عندما نتحدث عن مسلمي الهند يتبادر إلى الأذهان الاضطهاد الذي يعانونه حاليًّا على يد حزب «بهاراتيا جاناتا» الحاكم، الذي يغذي التوَّجه الهندوسي القومي المتطرِّف في البلاد، لكن هذا ليس الحال دائما، فقد عرفت الهند شخصيات تاريخية مسلمة شقَّت طريقًا للمجد في أرض التاريخ وعبَّدته، وتركت أثرًا لا يمحى في ذاكرة البلاد، وأخرى معاصرة رفعت راية مقاومة الاضطهاد والتهميش، لتسطر مجدًا من نوع آخر ومن موقع المعارضة هذه المرة وليس السلطة، كما كان الحال مع أسلافهم المسلمين.

وفي تقارير سابقة تناولنا عددًا من الشخصيات التاريخية المسلمة التي ساهمت في صياغة تاريخ الهند، ومن بينهم السلطان محمود الغزنوي، والسلطان أورنكزيب، وتيبو سلطان، والسلطان بلبن، والإمبراطور بهادر شاه ظفر، وها نحن هنا بصدد التعرف إلى عدد آخر من الشخصيات المسلمة المؤثرة في الهند في التاريخ والحاضر معًا في هذا التقرير.

فيروز شاه الطغلقي.. أصلح ما أفسده الآخرون

بعدما توفي السلطان الطغلقي الثاني «أبو المجاهد محمد طغلق»، عام 752هـ (1351م)، لم يترك وريثًا للعرش، ولكن خلال فترة مرضه، كان ابن عمه «فيروز شاه» مرافقًا له ويقوم على خدمته، وهو ما جعل محمد طغلق يشير إلى أن يكون فيروز شاه ولي عهده، بحسب ما أورده الدكتور عبد المنعم النمر في كتابه «تاريخ الإسلام في الهند».

لم يعلن محمد طغلق الأمر بصورة رسمية، وهو ما أثار الهرج بعد وفاته، ولكن اجتماعًا لكبار رجال الدولة آنذاك أفضى إلى إسناد الحكم إلى فيروز شاه الذي قابل القرار بالرفض، مشيرًا إلى نيته التوجه إلى الحج، إلا أن إصرارهم أدى إلى قبوله تولي الحكم.

وكانت فترة حكم محمد طغلق تعج بالغرائب، فقد عمل على تخريب عاصمة دولته «دلهي»، وأجبر سكانها على هجرها والانتقال إلى مكان آخر، وفي الجزء الثاني من كتابه «نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر» قال عبد الحي بن فخر اللكنوي: «إن محمد طغلق هو السلطان الجائر المشهور بالعادل، وكان من عجائب الزمن وسوائح الدهر، فلم يُرَ مثله في الملوك والسلاطين في بذل الأموال الطائلة، وسفك الدماء المعصومة، وفتح الفتوحات الكثيرة، وتوسيع المملكة العظيمة».

وفي المقابل، عزم فيروز شاه فور توليه الحكم، على إصلاح أخطاء الماضي، وتعويض أهل البلاد عما لاقوه خلال فترة حكم ابن عمه، فأعفى المزارعين من ديونهم، وأحرق صكوكها التي كانت بحوزة الحكومة، وخفف الضرائب، وألغى نظام الإقطاع الذي كان يقضي بمنح الأراضي لرجال الجيش والأمراء، وجعلها تابعة للحكومة. كما عمل فيروز شاه على ضمان الدولة لمعيشة المقعدين العاجزين عن العمل.

واتجه فيروز شاه للمشروعات العمرانية، ووفقًا لكتاب «نزهة الخواطر»، فقد حفر 50 مجرىً مائيًّا، وبنى 40 مسجدًا، و20 زاوية، و100 قصر، و50 مستشفى، و100 مقبرة، و100 جسر، وعشرة حمامات، و150 بئرًا، كما أسس 2200 حديقة بناحية دلهي، وغيرها من الحدائق بأماكن أخرى، ولم يكتف فيروز شاه بتلك الإصلاحات، بل أنشأ مدينة جديدة بالقرب من دلهي، وأطلق عليها «فيروز آباد».

وأثناء محاولته استعادة البلاد التي استقل بها أمراؤها خلال فترة حكم محمد طغلق، حرص فيروز شاه على حقن الدماء، فمن أراد الصلح، استجاب له، وأثناء فتح قلعة «نكركوت»، أمر بترجمة الكتب الثمينة في الفنون والرياضيات والأدب من السنسكريتية للفارسية.

بابر شاه.. مؤسس دولة المغول الإسلامية في الهند

كان أبو ظهير الدين محمد بابر، ينحدر من أسرة تيمور لنك، بينما كانت أمه تنتمي لأسرة جنكيز خان، لذا فقد ورث عن والده حكم مملكة «فرغانة» (في أوزباكستان حاليًّا) وهو في الثانية عشرة من عمره، وتمكن لاحقًا من ضم مملكة ما وراء النهر إلى ملكه، إلا أنه ما لبث أن فقد كل شيء، فذهب إلى أفغانستان، حيث أسس مملكة جديدة عام 910هـ (1504م).

وبدأ بابر شاه يوسع مملكته الجديدة، حتى استنجد به حاكم لاهور ضد «إبراهيم اللودي» حاكم دلهي، فانتهز الفرصة، وسار نحو الهند ومعه 12 ألف مقاتل مزودين بالمدافع الحديثة آنذاك، وتمكن بابر شاه من حسم المعركة لصالحه ضد إبراهيم اللودي، وبذلك أصبح مؤسسًا لدولة المغول الإسلامية في الهند عام 932هـ (1526م).

