في أواخر شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أثارت زيارة وفد من حركة طالبان الأفغانية إلى طهران، سخط قطاعات كبيرة من الشعب الإيراني، الذي لم ينس ما حدث للدبلوماسيين الإيرانيين في مدينة مزار شريف الأفغانية على يد مقاتلي جماعة طالبان المتمردة عام 1998 عندما استولت عناصر الحركة على القنصلية الإيرانية في مزار شريف شمالي أفغانستان، وأعدمت حينها تسعة دبلوماسيين وصحافيًا. 

 فيما شبه البعض منهم وفد جماعة طالبان بـ«تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، فما الذي حدث؟ وما الذي بين إيران وطالبان في الآونة الاخيرة؟

«لا تقاتل الولايات المتحدة بل الشعب الأفغاني»

لم تكن تلك هي المرة الأولى التي يزور فيها وفد من جماعة طالبان العاصمة الإيرانية، ولم تكن أيضًا المرة الأولى التي يكون هناك اتصالات على المستوى الرسمي بين الحركة والحكومة الإيرانية.

لكن هذه المرة التي جاءت بدعوة رسمية وعلانية من الجانب الإيراني، الأمر الذي ترك انطباعًا لدى الشعب الإيراني أن بلاده قد نسيت ما حدث في مزار شريف، وتحاول تبرئة جماعة طالبان من قتل الدبلوماسيين الإيرانيين، بل تقدم الدعم الكامل لهذه «الجماعة المتشددة»، خاصة بعد أن تم استقبال وفد طالبان من قبل مسئول رفيع المستوي في الجمهورية الإسلامية، وهو وزير الخارجية محمد جواد ظريف، وإقامة مؤتمر صحافي لأعضاء الوفد.

Embed from Getty Images

قالت جماعة طالبان: إنه خلال الاجتماع الذى عقد في طهران يوم 28 يناير مع القادة الإيرانيين، ناقش الجانبان القضايا الحدودية بين البلدين، وتنقل رجال الأعمال والمسافرين الأفغان، بالإضافة إلى أوضاع اللاجئين الأفغان داخل الأراضي الإيرانية، وتعزيز العلاقات.

يقول الصحافي الإيراني، سعيد داريوش، معلقًا على هذا الامر، لـ«ساسة بوست»: «للحظة اعتقدت أن الوفد من الحكومة الأفغانية، وليس من حركة مسلحة متمردة تقتل الشعب الأفغاني كل يوم، ما الذى يفعله هؤلاء المتطرفين في بلادنا؟ لا أرى أي سبب منطقي لوجودهم ولقائهم المسؤولين الإيرانيين»، على حد تعبيره.

لكن الأمر لم ينته عند صور ترحيب جواد ظريف لوفد جماعة طالبان، ولا المؤتمر الصحافي لأعضاء الوفد، بل التقى الوفد بالسكرتير العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي شمخاني، الذي أشاد بالحركة وموقفها من قتال الولايات المتحدة؛ مما زاد الطين بلة، وزاد من سخط الإيرانيين والأفغان على حد سواء.

بعد لقاء شمخاني بالوفد الطالباني غرد عبر حسابه على منصة «تويتر» قائلًا: إن «قادة طالبان مصممون على محاربة الولايات المتحدة، الشخص الذى تعرض للتعذيب في غوانتانامو لمدة 13 عامًا، لم يتخل عن محاربة الولايات المتحدة في المنطقة».

وأضاف السيد شمخاني قائلًا: «الولايات المتحدة لا تسعى لتحقيق السلام والأمن في أفغانستان، إن الإستراتيجية الامريكية هي مواصلة الحرب وإراقة الدماء بين مختلف الفصائل الأفغانية»، كما شدد على ضرورة مشاركة كل الجماعات العرقية في تقرير مصير أفغانستان في عملية سلمية كاملة.

تصريحات شمخاني المثيرة للجدل بخصوص جماعة طالبان ومحاربتهم للولايات المتحدة أثارت غضب الكثير من الأفغان الذين يتعرضون كل يوم لجحيم هذه الجماعة المسلحة، خاصة في ظل ازدياد معدل العنف في الأشهر الاخيرة في أفغانستان.

يقول الباحث السياسي الأفغاني عباس رشيد لـ«ساسة بوست»: «السيد شمخاني عالقًا في مشاعره المناهضة للولايات المتحدة، ولا يعلم أن طالبان تقتل الأفغان كل يوم، وأنها لم تستهدف جنديًا أمريكيًا واحدًا منذ أشهر، وأنها تجلس على طاولة المفاوضات مع الأمريكيين، لا أفهم لماذا يصر المسؤولون الإيرانيون على دعم طالبان».

لم يغضب الأفغان فقط من تصريحات شمخاني، بخصوص جماعة طالبان، ولكن غضب الإيرانيين أيضًا، فيقول الصحافي الإيراني سعيد داريوش لـ«ساسة بوست»: «كيف يمكن للقادة الإيرانيين أن يشكروا طالبان على قتلها الأفغان كل يوم، وكيف يري السيد شمخاني أن طالبان تقاتل الولايات المتحدة إلى الآن، ألم يسمع بمحادثات السلام بينهم وبين واشنطن؟».

وصل الغضب من تصريحات السيد علي شمخاني، الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، على المستوى الرسمي في أفغانستان، فوصف الجنرال ياسين ضياء رئيس أركان الجيش الأفغاني كلام شمخاني بأنه لا أساس له من الصحة، قائلًا: «لسوء الحظ فهمك للحرب الحالية في أفغانستان بصفتك سكرتيرًا للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، غير صحيح بالمرة، طالبان لا تقاتل ضد الولايات المتحدة، بل ضد شعب أفغانستان».

تصريحات جواد ظريف تثير الجدل أيضًا

الجدل الذي أثارته تصريحات شمخاني، لم يكن الوحيد، فبجانب التصريحات السابق ذكرها نقلت وكالة «تسنيم»، الإيرانية والمقربة من الحرس الثوري، تصريحات على لسان وزير الخارجية الإيراني، جواد ظريف تقول: «إننا ندعم قيام دولة إسلامية شاملة بوجود كل الأعراق والأديان والأحزاب في أفغانستان»، لكن في حقيقة الأمر، وبحسب الموقع الرسمي لوزارة الخارجية الإيرانية، فإن ما نقلته وكالة «تسنيم» لا وجود له.

جواد ظريف

فقد أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية على لسان السيد سعيد خطيب زاده، المتحدث الرسمي للوزارة، بأن جواد ظريف لم يستخدم مصطلح «الدولة الإسلامية الشاملة»، خلال لقائه مع الملا عبد الغني برادر النائب السياسي لحركة طالبان ورئيس مكتب الحركة في قطر.

لكن لماذا هذا الجدل حول مصطلح «الدولة الإسلامية الشاملة»؟ يجيب عن هذا السؤال الباحث السياسي الأفغاني، عباس رشيد فيقول لـ«ساسة بوست»: «جماعة طالبان تصر على تشكيل حكومة إسلامية شاملة جديدة في أفغانستان، كما أنها وصفت مرارًا وتكرارًا الرئيس الأفغاني أشرف غني بأنه العقبة أمام هذا الأمر، وأمام إتمام عملية المحادثات بين الحركة والحكومة، والإشارة إلى استخدام وزير الخارجية الإيراني لهذا المصطلح، يعني أن الحكومة الإيرانية تدعم جماعة طالبان ضد الحكومة الأفغانية، التي من المفترض أنها صديقة أيضًا لطهران».

لكن هذا لا يمنع اقتناع وإيمان وزارة الخارجية الإيرانية، بضرورة مشاركة حركة طالبان في الحكم، ففي عام 2019، وفي لقاء متلفز مع قناة هندية، قال وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف «إنه من المستحيل أن لا تلعب طالبان أي دور في الحكومة الأفغانية المقبلة»، لكن في الوقت نفسه، شدد على أن لا تكون حركة طالبان هي المهيمنة على حكم أفغانستان.

عدو عدوي صديقي.. علاقة إيران وطالبان

في السنوات الأخيرة الماضية، كثر الحديث عن دعم الجمهورية الإسلامية لمقاتلي حركة طالبان الأفغانية، وازداد الحديث عن هذا الأمر في وسائل الإعلام الغربية، وبين الشعب الأفغاني.

على سبيل المثال لا الحصر أفادت صحيفة «التايمز» البريطانية في عام 2018 أن أفضل مقاتلي طالبان يتدربون في إيران، ونقلت الصحيفة عن قيادي في حركة طالبان قوله «يتم تدريب من 500 إلى 600 منا على مستويات مختلفة، التدريبات تشمل تقنيات القتال ومهارات القيادة والتجنيد واستخدام الأسلحة وصنع القنابل، كل المدربين من القوات الخاصة الإيرانية، ويعاملوننا بشكل جيد».

لكن طهران كانت دائمًا ما تنفي هذه المزاعم، وقد تحدث مصدر أمني أفغاني معلقًا عن هذه المزاعم، لـ«ساسة بوست» شريطة عدم الكشف عن هويته، بالقول: «نحن نعلم تمام العلم أن إيران تقدم الدعم والسلاح إلى مقاتلي طالبان منذ سنوات، وجميع المسئولين الأفغان المحليين في المقاطعات المجاورة لإيران، يعرفون هذا الأمر، ويعرفون أن الأسلحة التي تستخدمها طالبان في الآونة الأخيرة مصنوعة في إيران».

Embed from Getty Images

أسلحة وذخيرة إيرانية تم الاستيلاء عليها من مدينة مزار الشريف في شمال أفغانستان

بالتأكيد يتبادر إلى ذهن القارئ الآن كيف حدث هذا الارتباط الغريب بين إيران وطالبان، وكيف تدعم الجمهورية الإسلامية الإيرانية الشيعية، جماعة سنية مسلحة تمتلك تفسيرًا للإسلام لا يتناسب مع مصالح الجمهورية الإيرانية، وكيف تناست إيران دماء الدبلوماسيين الإيرانيين في مزار شريف؟ وكيف تخلت عن دماء الشيعة الأفغان في المذابح التي وقفت وراءها طالبان؟

في هذا الصدد يحاول المحلل السياسي الإيراني شرح سر علاقة إيران وطالبان، مفضلًا عدم الكشف عن اسمه، فيقول لـ«ساسة بوست»: «لتبسيط فهم سر العلاقة الوثيقة بين إيران وطالبان في السنوات الماضية، يجب في البداية فهم كيف تتم عملية صنع القرار داخل الجمهورية الإسلامية، وتحديد الاولويات للقادة الإيرانيين، في إيران يتم تحديد هذه الاولويات بمدى تأثيرها على بقاء النظام نفسه، والأيديولوجيات الخاصة بهذا النظام».

ويضيف المحلل السياسي قائلًا: «على مدى التاريخ تعرضت إيران لأضرار كبيرة بسبب جارتها أفغانستان، وهي الآن تريد نوع من المصلحة مع كل الأطراف المتصارعة داخل أفغانستان لضمان أمنها القومي، والعلاقة مع طالبان توفر لإيران مصلحتين هامتين وهما: محاربة «تنظيم الدولة»، وحصار الولايات المتحدة في المنطقة».

ويضيف: «على مدى السنوات الماضية، كانت إيران تحاول الاستفادة من أي ورقة ضغط وتهديد للمصالح الأمريكية في المنطقة، وحركة طالبان توفر هذا الأمر للجمهورية الإسلامية، حتى وإن كانت تختلف معها أيديولوجيًا، لذلك رأت المؤسسة السياسية الإيرانية أن المجموعة تعمل ضد المصالح الامريكية وتقع في منطقة النفوذ الإيراني، يجب أن ينالها قسط من الدعم الإيراني»، بحسب قوله.

كما أن ظهور «تنظيم الدولة»، ومحاربة حركة طالبان له، زاد من فرص التعاون بين طالبان وإيران، يقول مصدر أمني أفغاني لـ«ساسة بوست»: «مساعدة إيران لطالبان مشروطة بشيئين: استمرار استهداف القوات الامريكية، والعمل على تكثيف الهجمات ضد داعش».

وانطلاقًا من مبدأ «عدو عدوي صديقي» فقد دفعت المخاوف المشتركة نحو توطيد العلاقات أكثر واكثر بين حركة طالبان وإيران، بالرغم من نفي الأخيرة جميع المزاعم التي تفيد بإمداد طهران طالبان بالسلاح وتوفير التدريب لمقاتلي حركة طالبان، والإصرار على أن الاتصالات بين طهران وطالبان اتصالات دبلوماسية وسياسية فقط، وعلنية، تتم بموافقة وعلم الحكومة الأفغانية.

«إيران مهمة لطالبان»

في العام الماضي اتهم وزير الخارجية الأمريكي السابق، مايك بومبيو إيران بتقويض عملية السلام الأفغانية، من خلال استخدام الجماعات المسلحة في البلاد، كما صرح قلب الدين حكمتيار، زعيم الحزب الإسلامي في أفغانستان قائلًا: «إن واشنطن طلبت من جماعة طالبان قطع العلاقات مع إيران».

لكن لماذا لم تقطع حركة طالبان علاقتها بإيران؟ يقول الباحث السياسي الأفغاني عباس رشيد لـ«ساسة بوست»: «منذ التسعينات كانت إيران وطالبان في صراع طائفي، لكن بعد أحداث 11 سبتمبر بدأت الكراهية بين الطرفين في الاختفاء شيئًا فشئيًا».

Embed from Getty Images

يضيف السيد رشيد قائلًا: «بعد ان تخلت المملكة العربية السعودية عن دعم طالبان، بعد أحداث 11 سبتمبر لصالح واشنطن، وتصاعد الصراع بين طالبان والقوات الامريكية، والضغط الأمريكي على باكستان للضغط على طالبان لتقليص وصول الجماعة إلى الموارد المالية والسلاح، ظهرت طهران المعادية للولايات المتحدة كشريان حياة جديد لطالبان، خاصة في ظل وجود حاجة مشتركة بين طالبان وإيران، لذلك ترى طالبان أن الجمهورية الإسلامية مهمة لها في الوقت الحالي أكثر من أي وقت مضى».

لكن ماذا عن حادثة مزار شريف ومقتل الدبلوماسين الإيرانيين؟

في عام 1998 كانت إيران على شفا ضربة عسكرية كبرى، ضد حركة طالبان الأفغانية، كان من الممكن أن تتحول إلى حرب شاملة، بسبب مقتل ثمانية دبلوماسيين وصحافيين في القنصلية الإيرانية بمدينة مزار شريف، على أيدي مقاتلي طالبان، بعد أن استولت الجماعة على المدينة.

في المؤتمر الصحافي الأخير لوفد جماعة طالبان في طهران؛ نفى أعضاء الوفد ضلوع الجماعة في مقتل الدبلوماسيين الإيرانيين عام 1998، وقال سهيل شاهين المتحدث باسم المكتب السياسي لحركة طالبان في المؤتمر الصحافي بطهران، ردا على سؤال من احد الصحافيين الإيرانيين حول مقتل دبلوماسيين إيرانيين في مدينة مزار شريف: «حدث هذا قبل وصول قوات طالبان إلى المدينة».

وعلى مايبدو أن طهران تحاول تبرئة حركة طالبان من قتل الدبلوماسيين الإيرانيين في مزار شريف، لعدم إثارة غضب الشعب الإيراني من التقارب بين طهران وطالبان، فقبل وصول وفد حركة طالبان إلى إيران بأيام قليلة، قال عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية بالبرلمان الإيراني، السيد فدا حسين مالكي، والذي كان أيضًا سفيرًا لإيران في كابول في الفترة ما بين عام 2011 و2012، وسائل الإعلام المحلية أن «الهجوم على دبلوماسيينا وقواتنا في مزار شريف، لم تنفذه أي من القوات الأفغانية، ونُفِّذ من جانب أجهزة أمنية في دولة مجاورة»، لكنه لم يسم الدولة المجاورة التي يقصدها.

كما أضاف السيد مالكي قائلًاً «ليس لدينا أي دليل على تورط طالبان، أو أنها هي من نفذت الهجوم الإرهابي، لكن لدينا أدلة على أنه جرى تنفيذه من قبل إحدى الجماعات التي تخدم دول الجوار».

سياسة

منذ سنتين
التحالف مع «طالبان».. مصيدة إيرانية لـ«قصم ظهر» واشنطن

يقول الصحافي الإيراني سعيد درايوش لـ«ساسة بوست»: «في عام 1998 وبعد الحادث مباشرة اتهمت إيران طالبان بقتل الدبلوماسيين الإيرانيين، كما أن كلًا من إيران وطالبان بدأتا في حرب كلامية وتهديدات مباشرة بعد الهجوم الإرهابي، لدرجة أن طالبان حينها هددت باستهداف الأراضي الإيرانية، إذا قامت طهران بأي ضربة عسكرية ضد الجماعة في أفغانستان».

فقبل 22 عامًا استولت قوات طالبان على مدينة مزار شريف، وحينها أعلنت وكالات الأنباء الإيرانية أن قوات طالبان قد دخلت إلى القنصلية الإيرانية في مزار شريف، وقتلت دبلوماسيين وصحافيين إيرانيين كانوا في مقر القنصلية رميًا بالرصاص.

يقول الصحافي الإيراني سعيد درايوش لـ«ساسة بوست»، «لمدة 22 عامًا، والحكومة الإيرانية متمسكة براوية أن طالبان هي من قتلت دبلوماسيينا في مزار شريف، جرى إنتاج عشرات الأفلام الوثائقية عن هذه الحادثة داخل إيران، وكلها تقول إن طالبان هي المتهمة الأولى، بحسب روايات لشهود عيان، ووثائق رسمية، لكن الآن تجري تبرئة الجماعة من دماء الإيرانيين بسهولة من أجل المصالح المشتركة!».

المصادر

تحميل المزيد