركة «تونس الإرادة»، وحركة «مواطنون ضد الانقلاب»، بالإضافة إلى مبادرة «تونسيون من أجل الديمقراطية وأخيرًا حركة النهضة» على قيس سعيد الحق في سن دستورٍ بديلٍ خارج الأطر القانونية والدستورية، معتبرةً أعمال «الهيئة الوطنية من أجل جمهورية جديدة» باطلة وفاقدة لكل أثر قانوني، كما حملت أعضاء الهيئة كل الآثار القانونية المترتبة عن مشاركتهم في «الانقلاب على دستور البلاد ومؤسساتها الشرعية».

وعبرت تنسيقية الأحزاب الاجتماعية بدورها عن رفضها لكل التوجه الذي يريد قيس سعيد دفع البلاد من خلاله نحو مسار  يلغي دور الأحزاب السياسية، ويهمش منظمات المجتمع المدني، ويجعلها «شاهدة زور» على صياغة دستور وقالت إنه «كتب في الغرف المغلقة بناء على استشارة إلكترونية فاشلة، حسب بيان لها.

اللافت للانتباه أيضًا أن بعض الأحزاب الموالية لقيس سعيد قد عبّرت عن رفضها لمرسوم الهيئة الوطنية من أجل جمهورية جديدة بسبب إقصاء الأحزاب منها بشكل عام، ليسارع سعيد بدعوة عبيد البريكي أمين عام حركة «تونس إلى الأمام»، واستقبال زهير المغزاوي أمين عام حركة «الشعب»، ووعدهم ببحث صيغة لتشريك الأحزاب الداعمة لـ«مسار 25 يوليو» .

قيس سعيد.. نحو المرور بقوة 

في الوقت الذي تتوالى فيه المواقف الرافضة للقرارات المتعلقة بإقرار الدستور الجديد، ناقش قيس سعيد، العميد الصادق بلعيد الرئيس المنسق للهيئة الوطنية الاستشارية من أجل جمهورية جديدة، حول الاستعدادات الجارية لانطلاق عمل الهيئة ولجانها، كما جرى التطرق إلى اللقاءات التي تمّت مع عدد من الجهات لبيان حقيقة الأوضاع في تونس والإرادة الثابتة على المضي قدمًا في إنشاء جمهورية جديدة، حسب بيان رئاسة الجمهورية.

Embed from Getty Images

مظاهرة ضد انقلاب قيس سعيد بتونس العاصمة في 26 سبتمبر (كانون الأول) 2021

ولم يهتم قيس سعيد باعتذار عمداء كليات القانون عن المشاركة في الهيئة الاستشارية، ولا برفض الاتحاد العام التونسي للشغل، الحوار بصيغته الحالية وأعلن مرسومًا رئاسيًا حول تركيبة الهيئة تضمن أسماء العمداء المعتذرين، واسم الأمين العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي الذي استغرب من إدراج اسمه رغم رفض الاتحاد المشاركة، وفي المقابل قال الصادق بلعيد، رئيس اللجنة الاستشارية التي عينها الرئيس قيس سعيد، تعليقا على حملات الرفض إنه سيمضي قدمًا في صياغة الدستور مع «منْ حضر».

هل ينجح سعيد في فرض دستوره الجديد؟ 

رغم الوضع الاقتصادي المتردي الذي تمر به تونس، بالإضافة إلى ما يعيشه الانقلاب من عزلة على المستوى الخارجي، خصوصًا في ظل ما ظهر مؤخرًا من عدم رضا الجزائر على ما يحدث في تونس، من خلال تصريح الرئيس عبد المجيد تبون أثناء الندوة المشتركة مع الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا في 26 مايو 2022،  والذي قال فيه: إن «الجزائر وإيطاليا مستعدون لمساعدة تونس على الخروج من المأزق الذي دخلته والعودة إلى الطريق الديمقراطي». 

وعلى الرغم من هذه التصريحات التي جاءت من رئيس دولة داعمة لتونس، بالإضافة إلى الرفض الداخلي من طرف الاتحاد العام التونسي للشغل، وما تشهده الساحة الحزبية من تكتلات لتوحيد الجهود ومعارضة فرض دستور جديد على البلاد، فإن من الصعب التنبؤ بقدرة هذه العوامل على دفع قيس سعيد نحو التراجع خطوات إلى الوراء.

عربي

منذ 8 شهور
«قنبلة موقوتة».. هل يفعلها قيس سعيد ويعلن حل الأحزاب السياسية في تونس؟

وهو ما أكده رئيس المكتب السياسي لحركة النهضة نور الدين العرباوي لـ«ساسة بوست» قائلًا «رغم الديناميكية التي تعيش على وقعها الساحة السياسية، ورغم موقف اتحاد الشغل الأخير الرافض للحوار بشكله المقترح من رئيس الجمهورية، فإن قيس سعيد ماضٍ في تغيير قسري للنظام السياسي في البلاد».

ويضيف العرباوي أن «الدستور الجديد الذي يدعو له سعيد جاهز، وما يقوم به من استشارة وحوار هو مسألة شكلية لإضفاء شرعية على خطته» معتبرًا دستور قيس سعيد «خطرًا على وحدة الدولة وتماسك المجتمع بما سيجعل حملة التصدي له كبيرة» حسب تعبيره.

ويرجح رئيس المكتب السياسي لحركة النهضة بأن تكون هناك «مقاطعة واسعة لاستفتاء سعيد بما يجعله فاقدًا للشرعية والمشروعية، إلا أن ذلك لن يوقف خطوات قيس سعيد، وسيصرح بأن الاستفتاء ناجح حتى في حال المشاركة الضعيفة».

ويرجع نور الدين العرباوي هذا الترجيح إلى «عدم التحاق الاتحاد العام التونسي للشغل بشكل صريح، بالأطراف المطالبة بإسقاط الانقلاب، بالإضافة إلى الحياد الإيجابي تجاه شرعية قيس سعيد الذي يميز مواقف بعض القوى الأساسية في البلاد على غرار الإعلام، وبعض الدوائر المالية، وكذلك القوى الصلبة» (في إشارة إلى القوات المسلحة والمؤسسات الشرطية).

على المقلب الآخر قال القيادي في حركة «الجمهورية الجديدة» (داعمة لقيس سعيد) وديع بن مفتاح لـ«ساسة بوست»: إن «الواقع الموضوعي هو الذي حتّم على الرئيس الذهاب إلى جمهورية جديدة، وذلك بهدف إخراج تونس من مخاطر التفكّك من الداخل، على غرار ما حصل من أزمات متكررة بين رئيس الدولة ورئيس الحكومة خاصة في عهد يوسف الشاهد، والباجي قائد السبسي، وكذلك فترة قيس سعيد وهشام المشيشي».

وأضاف بن مفتاح: «لذلك صار لزاما تغيير النظام السياسي وتوحيد السلطة التنفيذية وهو ما يتطلب دستورًا جديدًا» مؤكدًا أن «الدستور الجديد لن يكون في قطيعة مع ما سبق، باعتبار أن مكاسب الحرية والديمقراطية غير قابلة التراجع». 

ورجح وديع بن مفتاح بأن «ينجح سعيد في مساره نحو إرساء جمهورية جديدة بدستور يضمن وحدة الدولة ويجمع مصالح التونسيين ويلبي تطلعاتهم بما في ذلك معارضي مسار 25 يوليو؛ لأنه ينهي المرحلة الاستثنائية».

لذا ورغم تعدد مؤشرات ضعف سلطة الانقلاب في تونس، بفعل صعوبة توفير الإيرادات المالية الضرورية، وارتفاع وتيرة الاحتجاجات الاجتماعية، بالإضافة إلى توسع دائرة المعارضة الداخلية، فإن عدم انتقال الاتحاد العام التونسي للشغل إلى المعارضة الصريحة لمسار قيس سعيد، وتواصل انحياز المؤسسات الصلبة في الدولة إلى شرعية قيس سعيد ورفض بعض الدوائر المؤثرة في الإعلام العودة إلى مشهد يعيد حركة النهضة وحلفاءها إلى الواجهة، من المرجح أن ينجح سعيد في تنفيذ مشروعه السياسي الذي أعلن عنه قبل انتخابات 2019 والمتمثل تغيير الدستور وفرض آخر يكرس نظامًا سياسيًا جديدًا، ومنظومة انتخابية تقوم على ما يسميه «الديمقراطية القاعدية».

ويقصد بالديمقراطية القاعدية أو البناء القاعدي الذي يبشر به قيس سعيد نظام انتخابي على الأفراد، ينطلق بانتخابات محلية في جميع الدوائر الانتخابية المحلية وعددها 265 دائرة تفرز بدورها مجالس جهوية، ثم مجلس استشاري وطني، على أن لا يكون للأحزاب السياسية دور في هذه الانتخابات. 

المصادر

تحميل المزيد