هل من الممكن أن يجعلك الاختلاف عن الآخرين، حتى وإن كان هذا الاختلاف يُشعرك أحيانًا بالنقص، شخصًا مُميزًا ومُبدعًا مُقارنة بمن حولك؟ الإجابة هي نعم، فالشعور بالنقص الذي قد يشعر به أغلبنا لسبب أو لآخر، ليس بالأمر السلبي تمامًا، فهذا الشعور رغم قسوته قد يقود صاحبه إلى تحقيق الإنجاز والتميّز والإبداع، وهو الأمر الذي أشار إليه بعض علماء النفس، ومنهم عالم النفس الشهير ألفريد أدلر، وهو ما يُمكنك هنا أن تتعرف إليه عن قرب.

كيف تربي طفلك على الذكاء العاطفي؟ 5 نصائح تشرح لك

هل الشعور بالنقص سلبي دائمًا ويجب مُكافحته؟

من وقت لآخر، يشعر الكثير منا بالاختلاف الذي قد يكون سلبيًا مقارنة بأقراننا، وهو ما يولد الشعور بالنقص، الذي في الأغلب يكون حادًا وقاسيًا ويقود إلى حياة مُضنية.

عقدة النقص، على النحو الذي حدده الأطباء النفسيون، هي شعور بعدم كفاية نابع من أسباب حقيقية أو وهمية، وعلى الرغم من أن المشاعر غالبًا ما تكون غير واعية، إلا أن هذا الشعور غالبًا ما يُجبر ضحاياه على التعويض المفرط في أدائهم، يمكن أن يأخذ هذا شكل الإنجاز المتميز أو الغريب بمقاييس المجتمع.

وفي حين أن الشعور الإنساني بالنقص يمكن أن يدفع شخص ما إلى النجاح الصحي، إلا أن الشخص الذي يعاني منه يمكن أن يصل إلى مرحلة شديدة من الإحباط، ويمكن أن يصبح خطرًا على نفسه.

وقد اقترح العديد من علماء الاجتماع أن الأعراض المعقدة للشعور بالنقص يمكن أن تؤثر على مُجتمعات بأكملها، فالمجتمعات قد تشعر بأنها مهددة من قبل الآخرين، وتتصرف بطرق سلبية للتغلب على الشعور بعدم الكفاية.

كيف يقود الاختلاف إلى التميز؟

«أن تكون إنسانًا يعني أن تشعر بالنقص» * ألفريد أدلر

لاحظ عالم النفس الشهير ألفريد أدلر، وهو طبيب نمساوي، ومؤسس مدرسة علم النفس الفردي، أن الأشخاص الذين يعانون من نوع من الاختلاف في جزء أو عضو معين من الجسم، سيحاولون التعويض عن اختلافهم هذا عن طريق اتخاذ خطوات مُركزة لتقوية أنفسهم في بعض المجالات المحددة.

Embed from Getty Images

فمثلًا كافح ديموستين رجل الدولة اليوناني وأحد أعظم الخطباء في التاريخ، ليُصبح خطيبًا مُفوهًا مع إنه في البدء كان يُعاني من التلعثم وهو طفل، كذلك فإن ثيودور روزفلت، الذي كان ضعيف البنية خلال سنوات مُراهقته، تحدى هذا الشعور بالضعف وحوّل نفسه إلى رجل قوي جسديًا.

في وقت لاحق، وسع أدلر مفهوم الشعور بالنقص ليشمل جميع الدوافع الناجمة عن مشاعر عدم الاكتمال أو عدم الكفاية في أي مجال من مجالات الحياة، وتشمل هذه الدوافع جميع أنواع الإعاقة التي يتصورها الفرد، سواء أكانت جسدية أو نفسية أو اجتماعية.