وفي المقابل، تجمَّع ملوك الهندوس ضد بابر شاه، وخاضوا، بأعدادهم الغفيرة، المعارك ضده، إلا أن تنظيمه المحكم للجيش وبثه روح الحماسة بين جنوده، أدى إلى فرض سيطرته على ممالكهم، ليتسع بذلك نطاق حكمه.

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
قصة الشاب المسلم الذي علم الملكة فيكتوريا لغة الإسلام في الهند

وتمكن بابر شاه خلال فترة حكمه التي لم تتجاوز الخمس سنوات، من عمل الكثير من الإصلاحات الداخلية، فقد أكْثَر من حفْر الترع، ومهَّد طرق المسافرين، وأكثر من غَرْس الأشجار وإنشاء الحدائق، ونظَّم الضرائب، وفق ما قال الدكتور عبد المنعم النمر في كتابه «تاريخ الإسلام في الهند».

وبعيدًا عن ساحات المعارك والتنمية، فقد ألف بابر العديد من الكتب في الفقه والعروض، كما اخترع خطًّا أسماه باسمه وكتب به مصحفًا أهداه لمكة المكرمة، كما كتب مذكراته باللغة التركية، وترجمت فيما بعد إلى الفارسية، ومنها إلى عدة لغات.

أسد الدين أويسي.. عضو البرلمان الذي تعرض لمحاولة اغتيال

بالإضافة إلى الشخصيات التاريخية الذين تركوا بصمتهم في ذاكرة الهند، فقد شهدت الهند المعاصرة عدة شخصيات مسلمة تركوا أثرًا لا ينسى أيضًا في التاريخ الهندي، ومنهم أسد الدين أويسي، فبعد تخرجه في المعهد الهندي للهندسة، التحق بشركة «تاتا ستيل» التي استقال منها عام 1992، وانضم إلى دائرة الإيرادات الهندية.

كان أسد الدين أويسي عضوًا في الجمعية التشريعية لأندرا براديش، عن دائرة تشاريمنار خلال الفترة من 1994 حتى 2003، ويرأس أويسي -حاليًّا- «مستشفى ومركز بحوث أويسي» في حيدر آباد، وهو مستشفى تعليمي يجري أبحاثًا مع مراكز دولية.

ينتمي أويسي لحزب «مجلس اتحاد المسلمين» وتمكن من الوصول للبرلمان منذ 2004 حتى الآن؛ لتمثيل مدينة حيدر أباد مركز ولاية تيلانجانا في جنوب وسط الهند، وحاز عام 2014 على جائزة «جوهرة البرلمانيين» بسبب أدائه المتميز في البرلمان، فقد طرح 1080 سؤالًا واستجوابًا ومناقشة في جلساته.

أسد الدين أويسي

أسد الدين أويسي. مصدر الصورة: Telegraph India

ووفقًا لتقرير على موقع «الجزيرة»، يعد أويسي من أكثر الشخصيات المسلمة تأثيرًا في الهند، وينتمي لعائلة سياسية معروفة، فقد أعاد جده عبد الواحد أويسي تأسيس حزب مجلس اتحاد مسلمي عموم الهند عام 1957، كما انتخب والده صلاح الدين أويسي لمجلس ولاية أندرا براديش عام 1962، كما أن أخوه يعمل نائبًا بمجلس ولاية تيلانجانا، وأخوه الآخر يعمل رئيس تحرير صحيفة «اعتماد» التابعة للحزب.

وتعرَّض أويسي لمحاولة اغتيال في فبراير (شباط) 2022، أثناء عودته من حملته الانتخابية في ولاية أوتار براديش جنوب شرق نيودلهي، إذ تعرضت سيارته لإطلاق نار، وكان أويسي قد طالب البرلمان منذ عام 2015 بتأسيس مجموعة خاصة لمواجهة التطرف بين جميع الأديان.

الجدة بلقيس.. صوت المهمشين ورمز المقاومة الحديثة

في عام 2019، وفي أعقاب صدور قانون الجنسية الهندية المثير للجدل، خرجت الجدة بلقيس البالغة من العمر 82 عامًا ضمن صفوف المحتجين، واستمرَّت في الاحتجاج لمدة ثلاثة أشهر في برد الشتاء دون أن تجزع، مما دفع مجلة «تايم» لضمها لقائمة أكثر 100 شخصية مؤثرة في العالم 2020، ووصفها بأنها «صوت المهمشين ورمز المقاومة».

الجدة بلقيس

الجدة بلقيس. مصدر الصورة: The new leam

وخلال فترة اعتصامها، تحدثت الجدة بلقيس عن مخاوفها بشأن قانون الجنسية، وأنه قد يمهد الطريق لجعل المسلمين عرضة لإسقاط الجنسية من خلال دعوتهم لإثبات الجنسية، كما أوضحت الجدة بلقيس أنها تحارب التمييز الديني، وأن معركتها مع القانون الجديد، وليس مع الطوائف الدينية الأخرى من الهندوس والسيخ والمسيحيين.

ووفق مجلة «تايم»، فقد أعطت الجدة بلقيس الأمل والقوة للناشطين وقادة الطلاب، الذين ألقي بهم وراء القضبان لدفاعهم عن الحقيقة التي لا تحظى بشعبية في ديمقراطية تنزلق إلى الاستبداد، وألهمت الجدة الاحتجاجات السلمية المقلدة في جميع أنحاء البلاد.

تاريخ

منذ سنتين
«رُيّاس البحر الهندي».. 4 رحالة مسلمون لمع اسمهم في علم الجغرافيا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد