دفع العنف الإسرائيلي الذي يعيشه الشعب الفلسطيني، وما تتعرض له الأماكن المقدسة في فلسطين، إلى توتر متصاعد جراء دفاع الفلسطينيين عن حقوقهم في القدس، ومحاولة منع المخططات الإسرائيلية الهادفة إلى تهويد المدينة، وطمس معالمها لتحقيق الحلم الصهيوني في تقسيم مدينة القدس مكانيًا وزمانيًا، وهو ما سنتناوله بالشرح في التقرير.

أدى ذلك إلى تزايد حدة المواجهات بين الشعب والاحتلال جراء سلسلة من العمليات الفدائية التي يقدم عليها شبان داخل المدن المحتلة، وكانت آخرها العملية التي وافقت 5 مايو (أيار) 2022، والتي قتل خلالها ثلاثة مستوطنين، وفي الجانب الآخر يشهد قطاع غزة بين الحين والآخر ارتفاع توتر الحالة الأمنية جراء تحليق الطيران الحربي الإسرائيلي؛ مما ولد واقعًا جديدًا جراء منع قوات الاحتلال المستوطنين من رفع الأعلام داخل باحات المسجد الأقصى الموافق 5 مايو 2022؛ جراء احتفالات بعيد الاستقلال الإسرائيلي.

المشهد داخل القدس.. العنف لا يحقق الحلم الصهيوني

بدت الملامح الحقيقية للأطماع الصهيونية في القدس منذ احتلال دولة فلسطين عام 1948، والعمل على طرد الفلسطينيين من القدس الغربية، وارتكاب المجازر في حقهم؛ لتبدأ الخطوات الفعلية للتقسيم المكاني للمدينة جراء إجلاء سكانها من تلك الجهة الغربية، والاستيلاء عليها بشكل كامل؛ لتشهد المدينة عام 1967 احتلالها بشكل كلي، إثر بداية مخطط إسرائيلي يهدف إلى الاستيلاء على القدس الشرقية، والسيطرة على المسجد الأقصى.

وبدأت معالم التقسيم الزماني تظهر بشكل جلي إبان الأعوام العشرين الأخيرة، جراء فرض أوقات خاصة لصلاة المستوطنين والجماعات الصهيونية في أوقات صلوات المسلمين، وخاصة وقت الشروق والضحى، وكان تنفيذ هذا المخطط يقتضي بتحقيق التقسيم المكاني عبر محاولات الوصول إلى التقاسم التام، وفرض إغلاق الأقصى أمام المسلمين في أعياد اليهود مقابل إغلاقه على اليهود في أعياد المسلمين، لكن قوبلت تلك الخطوات بتصاعد المواجهات داخل المسجد الأقصى من خلال رباط المصلين وامتناعهم عن الخروج من باحاته وأداء الصلوات بشكل جماعي.

وتشهد المدينة المقدسة في الأيام الأخيرة تصاعدًا في حدة المواجهات مع قوات الاحتلال، وفي أكثر من نقطة، يتخللها إطلاق كثيف للأعيرة المطاطية وقنابل الغاز، وفي المقابل يتصدى الشباب برشق الحجارة، والزجاجات الحارقة، والألعاب النارية، باتجاه عناصر الشرطة الإسرائيلية، وعلى إثر ذلك صعدت قوات الاحتلال من حملة اعتقالاتها، وملاحقتها الشبان والفتية المقدسيين، والتي طالت العشرات منهم تحت ذريعة رشق مركبات وقوات الشرطة بالحجارة، وكراث الثلج التي تساقطت على مدينة القدس. وخلال يناير (كانون الثاني) الماضي اعتقلت شرطة الاحتلال نحو 220 فلسطينيًا من القدس وضواحيها، تعرض بعضهم للضرب والتنكيل أثناء الاعتقال والتحقيق معهم.

يقول جهاد حرب أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت لـ«ساسه بوست»: إن الاحتلال يطمح من خلال العنف القائم داخل باحات المسجد الأقصى إلى العمل على تقليل أعداد المصلين داخل المسجد؛ لإتاحة المجال أمام المستوطنين لاقتحامه بشكل مستمر، وتحت ظروف تمكنهم من القيام بأداء الصلاة التلمودية؛ بهدف الوصول إلى التقسيم المكاني للمدينة بين قدس شرقية وغربية، وصولًا إلى فرض السيادة الإسرائيلية في ساحات المسجد على اعتبار أنه جزء من دولة إسرائيل كما يدعون، ويعتبرونها جزءًا من إسرائيل وفقًا لقانون عام 1981، قانون العاصمة الموحد.

جدير بالذكر أن هذا القانون يهدف إلى التقسيم المكاني كما حصل في الحرم الإبراهيمي عام 1995، الذي شهد تقسيمه إلى قسمين: 60% لليهود، و40% من المسلمين، وحرمان المسلمين من الوصول إلى الحرم الإبراهيمي، وهذا ما تسعى إليه الحكومة في القدس.

ولكن يرى رياض العيلة أستاذ العلوم السياسية بجامعة الأزهر في تصريحه لـ«ساسه بوست» أن هناك صعوبة في تحقيق هذه الغاية السياسية لإسرائيل؛ بسبب تواجد المرابطين في القدس، الذين يأتون للدفاع عنها، مؤكدًا أن محاولات تدنيس المسجد الأقصى خلال اقتحامات المستوطنين بحماية القوات أمر غير محقق لغايته الساعية إلى تهويد المسجد، وبناء ما يدعونه معبد الهيكل المزعوم – بحسبه.

ويتفق طلال أبو ظريفة عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، لـ«ساسه بوست» إلى حد كبير مع هذه الرؤية، ويشير إلى أن المخاطر قائمة على المسجد، ولكن الضمان الوحيد هو تواجد أبناء الشعب الفلسطيني من المقدسيين والمرابطين في المسجد الأقصى الذين يتصدون، ومنعوا المستوطنين من فرض أمر واقع بالتقسيم الزماني والمكاني.

ويذّكر طلال بما حدث عام 2018 من إفشال لعملية وضع البوابات الإلكترونية، وفي 2019 معركة باب العمود. وفي عام 2021 تفجير الأوضاع في حي الشيخ جراح. وما تلاها من معارك، فبرأيه هذا الصمود القائم من قبل المقدسيين هو ما سيفشل المخططات الإسرائيلية؛ مما يدفع الحكومة الإسرائيلية إلى سحب الهويات، وهدم المنازل من أجل الإخلال بالنمط الديمغرافي للمدينة، وهذا يملي علينا أن نعمل في مدينة القدس على منهجية تعزز صمود المقدسيين، وتدعم بقاءهم في مواجهة سياسة ومحاولة تدنيس المسجد.

غزة على حافة حرب أم هدوء؟

أثارت تصريحات رئيس حركة المقاومة الإسلامية «حماس» بقطاع غزة يحيى السنوار، التي أكد خلالها أن على الاحتلال توخي الحذر قبل المساس بالمسجد الأقصى، واستمرار الانتهاكات المرتكبة في حق المقدسيين والمصلين، وأن ذلك سيدفع إلى مواجهة تلك الاعتداءات بالعمليات الفدائية ضد قوات الاحتلال، «المساس بالأقصى والقدس يعني حربًا دينية إقليمية، وعندما يتعلق الأمر بمقدساتنا لن نتردد في اتخاذ أي قرار»، الكثير من الحديث عن التصعيد.

لتشهد بلده العاد، الواقعة شرق تل أبيب، عملية فدائية في الخامس من مايو (أيار)، أسفرت عن مقتل ثلاثة إسرائيليين في عملية طعن مزدوجة، فيما أصيب أربعة بجراح مختلفة، دافعًا إلى زيادة التوتر داخل المدن الفلسطينية بالضفة الغربية. ويشهد قطاع غزة تحليقًا مكثفًا للطيران الحربي بالتزامن مع تلويحات لقوات الجيش الإسرائيلي بشن عملية عسكرية ضد قطاع غزة محملة حركة حماس مسؤوليتها عن ذلك.

بينما يقول سهيل الهندي عضو المكتب السياسي لحركة حماس لـ«ساسه بوست»: إن المعادلة القائمة تتمثل في أن للمقدسيين ظهرًا يساندهم متمثلًا في المقاومة الفلسطينية باعتبار أن القدس خط أحمر ، ولن نترك القدس للمستوطنين يستبيحونه، وأعتقد أن رسالة المقاومة وصلت إلى جيش الاحتلال، وذلك جعلنا أمام مشهد تراجع أعداد المستوطنين، أو رفع الأعلام داخل المسجد، ورسالتنا واضحة، والمقاومة تراقب الأوضاع في القدس، والاحتلال يراقب المشهد بشكل دقيق، ولا نتمنى الحرب؛ لأن تكاليفها كثيرة، وطاقتنا أقل بكثير، ولكن نملك الإرادة لمقاومة الاحتلال، وكانت الرسالة واضحة.

ويرى جهاد حرب أن الطرفين: حماس وإسرائيل، لا يرغبان في الانتهاء إلى الحرب، ولكن قد يشعلها أي تصرف من الإسرائيليين داخل المسجد، وهو مرهون بالأوضاع، وقد يشتعل المشهد، ولكن حتى الآن لا توجد مؤشرات أن تكون هنالك معركة جديدة -بحسبه.

الموقف الإسرائيلي بين التهديد والتزام الهدوء

تشهد الساحة الإسرائيلية حالة من التناقضات الداخلية بين فريقين، أحدهما يبحث عن التهدئة، والآخر خلف التصعيد، وذلك عقب تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت الموافق الرابع من مايو بأن إسرائيل لن تنسى جنودها الأسرى والمفقودين، وستواصل التزامها بإعادتهم لبيوتهم، في وقت بثت فيه منصات إسرائيلية مقاطع فيديو توثق انتقاد عائلات قتلى الجيش الإسرائيلي لرئيس الوزراء. وخلال مراسم ذكرى قتلى الجنود الإسرائيليين في الحروب مع الدول المجاورة، أضاف بينيت أن إسرائيل «لا تنسى هدار جولدن، وأورون شاؤول، وأفراهام منجيستو، وهشام السيد، وغيرهم من المفقودين».

ومن جانب آخر دعا أعضاء كنيست، وصحافيون، وكتاب إسرائيليون إلى اعتبار حركة «حماس» في قطاع غزة المسؤولة عن عملية إلعاد التي قتل فيها ثلاثة مستوطنين، وأصيب أربعة آخرون، ودعا عضو الكنيست «ايتمار بن جبير» قوات الاحتلال إلى إلقاء قنبلة على منزل مسؤول حركة حماس في القطاع يحيى السنوار؛ بصفته «المحرض الرئيس على موجة العمليات الأخيرة»؛ مما جعل المشهد القائم الإسرائيلي يشهد حالة من الترقب إزاء التزام القوات الإسرائيلية بمنع المقتحمين لباحات المسجد الأقصى من رفع الأعلام الإسرائيلية تفاديًا لتصاعد الأحداث داخل المسجد.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 9 شهور
يوم «هعتسماؤت».. هكذا تنكأ إسرائيل الجراح العربية سنويًّا

من جهته يقول أبو ظريفة لـ«ساسه بوست»: إن «الحكومة الإسرائيلية تحاول لفت الانتباه، وتريد إبقاء الالتفاف من الأحزاب حول هذه الحكومة، وأن تظهر للعالم صورة تضغط المقاومة الفلسطينة لتبرير إذا ما لجأت لأي شكل من أشكال الإرهاب بحق قطاع غزة تحت بند استعادة الأسرى أو غيره».

وبحسب أبو ظريفة فإن معايير المعادلة تجعلنا أمام حقيقة رغبة الاحتلال في عدم الانجرار خلف تصعيد مع غزة، وأن إسرائيل لا تريد تكرار تجربة ما حصل بمعركة سيف القدس مايو 2021، وهنالك العديد من الدول الكبرى لا تريد أجواءً ساخنة في فلسطين، والدليل على ذلك بحسبه منع الاحتلال للمستوطنين من بعض طقوسهم لكبح ارتفاع وتيرة الأحداث.

المصادر

تحميل المزيد