فالفرد الذي يرى نفسه مُختلفًا عن الآخرين في منطقة معينة يسعى جاهدًا لتطوير نفسه على هذا النحو، وعند الوصول إلى مستوى أعلى، يظهر الشعور بالنقص مرة أخرى، مما يجعله يسعى أكثر، وبالتالي فإن الرحلة لا تنتهي، ويُصبح التحسين والتطوير لانهائيًا.

علاوة على ذلك، عندما يتعذر على الشخص أحيانًا معالجة سبب الشعور بعقدة النقص بشكل مباشر، فإنه يحاول تعويض ذلك عن طريق التفوق في مهارة مختلفة، فعلى سبيل المثال، الشخص الذي يعاني من ضعف السمع يعوض ذلك عن طريق تنمية القدرة المثيرة للإعجاب على قراءة الشفاه، وهكذا يُمكن للاختلاف أن يكون سببًا في التحسن والنمو.

يرى أدلر أيضًا أن جميع البشر على حد سواء يُعانون من الشعور بالنقص، وعبّر عن ذلك قائلًا «أن تكون إنسانًا يعني أن تشعر بالنقص»، فقد رأى أن كفاح كل واحد منّا مُتمثل في التغلب على شعورنا هذا، كذلك فإن طبيعة وحجم نضالنا من أجل التفوق يعتمد على طبيعة وعمق النقص الذي نشعر به.

لسنا جميعًا قادرون على تعويض الشعور بالنقص بشكل إيجابي

لسوء الحظ، لا يكون الجميع قادرون على تعويض الشعور بالنقص بشكل إيجابي، فيلجأ بعض الناس إلى حماية أنفسهم بدلًا من السعي للتطوير والتحسن، ويصف أدلر ثلاثة أنواع من سلوكيات الحماية، وهي: الأعذار والعدوان والبعد.

الفئة الأولى من الناس تجعل الأعذار هو طريقتها لتجنب اللوم، والأشخاص الذين يندرجون في الفئة الثانية يصبحون عدوانيين ويلومون أنفسهم أو الآخرين على الفشل. أما الفئة الثالثة فيُظهرون رغبتهم في البعد عن طريق التسويف والاعتزال.

سلوكيات الحماية السابقة تعمل لصالح الشخص لفترة قصيرة للغاية، والخيار الصحي هنا هو مواجهة الأزمة، فالشخص الذي لا يزال يرفض حل مشاكله ويرفض مواجهتها يكون مُعرضًا أكثر للوقوع في الجانب السلبي من الشعور بالنقص، فينسحب تمامًا من التحدي ويقبل شعوره بالنقص على أنه خارج عن إرادته، وبالتالي ينزلق إلى العديد من المشكلات رغمًا عنه.

وبدلًا من المواجهة والبحث في الحلول والتطوير والتحسين، قد يرفض الشخص رؤية عيوبه تمامًا، مما يلغي الحاجة إلى تصحيحها.

الشعور بالنقص وتأثير تجارب الطفولة

يتجذر الشعور الأساسي بالنقص في تجربة الطفل الأولى، وما عاناه خلالها من الضعف أو التبعية للآخرين، تؤدي هذه الجرعة الأولية من الشعور إلى تجربة غير مريحة يقبلها كثيرون منا ويعودون إليها كلما أرادوا تعريف دورهم في الحياة.

Embed from Getty Images

أثناء الحديث عن كيفية تشكيل شخصية الفرد، يؤكد أدلر أهمية المعتقدات التي تم إنشاؤها أثناء الطفولة، وأن السنوات القليلة الأولى من الحياة تُشكل الأساس لكيفية تعريف الفرد لنفسه وما يؤمن به وما هي الفئات الاجتماعية التي يعتبر نفسه جزءًا منها. فهناك عوامل مثل العلاقة مع الأسرة، وترتيب الفرد بين إخوته، والفجوة العمرية بين الأشقاء؛ يكون لها صلة مباشرة بكيفية رؤية الفرد للعالم.

فالدوافع التي تواجه الفرد خلال السنوات الأولى من الحياة قد يحاول التعويض عنها لفترات طويلة من حياته ومستقبله، وتُساهم بشكل كبير في تشكيل أهدافه، كما إنها تُحدد سلوكه في الحياة.

وقد يُعاني الفرد من عقدة النقص بشكل أكثر شراسة وفقًا لأدلر، نتيجة لتواجد أي من العوامل الثلاثة التالية في طفولة الفرد، وهي:

  • الشعور بالنقص جسديًا أو عقليًا: الأطفال الذين يعانون من مُشكلات جسدية أو عقلية غالبًا ما يشعرون بعدم الكفاءة وينظرون إلى أنفسهم على أنهم فاشلون، ومع ذلك فإن وجود التفاهم وتشجيع الآباء يقطع شوطًا كبيرًا في التغلب على هذه العقبات وربما حتى تحويلها إلى نقاط قوة.
  • الإهمال: الأطفال الذين يتعرضون للإهمال وسوء المعاملة قد يكرهون العالم وينمون ليصبحوا أعداء للمجتمع ولجميع من حولهم.
  • التدليل: يعتبر أدلر أن هذه الفئة هي الأسوأ على الإطلاق، فعلى غير المُتوقع تتسع عقدة النقص لديهم، فالأطفال المدللون يكبرون ليصبحوا مُستنزفين لمن حولهم، ويتوقعون أن وظيفة الجميع هي تحقيق رغباتهم ونزواتهم فقط.

بخلاف المشاعر الأساسية للنقص التي تحدث في الطفولة، هناك أيضًا مشاعر نقص ثانوية يمكن أن تحدث لنا كبالغين، عندما يكون الشخص غير قادر على الوصول إلى الهدف النهائي المتمثل في الأمن الشخصي والنجاح، هذا يمكن أن ينبع من محاولة عمل فاشلة، أو عدم القدرة على الانتهاء من الدراسة بنجاح، كل هذا يؤدي إلى مشاعر النقص الثانوية.

يجاهد البالغون لإيجاد هوية مناسبة لهم باعتبارهم أشخاصًا بالغين، وغالبًا ما يعودون إلى مشاعر النقص الأولية، يمكن أن تستمر هذه الدورة طوال حياة الفرد بالكامل، مما يجعل من الصعب العمل بشكل صحي داخل المجتمع.

كيف يمكن التعامل مع عقدة النقص؟

يُدرك الأدلريون (نسبة إلى ألفريد أدلر) أن الشعور بالنقص هو أمر طبيعي، ولن يستطيع الفرد أن يبرأ منه تمامًا، فالصعوبات والمشاكل هي جزء طبيعي من حياة الإنسان، لذلك، فإن العلاج من وجهة نظرهم، لا يعني «علاج» أي شيء لأنه في الواقع لا يوجد شيء للعلاج.

كل ما يُمكننا فعله هو تقديم الدعم لبعضنا البعض، فالناس يتصرفون بطرق غير صحية عندما يشعرون بالإحباط، فمثلًا، الطفل الذي يسيء التصرف، يحاول التعويض عن مشاعره السلبية عن طريق التنافس أو الابتعاد أو الاستسلام تمامًا، وتكون أفضل طريقة لمساعدته هي جعله يشعر بالتقدير والانتماء والمحبة والتفاؤل، فالطريقة الوحيدة لمعالجة مشاعر الإحباط هي التشجيع.

إذا لجأ الشخص إلى اختصاصي من أجل الحصول على المساعدة، فإن المُختص في هذه الحالة سيحاول في العلاج أن يبحث بشدة عن نقاط قوة العميل ويساعده في التعرف إلى قوته، سيتحول مفهومه الذاتي تدريجيًا من السلبي إلى الإيجابي لأنه يصبح أكثر وعيًا بقيمته.

أنتِ أم وتعانين من الانتقاد والتنمر؟ 6 نصائح تساعدك في تخطي الشعور بالذنب

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد