في آخر خطاب له من البيت الأبيض مع نهاية عهدته الرئاسية في يناير (كانون الثاني) 1961، أطلق الرئيس السابق للولايات المتحدة الأمريكية آيزنهاور تحذيرًا استشرافيًا شديد الدلالة، أكّدت الأيام دقّته. كان هذا التحذير متعلّقًا بما سمّاه خطر «المجمع الصناعي العسكري» على الحريّات وعلى الديمقراطية في أمريكا.  

وجاء في كلمة الرئيس آيزنهاور الختامية لعهدته الرئاسية: «في دواليب الحكومة، علينا أن نقاوم ضدّ النفوذ المتنامي للمجمع الصناعي العسكري. إن تهديد الصعود الكارثي موجودٌ وسيستمر، علينا ألا ندع هذا يهدد حرياتنا ومسارنا الديمقراطي، علينا ألا نأخذ أي شيء باعتباره بديهيًا، فقط من خلال مواطنين يقظين وواعين، يمكننا مواجهة المجمعات الصناعية العسكرية وشركات الدفاع، وذلك بالأدوات السلمية، حتى يبقى الأمن والحرية رفيقيْن معًا».

يشنّ الحروب ويعيّن الوزراء.. النفوذ المتنامي للمجمع الصناعي العسكري

بعد نصف قرن كامل من هذا الخطاب الاستشرافي لرئيس الولايات المتحدة الذي شغل منصب القائد العام للجيش الأمريكي أثناء الحرب العالمية الثانية، يبدو أن نبوءته حول النفوذ المتنامي للمجمع الصناعي العسكري كانت بالغة الدقّة؛ خصوصًا بالنظر إلى السلطة الكبيرة التي أصبحت شركات الأسلحة والصناعات الدفاعية تحوزها، والتضخّم الاستثنائي لميزانية وزارة الدفاع الأمريكية سنة بعد سنة. 

أضحى هذا اللوبي المتغلغل في دواليب السلطة في أمريكا، يؤثّر على قرار السلم والحرب، كما يؤثر على تعيين المسؤولين في الحكومة، بالإضافة إلى ضغوطه حول ميزانية التسليح. وقد عرض الرئيس الأمريكي جو بايدن على الكونجرس، الموافقة على ميزانية جديدة للدفاع تقدّر بـ753 مليار دولار، وهو المقترح الذي نال غضب العديد من المحلّلين والمراقبين، باعتباره استمرارًا لسياسة الانفاق العسكري شديد الضخامة على حساب قطاعات أخرى، خصوصًا عندما نعرف أن الولايات المتحدة تنفق حاليًا على ميزانية الدفاع أكثر مما كانت تنفقه خلال حرب الفيتنام. 

وجاء تبرير هذه الميزانية العسكرية الضخمة على لسان وزير الدفاع الأمريكي من أجل ضمان تفوّق عسكري على الصين وباقي المنافسين. لكن الولايات المتحدة تنفق على ميزانية الدفاع، أكثر مما تنفقه العشر دول الكبرى على جيوشها مجتمعة (الصين، والهند، وروسيا، والسعودية، وفرنسا، وألمانيا، وبريطانيا، واليابان، وكوريا الجنوبية، والبرازيل) وهذا رغم أن ستًا من هذه الدول العشر تعتبر حليفة للولايات المتحدة.

يمكن تتبّع بصمات المجمع الصناعي العسكري حتى في التعيينات الحكومية وفي مناصب شديدة الحساسية، فحين اختار الرئيس الأمريكي جو بايدن، الجنرال المتقاعد لويد أوستن ليكون أوّل وزير دفاع أمريكي من أصل أفريقي، وفي الوقت الذي راحت وسائل الإعلام التقليدية تحتفي بهذا «الحدث التاريخي» بوصول شخص من الأقليات إلى منصب بهذه الدرجة من الحساسيّة، فإن مراقبين قد سلّطوا الضوء على تفصيل أهم من لون بشرته، وهو أن وزير الدفاع الأمريكي هذا كان عضوًا في مجلس إدارة شركة رايثيون، كبرى شركات الصناعة العسكرية، وقد حصل على 1.7 مليون دولار بعد مغادرته مجلس إدارة الشركة للانتقال إلى البنتاجون. 

وتعرف فترة الحروب إجراءات استثنائية تسمح للسلطة بالتحكم في الاقتصاد وفي الشركات الخاصة من أجل تزويد الجيش؛ إذ إن المجتمع يكون في حالة تجنيد شامل لغاية الفوز بالحرب، وتتّجه كل موارد الدولة لهذا الغرض، لكن التضخّم في حجم الجيش الأمريكي لم يتوقّف بعد الحرب العالمية الثانية، ولا بعد نهاية الحرب الباردة، إذ بقي الانفاق العسكري في تصاعد مستمر، وبلغت القوة العسكرية الأمريكية مستويات خيالية من خلال افتتاح 800 قاعدة عسكرية حول العالم في حوالي 80 دولة. 

وتوجّه انتقادات إلى المجمع الصناعي العسكري بأنه مسؤول عن ظاهرة «الحروب التي لا تنتهي» التي تخوضها الولايات المتحدة منذ سنوات، خصوصًا في كل من العراق وأفغانستان، ففي كل مرّة كانت تعلن الإدارة الأمريكية عن موعد نهائي للانسحاب من هذين البلدين، تمدد بقاءها فيه بعد ذلك بشكل متواصل؛ إذ تتواجد الولايات المتحدة في أفغانستان منذ 2001. وكان الرئيس بايدن قد أعلن عن المغادرة النهائية للقوات الأمريكية في سبتمبر (أيلول) القادم، لكن الإدارات السابقة قد أطلقت قبلها وعودة بالمغادرة، من بينها جو بايدن نفسه حين كان نائبًا للرئيس أوباما، حين قال «سنغادر أفغانستان سنة 2014».

الدائرة المغلقة للمجمع العسكري.. شركات السلاح والأجهزة الأمنية والكونجرس

ويبدو تحذير الرئيس السابق آيزنهاور من نفوذ المجمع الصناعي العسكري له جذور في النصوص المؤسسة للولايات المتحدة، إذ حذّر الدستور صراحة من أن تعبئة الجيش بصورة دائمة تعدّ تهديدًا للحريات. تحذيرات آينزهاور، جاءت بعد عقد كامل من الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفيتي، وجدير بالذكر أنه قبل ذلك، وفي الوقت الذي احتفل فيها الأمريكيون بنهاية الحرب العالمية الثانية وخروجها منتصرة منها، وبالتالي من المفترض أن يسود شعور بالأمن والسلام، وتتّجه ميزانية الدولة إلى الانفاق على الصحة، أو التعليم، أو الملفات الاجتماعية؛ دخلت البلاد في مرحلة سباق التسلّح الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي، وهي الحالة التي تطوّرت إلى ما سُمّى بـ«حالة الحرب الدائمة».

حالة الحرب الدائمة هذه جعلت الصناعات العسكرية تزدهر أكثر، وتنامى الإنفاق على التسلّح والابتكار والبحث العلمي في المجال العسكري، وهو ما أعطى شركات الصناعات العسكرية بالإضافة إلى المؤسسات الأمنية والعسكرية نفوذًا سياسيًا أكبر، وبما أن زيادة هامش الأرباح هو الدافع الوحيد للشركات الخاصة، فقد أضحت الحرب بالنسبة لهم تجارة رابحة تدرّ عليهم الملايير من الدولارات من أموال دافعي الضرائب، خصوصًا مع انتشار مشاعر الخوف من الآخر والتهديد الدائم وصناعة العدوّ التي تمارسها أجهزة الإعلام بصفة متواصلة. 

وعند الحديث عن «المجمع الصناعي العسكري» فغالبًا ما يشير الباحثون إلى أنّه يستمدّ نفوذه من ثلاث ركائز أساسية: شركات السلاح، والمصانع العسكرية العالمية، والمتعاقدين الخواص، وأهمهم: لوكهيد مارتن (Lockheed Martin)، ورايثيون (Raytheon)، ونورثاب جرومان (Northup Grumman)، وبوينج (Boeing)، وجينيرال ديناميكس (General Dynamics). أما الركيزة الثانية فهم أعضاء الكونجرس، ثم الأجهزة الأمنية والعسكرية. تطمح شركات السلاح إلى زيادة ربحها بشكل متواصل، وهو ما يدفعها إلى الضغط على أعضاء الكونجرس من أجل الموافقة على زيادة ميزانية الدفاع أو شنّ الحروب، ثم تأتي الأجهزة الأمنية والعسكرية لتستفيد من هذه الزيادات في الانفاق؛ لأن ذلك يضمن لها نفوذًا وسلطة أكبر داخل الحكومة. 

«لا نحتاج دبّاباتكم».. المجمع يضغط لتجهيز الجيش بمعدّات لا يحتاجها

إحدى أهم أذرع المجمع الصناعي العسكري في واشنطن هو سلاح المال، وذلك من خلال مساهمته في الحملات الانتخابية للسياسيين ونوّاب الكونجرس بالتحديد، بالإضافة إلى مرشّحي الرئاسة، فعندما تقرأ قائمة شركات الصناعات العسكرية الأعلى ربحًا في الولايات المتحدة، ستجدها لا تختلف كثيرًا عن قائمة أخرى ليست أقل خطورة، وهي قائمة أكثر شركات الصناعات العسكرية مساهمة في الحملات الانتخابية للمترشّحين لعضوية الكونجرس. وكان تقرير لمركز «السياسات المسؤولة» قد ذكر أن كبرى شركات الصناعة العسكرية قد تبرّعت لحملات المرشّحين لانتخابات الكونجرس الأمريكي في سنة 2020 بقيمة تصل إلى حوالي 46 مليون دولار؛ وقد تصدّرت كبرى الشركات العسكرية قائمة المتبرّعين، من بينهم «نورثاب جرومان»، و«رايثيون»، و«لوكهيد مارتين»، و«بويج» وآخرين. 

 دبّابات من نوع آبرامز  

مظهر آخر من مظاهر قوّة ونفوذ المجمع الصناعي العسكري يتجلّى في التجهيزات العسكرية الكبيرة التي يحصل عليها الجيش الأمريكي، رغم أنه لا يحتاجها ولم يطلبها، ففي عام 2013، صرّح كبير موظفي الجيش الأمريكي الجنرال راي أوديرنو، بوضوح بأن الجيش لا يحتاج إلى دبّابات إضافية من نوع آبرامز، وذلك أثناء شهادته أمام الكونجرس، لكن الكونجرس الأمريكي خصّص ميزانية لهذه الدبّابات رغم تأكيد قيادات الجيش على عدم حاجتهم إليها. 

والسبب هو أن صناعة الدبّابات تحمي العديد من الصناعات، ومناصب الشغل في ولايات انتخابية، وبالتالي فإن من مصلحة نوّاب الكونجرس الموافقة على هذه الميزانية من أجل الحفاظ على الوظائف وانتعاش الاقتصاديات المحليّة لولاياتهم، وذلك من أجل الحصول على رضا عمّال هذه المصانع وبالتالي أصواتهم، بالإضافة إلى الشركات العسكرية؛ وهو ما يحدث بالنسبة لولاية أوهايو حيث يتواجد مصنع الدبّابات؛ مما يدفع نوّاب هذه الولاية – سواء من الحزب الديمقراطي أو الجمهوري – إلى الضغط بشكل دائم من أجل تزويد الجيش الأمريكي بالمزيد منها حتى وإن أعلن قادة الجيش اكتفاءهم.

دولي

منذ 3 شهور
ماذا يعني تطوير الجيش الأمريكي لأقوى ليزر في التاريخ؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد