تفجر الصراع مرة أخرى في العراق، بعد أن شنت الولايات المتحدة في ليلة يوم الاثنين 28 يونيو (حزيران) 2021، هجمات جوية بواسطة طائرات بدون طيار على مقرات ومستودعات الأسلحة التي تتبع الفصائل العراقية الشيعية المسلحة المقربة من إيران.

في هذا الاستهداف الذي يعد الثاني من نوعه، بعد أن تولى الرئيس الامريكي جو بايدن منصبه في يناير (كانون الثاني) عام 2021، شنت واشنطن هجومين ضد الفصائل العراقية المسلحة على الحدود العراقية-السورية، بينما كان الهجوم الثالث داخل العراق؛ مما دفع قادة هذه الفصائل التي تتمتع بنفوذ قوي داخل البلاد إلى التهديد بجعل الأمر أشبه بـ«حرب مفتوحة»، مع الولايات المتحدة!

فما الذي حدث وتسبب في تصاعد الصراع بهذا الشكل؟ وما دور إيران في هذه الجولة الجديدة من الصراع داخل الأراضي العراقية؟

البداية.. الحشد الشعبي يتلقى صفعتين

في الأشهر القليلة الماضية، وبعد أن زاد الصراع بين الفصائل العراقية المسلحة المقربة من إيران، ورئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، بعد أن أقدم الأخير على اعتقال قاسم مصلح، القائد البارز في هيئة الحشد الشعبي، بتهم تتعلق بالإرهاب والفساد، والتحريض على قتل الناشطين السياسيين في العراق؛ حاولت هذه الفصائل استعراض قوتها أمام أنصارها، بمحاصرة المنطقة الخضراء شديدة التحصين بالعاصمة العراقية بغداد، وتهديد الكاظمي شخصيًّا باقتحام مقر إقامته، حتى جرى الإفراج عن قاسم مصلح، بحسب مسؤولين أمنيين وقادة شبه عسكريين، تحدثوا لـ«ساسة بوست»، في تقرير سابق، شريطة عدم الكشف عن هويتهم.

والفصائل المسلحة الشيعية المقربة من إيران هي جزء من مجموعات شبه عسكرية تعمل تحت مظلة هيئة الحشد الشعبي العراقي، والذي تكوَّن في صيف عام 2014، بعد فتوى دينية من المرجعية الشيعية العليا في العراق، آية الله العظمى، علي السيستاني، بضرورة الحشد لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الذي اجتاح العراق في العام نفسه.

أغلب هذه الفصائل، وليس جميعها، من الشيعة، وهم الأغلبية في العراق، والفصائل الأقوى والأكبر داخل هيئة الحشد الشعبي، التي تتميز بقربها من الجمهورية الإسلامية الإيرانية ودعم الأخيرة لها، منذ سنوات طويلة.

تجدر الإشارة إلى أن جميع فصائل الحشد الشعبي العراقي، تخضع لسلطة القائد العام للقوات المسلحة العراقية، وتتلقى الرواتب من الحكومة العراقية، وفقًا لقانون صادر فى عام 2016.

لكن ومنذ أن تولى مصطفى الكاظمي، رئيس الوزراء العراقي، منصبه في مايو (أيار) 2020 على إثر انتفاضة شعبية كبيرة، أطاحت سلفه السيد عادل عبد المهدي، في أواخر عام 2019؛ وهو في صراع متجدد مع الفصائل المسلحة المقربة من إيران، والتي رفضت الاعتراف به في البداية، متهمين إياه بالتورط مع الولايات المتحدة في اغتيال القائد السابق لقوة القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني، الجنرال قاسم سليماني، ورفيقه، نائب رئيس هيئة وحدات الحشد الشعبي، أبو مهدي المهندس، في يناير عام 2020.

لكن، ما العلاقة بين التوتر الأخير بين الكاظمي والفصائل المسلحة المقربة من إيران، بسبب اعتقال قاسم مصلح، وتزايد الصراع الأخير بين الولايات المتحدة وهذه الفصائل؟

الإجابة تكمن في عملية إلقاء القبض على قاسم مصلح نفسها، فبحسب قادة شبه عسكريين منتمين للفصائل المسلحة المقربة من إيران، تحدثوا لـ«ساسة بوست»، في تقرير سابق، أن قوات مكافحة الإرهاب العراقية، اصطحبت معها بعض القوات الأمريكية الموجودة في العراق للمساعدة في اعتقال قاسم مصلح؛ مما جعل قادة الفصائل المسلحة يتلقون صفعتين في آن واحد!

صفعة تجرؤ الكاظمي على اعتقال قائد بارز يعمل ضمن حمايتهم، والصفعة الأخرى، هي الاستعانة بالأمريكان، أعداء هذه الفصائل التي تناهض وجودهم داخل الأراضي العراقية، منذ الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003.

عربي

منذ شهرين
ما الذي يحصل في العراق؟ محتجّون يسألون «من قتلني؟» والفصائل تحاصر الكاظمي

توقع البعض، أنه بعد اعتقال قائد عمليات الحشد الشعبي في غربي الأنبار، قاسم مصلح، بغض النظر عن الإفراج عنه، أن تشهد البلاد موجة جديدة من الصراع بين الكاظمي والفصائل المسلحة، لكن مرت الأمور ببعض السلام.

لكن التصعيد وقع بين الفصائل المسلحة والولايات المتحدة، يقول قائد شبه عسكري في فصيل كتائب سيد الشهداء، أحد الفصائل المسلحة الشيعية الكبيرة والقوية والمقربة من إيران، لـ«ساسة بوست»، دون الإفصاح عن هويته: «قررت فصائل المقاومة، استكمال مهاجمة القوات الأمريكية في العراق، حتى تضطر أمريكا لسحب جنودها من بلادنا».

هذا القرار الذي تحدث عنه القائد شبه العسكري، صدر خلال اجتماع قادة الفصائل المسلحة، مع قادة من الحرس الثوري الإيراني، لمناقشة تفاصيل الآلية التي ستعمل عليها هذه الفصائل لطرد القوات الأمريكية من الأراضي العراقية.

طائرات بدون طيار تثير قلق الأمريكيين في العراق

كان السبب والدافع القوي وراء الهجوم الجوي الأمريكي الأخير على مقرات الفصائل المسلحة العراقية في 28 يونيو 2021، هو القلق من استخدام هذه الفصائل المقربة من إيران، لطائرات بدون طيار متطورة وحاملة للمتفجرات.

ففي الشهر الماضي، استهدفت طائرات بدون طيار محملة بالمتفجرات مواقع لقوات أمريكية في العراق، أربع مرات على الأقل، في أوقات متأخرة من الليل. ويقول مسئول أمني عراقي، لـ«ساسة بوست»، شريطة عدم الكشف عن هويته، نظرًا إلى حساسية منصبه: «استخدام الفصائل المسلحة للطائرات بدون طيار بكثرة في الآونة الأخيرة، سبَّب القلق ولا أبالغ عندما أقول «الذعر» للأمريكان».

الأمر الذي أكده الجنرال كينيث ماكنزي جونير، القائد الأعلى للقوات الأمريكية في الشرق الأوسط، في حديثه لوكالة «أسوشييتد برس» الشهر الماضي، قائلًا: «الطائرات بدون طيار التي تستخدمها الفصائل والميلشيات العراقية تشكل تهديدًا خطيرًا على القوات الأمريكية، كما أن الجيش الأمريكي يسارع حاليًا إلى ابتكار طرق لمكافحتها».

فيما أشار المسؤول الأمني العراقي، خلال حديثه لـ«ساسة بوست»، إلى أن الطائرات بدون طيار، التي استخدمتها الفصائل العراقية المسلحة في الفترة الأخيرة في هجماتها ضد القوات الأمريكية، مصدرها الأساسي الحرس الثوري الإيراني، الذي استخدم التكنولوجيا لتطوير هذه الطائرات وجعلها أقل تكلفة.

علق بعض المسؤولين والمحللين الأمريكيين على أمر استخدام الفصائل المسلحة لطائرات بدون طيار متطورة، في حديثهم مع صحيفة «نيويورك تايمز»، بأن «استخدام الفصائل للطائرات بدون طيار بكثافة، يشير إلى نية لتصعيد الهجمات؛ إذ لجأت الميلشيات العراقية لاستخدام طائرات بدون طيار من نوع (MQ-9 Reaper) والتي من الممكن أن تشل قدرة الاستطلاع الأمريكية في مراقبة التهديدات في سماء العراق».

تجدر الإشارة، إلى أن نوع الطائرات بدون طيار السابق ذكره، تستخدمه الولايات المتحدة في ضرباتها الجوية الأكثر تعقيدًا وأهمية، ومنها على سبيل المثال اغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني، ورفيقه العراقي أبو مهدي المهندس.

يقول مسؤول أمني عراقي رفيع المستوى، لـ«ساسة بوست» إن: «الفصائل المسلحة استخدمت هذا النوع من الطائرات بدون طيار لأكثر من مرة، مرة منها كانت لاستهداف منشأة سرية أمريكية». 

كذلك استخدمت الفصائل المسلحة العراقية المقربة من إيران، الطائرات بدون طيار المتطورة في استهداف قاعدة «حرير» التي تضم قوات أمريكية، بالقرب من مطار أربيل الدولي، في العاصمة الكردية شمال العراق، وقاعدة «عين الأسد الجوية»، المترامية الأطراف في محافظة الأنبار غرب العراق.

وكانت آخر مرة تستخدم فيها الفصائل المسلحة الطائرات بدون طيار في هجوم على الأصول الأمريكية، هو الهجوم الجوي بطائرة بدون طيار محملة بالمتفجرات سقطت بالقرب من السفارة الأمريكية في بغداد؛ مما دفع الولايات المتحدة التي طفح بها الكيل، للرد بالهجوم الجوي السابق ذكره في 28 يونيو.

في أعقاب الضربة الجوية الأمريكية على مقرات الفصائل العراقية على الحدود العراقية-السورية، نددت الحكومة العراقية بشكل صريح وقاطع بهذه الضربات الأمريكية، واصفة الأمر بأنه انتهاك لسيادة الأراضي العراقية.

جدير بالذكر أن حصيلة هذه الهجمات الجوية الأمريكية، كانت حوالي 15 قتيلًا من صفوف مقاتلي الفصائل المسلحة، وعشرات الجرحى.

وزيارات استخباراتية إيرانية متعددة للعراق

بررت وزارة الدفاع الأمريكية هجومها على اثنين من أهم الفصائل المسلحة العراقية وهما، كتائب حزب الله، وكتائب سيد الشهداء، بأنها رسالة للردع، دون نية في التصعيد.

لكن على أرض الواقع، ما يحدث مغاير تمامًا لنية وزارة الدفاع الأمريكية، ففي 8 يوليو (تموز)، وفي زيارة فريدة من نوعها، زار حسين طائب، رئيس منظمة الاستخبارات التابعة للحرس الثوري، العاصمة العراقية بغداد، في زيارة غير معلنة ومفاجئة.

وحسين طائب، هو رجل دين متوسط المستوى، ينتمي إلى التيار الأصولي، لم يزر العراق سابقًا، بينما تجدر الإشارة إلى أن منظمة استخبارات الحرس الثوري الإيراني، هي مؤسسة أمنية منفصلة تمامًا عن وزارة المخابرات التابعة للحكومة الإيرانية، كما أن المؤسستين دائمًا في تنافس دائم.

الميلشيات العراقية

حسين طائب في منتصف الصورة، خلف قاسم سليماني – مصدر الصورة: راديو فردا

جاءت هذه الزيارة بالتزامن مع حوالي خمس هجمات من الفصائل العراقية على الأصول والأهداف الأمريكية في العراق، على سبيل المثال، استهداف قاعدة عين الأسد الجوية في محافظة الأنبار، واستهداف قوافل الدعم اللوجستي التابعة للقوات الأمريكية في العراق، بالإضافة إلى السفارة الأمريكية الموجودة في المنطقة الخضراء بالعاصمة بغداد.

وصل حسين طائب، رئيس منظمة استخبارات الحرس الثوري، إلى العراق في وقت متأخر من يوم 8 يوليو الجاري، وعقد العديد من الاجتماعات، كان أولها مع الفصائل المسلحة المقربة من إيران، والتي بحسب قائد بارز في فصيل كتائب سيد الشهداء، كانت تدور حول مناقشة آلية طرد القوات الأمريكية من العراق.

يقول القائد في فصيل كتائب سيد الشهداء، لـ«ساسة بوست»: «نحن والأخوة في الجمهورية الإسلامية، متفقون على ضرورة طرد القوات الأمريكية من العراق، والثأر لسليماني والمهندس، وكانت زيارة السيد طائب لمناقشة الأمر والتعاون مع فصائل المقاومة لتنفيذ هذا الهدف».

وبحسب المصدر السابق، فإن اجتماع السيد طائب مع قادة الفصائل، تضمن أيضًا مهاجمة القوات الأمريكية خارج حدود العراق، واستهدافهم في سوريا أيضًا.

في السياق نفسه، نقلت وكالة «رويترز» عن مسؤولين أمنيين عراقيين مقربين من الفصائل المسلحة، قولهم إن «السيد حسين طائب، مد الميلشيات العراقية المسلحة بخرائط جوية للمواقع الأمريكية في شرق سوريا».

كذلك اجتمع حسين طائب، رئيس منظمة استخبارات الحرس الثوري الإيراني، برئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، لمناقشة الموضوع نفسه، ألا وهو خروج القوات الأمريكية من العراق.

وفي حديثه لـ«ساسة بوست»، يقول مصدر حكومي مقرب من الكاظمي، شريطة عدم الكشف عن هويته، «طلب السيد طائب من الكاظمي، مطالبة واشنطن بسحب جنودها من العراق، لكي لا تتحول البلاد لساحة صراع من جديد».

وعلى ما يبدو أن الرسالة الإيرانية للجانب الأمريكي، كانت سريعة وواضحة، ففي يوم زيارة السيد حسين طائب نفسه، استهدفت الفصائل العراقية المقربة من إيران، القوات الأمريكية الموجودة داخل العراق.

لكن، لماذا قررت إيران التصعيد مع أمريكا وهي في منتصف طريق محادثات فيينا؟

تكمن الإجابة عن هذا السؤال، في المفاوضات النووية غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، والتي على ما يبدو أنها وصلت لطريق مسدود، فقد عقد الجانبان منذ أبريل (نيسان) الماضي، ست جولات من المفاوضات، كان آخرها الشهر الماضي، والآن هما في انتظار تحديد موعد للجولة السابعة التي من الممكن أن تكون آخر جولات المفاوضات التي تهدف لإحياء الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، والذي انسحبت منه إدارة الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، في مايو 2018، تاركة إيران غارقة في الكثير من العقبات والمشكلات الاقتصادية التي أضرت بالجمهورية الإسلامية.

Embed from Getty Images

في الجولة السادسة من المفاوضات في فيينا، زاد الجانبان الأمريكي والإيراني، من تعقيد الأمور، حين طلبت طهران التزامًا كتابيًّا من واشنطن، يمنع أي رئيس أمريكي قادم من مغادرة الصفقة النووية، لضمان عدم تكرار ما فعله الرئيس السابق دونالد ترامب.

في المقابل، طلبت الولايات المتحدة من إيران التزامًا كتابيًّا أيضًا، ينص على أن تكون المفاوضات الحالية وعودة الولايات المتحدة إلى الصفقة مجرد بداية لعقد مفاوضات أشمل تضم البرنامج الصاروخي الباليستي الإيراني، والسياسات الإقليمية للجمهورية الإسلامية.

يقول الباحث السياسي الإيراني، علي رضا سعيد، لـ«ساسة بوست»: «هذه طلبات تعجيزية من كلا الطرفين، لا يستطيع أي من الجانبين تنفيذ هذه الطلبات، لذلك لجأت إيران إلى استخدام الميلشيات العراقية لتأكيد قدراتها على إشعال الصراع في المنطقة، وجر إدارة جو بايدن إلى صدام يحاول تجنبه، بمعنى أدق، ما يحدث في العراق رسالة إيرانية لواشنطن بأن أي حديث عن اتفاق أوسع وأشمل أمر غير مقبول».

الفصائل العراقية المسلحة ومكسب آخر!

على الجانب الآخر، فإن التصعيد الأخير الجاري في العراق، والذي على ما يبدو أن نهايته لن تكون قريبة، فإن إيران ليست المستفيدة الوحيدة، فلدى الميلشيات العراقية المسلحة مكسب آخر.

تريد الفصائل العراقية المسلحة، استعادة ثقة أنصارها من خلال العمل على ما وعدت به سابقًا، وهو الثأر لمقتل سليماني والمهندس، وطرد القوات الأمريكية من العراق، وإذا تحقق هذا الهدف، ستكون قادرة على حشد أنصارها في الانتخابات البرلمانية المبكرة، المقرر إجراؤها في أكتوبر (تشرين الأول) القادم، عندما تفوز الفصائل المسلحة المقربة من إيران، بهذه الجولة البرلمانية، تكون بذلك قد حافظت على نفوذها السياسي في البرلمان القادم.

منطقة الشرق

منذ سنة واحدة
هل تغرب شمس «الحشد الشعبي» في العراق؟

وبالسيطرة على البرلمان، ستكون قادرة على إزاحة مصطفى الكاظمي من المشهد السياسي العراقي، والقضاء عليه نهائيًّا، بعد أن أصبح العدو اللدود لهذه الفصائل العراقية المسلحة، كما أنه إذا تحقق هذا السيناريو، سيطاح الكاظمي حتى من منصبه رئيسًا للمخابرات العراقية الوطنية، والتي ما زال يترأسها إلى الآن بجانب وظيفته رئيسًا للوزراء.

لذلك فمن المتوقع أن يكون العراق في الأسابيع المقبلة، ساحة لتصفية الكثير من الحسابات بين الأطراف الفاعلة المختلفة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد