نعيش الآن فترة في حياة البشر، يعد فيها  الذكاء الاصطناعي جنبًا إلى جنب مع الإنترنت أحد أهم العوامل المساعدة للبشر في حياتهم اليومية، ويظهر يوميًّا الجديد من الاختراعات التي تعتمد على الاثنين معًا، وكل شيء من حولنا أصبح «ذكيًّا» بتعبير تقني، أي متصل بالإنترنت وقادر على اتخاذ قرارت وحده في بعض الأمور، حتى الملابس سواء الرسمية أو الرياضية بدأت تندرج تحت بند «الذكية» فأصبح هناك ما يعرف بالتكنولوجيا الذكية القابلة للارتداء.

يستطيع الذكاء الاصطناعي مع اتصاله بالإنترنت أن يصنع الكثير من الإنجازات المساعِدة للبشر، وللجهاز نفسه من خلال تطوير وتعليم ذاته، ومستقبل هذا التعاون بين الاثنين – الإنترنت والذكاء الاصطناعي- محل اهتمام الكثير من العلماء ومثار للكثير من النظريات؛ وفي هذا التقرير سنناقش واحدة من هذه النظريات المهمة.

الوعي واللاوعي في الذكاء الاصطناعي

لمدة طويلة ظل تساؤل «هل يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي واعيًا؟» مطروحًا، ويعد من أهم الأسئلة التي لا تشغل بال العلماء فقط، بل أيضًا المهتمين بتقديم دراما الخيال العلمي.

يعد مسلسل «West World» الذي حقق جماهيرية عربية وعالمية؛ من أهم الأعمال الدرامية التي ناقشت فكرة تطوير الذكاء، ودارت أحداث المسلسل حول نجاح البشر في ابتكار روبوتات بذكاء اصطناعي متطور، ومظهر خارجي أقرب ما يكون للبشر، حتى إنك لا تستطيع تفريقهم عن الإنسان الحقيقي، لكن هذا الروبوت ليس له ذاكرة، ومن ثم فهو لا يتذكر ما الذي يمر به في اللعبة القاسية التي تُستخدَم فيها هذه الروبوتات خلال أحداث المسلسل؛ حتى يقرر أحد العاملين مع هذه الروبوتات، تحميل «برامج الوعي والذاكرة» على مجموعة من الروبوتات، وبمجرد أن يحدث هذا، تتذكر الروبوتات ما مرت به من أحداث قاسية ليلة وراء الأخرى ويقررون الثورة على صانعهم.

احتمالية أن يكون للذكاء الاصطناعي وعي مستقل، ربما تكون فكرة ثورية في الخيال العلمي؛ لكن ما رأي العلم الحديث فيها؟ في دراسة نشرت بنهاية شهر ديسمبر (كانون الثاني) 2021، تحت عنوان «Consciousness in humans, animals and artificial intelligence»؛ طرح علماء المخ والأعصاب مُعِدُّو الدراسة، نظرية جديدة من شأنها إحداث ثورة في فهم العلاقة بين الوعي والذكاء الاصطناعي وكيفية تطوير الأخير وعيًا مستقلًّا به.

فقد انشغل العلماء معدِّو الدراسة لفترة طويلة باستكشاف طبيعة الوعي وكيف يمكن للمخ أن يولِّد وعيًا خاصًّا به، وما إذا كانت الحيوانات لديها وعي أيضًا، وتقول تلك النظرية الجديدة المطروحة في الدراسة «إن الوعي حالة ترتبط بالعمليات الإدراكية المعقدة وليست حالة تسود تلقائيًّا في حالة الاستيقاظ».

ووصفت الدراسة اللاوعي بأنه «الطيار الآلي الذي يحرك جسد الإنسان يوميًّا»، فنحن لا نستخدم وعينا المستيقظ في فعل الأعمال اليومية الروتينية مثل ارتداء الملابس والاستحمام والقيادة، بل نحن – البشر- نفعل كل تلك الممارسات اليومية المعتادة بناء على برمجتها وتخزينها في اللاوعي، ونحتاج الوعي فقط في المواقف الجديدة التي نحتاج لها حلولًا جديدة؛ وقتها فقط يعمل الوعي.

ونحتاج «مشكلة» حتى يتطور الوعي

تعد عملية الإدراك الواعي ضرورية للتنبؤ بالأحداث أو المشكلات المستقبلية، وضرورية أيضًا لتطوير إستراتيجيات المواجهة المناسبة لتلك المشكلات حتى تستطيع حلها، والأهم من ذلك أن العمليات المعرفية الواعية هي أساس السلوك التكيفي والمرن الذي يمكِّن الإنسان والحيوان من التكيف مع الظروف البيئية الجديدة.

ولذلك عندما يتغير المناخ؛ يستطيع الشامبانزي تطوير آليات جديدة مناسبة لظروف الطقس الجديدة بغرض الحصول على الطعام بشكل أكبر، للدرجة التي دفعته – الشامبانزي- لاستخدام ادوات مثل عصاة يدخلها في الجحور لاستخراج الحشرات التي يتناولها طعامًا؛ وقد وصف العلماء هذا التصرف بأنه دليل على تطور «وعي» الشامبانزي من مرحلة لمرحلة جديدة، كما سبق وأن ناقشنا ذلك في تقرير قديم، إذن نحن نحتاج الوعي فقط للتكيف على الأوضاع الجديدة وحل المشكلات الطارئة التي تواجهنا؛ أما عدا ذلك فنحن نعتمد يوميًّا على اللاوعي، وعندما يحتاج الإنسان إلى حل مشكلة جديدة سيفكر ويلجأ إلى جهازه العصبي.

والآن؛ ما تطرحه النظرية هو التالي، لو كان الإنسان مثل الذكاء الاصطناعي، وذاكرة التخزين والبرمجيات المخزنة به بجانب الخوارزميات التي صُنع بها، هي بمثابة اللاوعي، أو الطيار الآلي مثل الإنسان، وإذا واجه الذكاء الاصطناعي مشكلة جديدة؛ يمكنه البحث عنها على شبكة الإنترنت والحصول عليها وتخزينها بوصفها معلومة جديدة في لاوعيه أو برمجياته، فهل هذا معناه أن الإنترنت يعمل عمل الجهاز العصبي البشري للذكاء الاصطناعي؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي بعد حل مجموعة كبيرة وضخمة من المشكلات والمسائل التي تواجهه وتستحق البحث على شبكة الإنترنت؛ أن يكون قادرًا على تطوير وعي خاص به؟


ما يقوله الباحثون في الدراسة حول هذه الفرضية، إن شبكات الإنترنت قد تعمل عمل الشبكات العصبية للمخ، بمعنى أن يُخزن في الذكاء الاصطناعي عمليات ثابتة ومبرجمة تقوم بدور اللاوعي عند الإنسان، وعندما يواجه الذكاء الاصطناعي مشكلة جديدة ومعقدة بشكل مستقل، ولا يوجد لها خوارزمية مخزنة لديه من تجربة سابقة؛ سيكون عليه اللجوء إلى شبكات الإنترنت التي ستمده بالمعلومات المطلوبة لحل المشكلة في عملية تشبه عملية التفكير في وعي الإنسان العاقل، فلو أن الذكاء الاصطناعي إنسانًا، فالإنترنت هو جهازه العصبي وذاكرته ومشاعره، إذا صح هذا التعبير.

ما هو «إنترنت الأشياء»؟

مؤخرًا وفي السنوات الأخيرة انتشرت مصطلحات مثل «التعلم الآلي Machine learning» و«إنترنت الأشياء- IoT»، ومن المهم أن نفهم معنى إنترنت الأشياء في إطار تقريرنا هذا، والذي يتحدث عن نظرية تقول إن الإنترنت قد يعمل عمل الجهاز العصبي الواعي للذكاء الاصطناعي.

فإنترنت الأشياء هو مفهوم حاسوبي يصف عملية اتصال جميع ومختلف الأجهزة المادية بشبكة الإنترنت، وقدرة كل جهاز على تعريف نفسه للأجهزة الأخرى، وهي شبكة افتراضية تجمع بين مختلف الأشياء المصنفة تحت بند الإلكترونيات، والبرمجيات، وأجهزة الاستشعار، والمحركات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي وتتصل بعضها ببعض عن طريق الإنترنت، ما يتيح لهذه الأشياء إمكانية تبادل البيانات فيما بينها.

لذا، فإن مفهوم إنترنت الأشياء جنبًا إلى جنب مع مفهوم التعلم الآلي والذي يسمح للذكاء الاصطناعي بتطوير مهاراته بنفسه؛ يوضح لنا مدى أهمية وجود الإنترنت – الجهاز العصبي للذكاء الاصطناعي- في تطوير مهارات التواصل بين كل الأجهزة في أنحاء العالم.

وبفضل تلك الشبكة العنكبوتية ستتمكن الأجهزة في المستقبل من الإبلاغ عن أعطالها بنفسها وإصلاحها أيضًا بمفردها، كما سنجد سيارات ذاتية القيادة، وحتى الملابس التي تتمتع بذكاء اصطناعي مرتبط بالإنترنت، ستخبرك بكل المعلومات التي تريدها عن جسدك والطقس من حولك، وهذا لأنه عند إضافة الذكاء الاصطناعي إلى إنترنت الأشياء، فهذا يعني أن هذه الأجهزة يمكنها تحليل البيانات واتخاذ القرارات والتصرف بناءً على تلك البيانات دون تدخل من البشر.

على سبيل المثال تعد الكاميرا الذكية من الأجهزة التي تعتمد على مفهوم إنترنت الأشياء، لأنها شيء يتصل بالإنترنت ليجري بعض العمليات بشكل مستقل ودون استخدام الإنسان، تلك الكاميرات إذا وضعت في المتاجر يمكنها تحليل أعمار وتفضيلات الزبائن الذين يزورون المتجر، وإذا وجدت أن غالبية العملاء الذين يدخلون المتجر هم من جيل الألفية فهي تحلل تلك البيانات وترسلها من خلال إنترنت الأشياء إلى شاشات عرض الإعلانات في المتجر، حتى تعرض الإعلانات المناسبة لهذا لتلك الفئة العمرية وتفضيلاتهم، وهي تقنية مستخدمة في متاجر «Amazon Go».

وكل هذا بكل إنجازاته يعد حتى الآن وسيلة لتسخير التكنولوجيا والإنترنت لصالح الإنسان، لكن هل ينقلب السحر على الساحر؟ أو هل ستغزو الروبوتات العالم؟

هذا سؤال قتل طرحًا وبحثًا حتى الآن بين العلماء والمتخصصين وحتى العامة، لكن إلى وقتنا هذا، ومع كل ما نراه من تطور للذكاء الاصطناعي وما يترتب عليه من إنجازات طبية وهندسية وحتى تجارية؛ فلا يزال الذكاء الاصطناعي حتى لو كان له جهاز عصبي يسمى «إنترنت الأشياء»؛ يعمل لصالح الإنسان لا ضده.

وحتى يأتي المستقبل، ونرى بأعيننا مدى التطور الذي يمكن أن يصل له هذا الذكاء الاصطناعي بكل ما أتيح له بمعلومات؛ فنحن – البشر والعلماء- لا نعلم هل يشكل هذا خطرًا علينا أم لا، والإجابة عن سؤال: هل نحن آمنون أمام تطور الآلة وتطوير ذكائها وتطوير وعي خاص بها؟ هي – للأسف – إجابة غير حاسمة، حتى تخبرنا المزيد من الدراسات بذلك، والذي عادة ما سيكون صعبًا، لأن الآلة تتعلم أسرع من قدرات البشر على الوصول لنتائج الدراسات.

تكنولوجيا

منذ شهرين
مترجم: انتشار الروبوتات الإناث.. 7 حقائق قد لا تكون شائعة عن الذكاء الاصطناعي

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد