على مدار سنوات طويلة وُجهت اتهامات واضحة وصريحة لأكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة المانحة لجوائز الأوسكار؛ بكونها متحيزة للممثلين البيض، وصناع الأفلام من نفس العرق على حساب الأعراق الأخرى. وفي السنوات القليلة الماضية حاولت إدارة الاكاديمية أن تنفي عن نفسها تلك التهم من خلال منح الجوائز للأفلام التي تناقش قضايا التنوع، وهو ما وصفه البعض بإقحام الصوابية السياسية في تقييم أفلام الأوسكار، مثلما حدث في العام 2017 عندما منحت الأكاديمية جائزة أفضل فيلم لـ«Moonlight» وهو الأمر الذي وجده بعض النقاد توجه صريح للصوابية السياسية في اختيار الأفلام الفائزة بغض النظر عن جودتها.

ولكن الآن وبعد ما أصدرته الأكاديمية من شروط تخص الترشح لجائزة أفضل فيلم، يرى البعض أن تلك القرارات تعد مبالغة في الصوابية السياسية، إذ انقسم المتابعون بين من يراها انحيازًا مطلوبًا للفئات الأضعف، ومن يراها تكبيلًا للإبداع واختيارات الفنانين الحرة.

فكر تقدمي.. أم تنوير وهمي؟

الشروط الجديدة التي وضعتها الأكاديمية للترشح لجائزة أفضل فيلم، يراها البعض مقيدة لحرية الإبداع، فما هي تلك الشروط؟، أولًا وضحت إدارة المهرجان أن واحدًا من الأدوار الرئيسة على الأقل يجب أن ينتمى إلى جماعة عرقية لا تحظى بالتمثيل الكافي، أو أن يضم الفيلم نسبة لا تقل عن 30% من الأدوار الثانوية لمجموعتين لا تحظيان بالتمثيل الكافي، أو أن تكون القصة الرئيسة للفيلم عن واحدة من تلك المجموعات؛ والتي يندرج تحت بندهم الأشخاص ذو البشرة الملونة، وذوو الاحتياجات الخاصة، والنساء، والمثليون، وقد امتدت شروط التنوع في صناعة الفيلم لما خلف الكاميرا أيضًا، فيجب أن يكون طاقم العمل متنوعًا لا يكتفي بلون واحد، ولا عرق واحد، ولا حتى توجه جنسي واحد.

وجد البعض أن تلك القرارات قد تكون في الصالح العام على المدى الطويل، ولكن هناك ايضًا آراء ضدها. في مقال لها بـ«ناشونال إنترست» بعنوان «هل تدمر الصوابية السياسية جائزة الأوسكار؟»، أوضحت الناقدة الفنية سومانترا ماتريا أن تلك القرارات ليست سوى درب من دروب «التنوير الوهمي»، مؤكدة أن تلك القرارات ستكون عائقًا أمام الإبداع الفني، وأنهت مقالها بأن هذا ليس سوى بداية انهيار جائزة الأوسكار. فهل حقًا قرارات الأوسكار تعد مبالغة في الصوابية السياسية؟ لنجيب عن هذا السؤال يجب أن نشرح لكم معنى هذا المصطلح، وكيف ظهر من الأساس.

الصوابية السياسية.. بدأت بمزحة؟

الكياسة السياسية، أو التصحيح السياسي، أو الصوابية السياسية كلها ترجمات عربية للتعبير الإنجليزي «Political Correctness»؛ هذا التعبير مُدرج ترجمته في قاموس جامعة كامبريدج على أنه «تجنب أشكال التعبير أو الأفعال التي يُنظر إليها على أنها استبعاد أو تهميش أو إهانة لمجموعات من الأشخاص المحرومين اجتماعيًا، أو الذين يتعرضون للتمييز»؛ على سبيل المثال: لا تقل شاذ، ولكن قُل مثليّ، ولا تقل زنجي، ولكن قُل أفروأمريكي، أو لا تقل ذوو الإعاقة قل أصحاب الهمم أو متحدي الإعاقة، هذا ما تهدف له الصوابية السياسية فيما يندرج تحت الجزء الخاص بالتعبيرات التي قد تهين جماعة بعينها.

في مقال له بعنوان «صعود الصوابية السياسي» وضح أنجيلو إم كوديفيلا أستاذ العلاقات الدولية في جامعة بوسطن أن استخدام تعبير الصواب السياسي استخدم للمرة الأولى بين الشيوعيين في الثلاثينات كنوع من أنواع المزاح الذي يقصد منه أن مصلحة الحزب يجب أن تصنف على أنها حقيقة حتى لو لم تكن واقعية، وذكر مزحة اشتهرت في ذاك الوقت تقول: «يا رفيق إن تصريحك غير صحيح، وليس واقعيًا»، فيرد عليه رفيقه قائلًا: «نعم! ولكنه يندرج تحت بند الصوابية السياسية»، موضحًا – كوديفيلا – في مقاله أن تلك المزحة كانت تعبر عن الموقف العنيف الحزب من أي شخص يخالف الآراء التي يروجها، رابطًا هذا المثال بما يحدث الآن في أمريكا حيث ينتشر مصطلح الصوابية السياسية كالنار بالهشيم، موضحًا أن التقدميين في أمريكا لديهم نفس نظرة الماركسيين قديمًا بأن المجتمع محطم وعليهم إصلاحه.

ولكن على خلاف ذلك، بينت ورقة بحثية نُشرت في العام 2015 عن جامعة هارفارد بعنوان «عبارة في حالة تغير مستمر: تاريخ الصواب السياسي» أن ذلك المفهوم يعود أصوله إلى أواخر القرن الثامن عشر عندما استخدمت في المحكمة العليا بالولايات المتحدة في قضية تشيشولم ضد جورجيا.

في إطار تلك القضية نبه القضاة إلى عدم صوابية الإشارة إلى أمريكا بوصفها «أمريكا» أثناء إلقاء النخب بـ شعب الولايات المتحدة الأمريكية، موضحين أن الصواب السياسي هو أن يقولون الولايات المتحدة، ولكن في هذا الوقت – وهو ما أوضحته الورقة البحثية – كان مصطلح الصواب السياسي أمرًا تناقشه وتلتزم به النخب في المجتمع كتقليد اجتماعي، بينما لم يكن موضوعًا للنقاش على مستوى عموم الشعب مثلما يحدث عالميًا الآن.

امنعوا الضحك! هل تكبل الصوابية السياسية الكوميديا؟

في الكثير من الدول الأوروبية الآن، وليس الولايات المتحدة الأمريكية فقط، تضع بعض الجامعات والمؤسسات التي تستضيف عرض كوميدي «ستاند أب كوميدي»؛ العديد من الشروط التي يجب الالتزام بها إذا وافق العارض على تقديم الحفل الخاص بهم، وتتمثل تلك الشروط في عقد يجب على الفنان الكوميدي الذي سيقدم الحفل أن يمضي عليه، ويتضمن هذا العقد جميع المواضيع التي تندرج تحت بند الصوابية السياسية والتي لا يجب أن يسخر منها، مثل المثليين، وذوي البشرة الملونة، والنساء، وذوي الاحتياجات الخاصة، والمتحولين جنسيًا، إلى جانب بعض المعايير الأخرى المتغيرة من مكان لآخر.

ولأن في الأساس الكوميديا تعتمد على السخرية من كل شيء حتى السخرية من النفس، فإن الكوميديان الأمريكي الشهير جيري ساينفيلد أكد في واحدًا من حواراته الإعلامية بجريدة هوليوود ريبورتر أن «الصوابية السياسية تحطم الكوميديا»، قائلًا إنه لم يعد يقيم حفلات في الجامعات؛ لأن طلاب الجامعة أصبحوا الأكثر تروجيًا للصوابية السياسية، كما أنهم يتعاملون مع المصطلحات الخاصة بها بتشدد لا مرونة فيه ، ومن وجهة نظره أن هؤلاء الشباب – بما فيهم ابنته ذات الـ14 عامًا – يستخدمون كلمات مثل عنصرية وتحيز جنسي دون أن يفهمون معناها الحقيقي، وأكثر من كوميديان آخر في الولايات المتحدة يحاربون الصوابية السياسية بإطلاق نكات على من يروجون لها.

وأكبر دليل على توجه الأجيال الجديدة تجاه الصوابية السياسية، هو عندما عُرض مسلسل «Friends» الشهير على شبكة نيتفلكس، ليكون فرصة لتلك الأجيال أن تشاهده للمرة الاولى، وبدأت موجة من الهجوم على المسلسل من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، أطلقوا عليه مسلسل لا يراعي الصوابية السياسية مؤكدين – بعض المنتمين جيل الألفية – أنه مسلسل عنصري ومتحيز جنسيًا.

هذا الرأي المعارض للصوابية السياسية وافقه عليه الكثير من الممثلين حتى غير الكوميديين منهم دينزل واشنطون والذي أكد من قبل أن الصواب السياسي أحيانًا يكون مبالغ فيه اجتماعيًا، مؤكدًا أنه لا يجب كمواطن ذي بشرة سوداء أن يعيش دور « الضحية طوال الوقت»، موضحًا أنه إذا أذنب شخص اسود البشرة سواء بالقتل أو بالسرقة لماذا يجب أن نذكر أن السبب هو لون بشرته وأنه ضحية التمييز، فهو مثله مثل الشخص الأبيض الذي يرتكب نفس الجريمة، حيث يعود السبب إلى منزل الشخص وأسرته بغض النظر عن لون بشرته، موضحًا ان التصحيح لا يجب أن يأتي من خارج المجموعات ذات التمثيل الأقل، بل يجب أن يبدأ من داخلها، لأنها الأدرى بما تعاني منه.

والأمر لم يتوقف عند الكوميديا، بل إن البعض يرى أن الصوابية السياسية أصبحت تكبل الخطاب الحر في جميع أشكاله، وأيضًا تم التركيز على الجامعات بالذات؛ لأنها – في أكثر من بلد أوروبية – بؤرة الصوابية السياسية ويغذيها حماس شباب الجامعة ويأخذونها إلى حد المبالغة من وجعة نظر المتخوفين من توجهات الصوابية السياسية، مثل وقائع سيطرة سود البشرة على مباني الجامعة وطرد باقي الطلاب في حالة وقوع أي شجار بين طالب أبيض وزميله أسود البشرة.

هل مهدت المبالغة في الصوابية السياسية الطريق لترامب؟

في حين أن الأجيال الجديدة، وطلاب الجامعات يروجون بكل ما أوتوا من قوة للصوابية السياسية، إلا أن الأغلبية من الشعب في الولايات المتحدة الأمريكية لا يفضلون الصوابية السياسية، ويشعرون أنها أمرًا دخيلًا عليهم، فتخيل رجلًا يبلغ من العمر 60 عامًا تطالبه بتغيير أسلوب كلامه وتبديل العديد من المصطلحات التي تعود أن يقولها طوال عمره، وإلا سيكون مستهدفًا من الناشطين والحقوقيين.

وهو ما أظهره مركز بيو للأبحاث في تقرير نُشر في العام 2016 أن 59% من الشعب الأمريكي يرون أن الكثير من الناس أصبحوا يشعرون بالإهانة بسهولة شديدة بسبب اللغة التي يستخدمها الآخرين، بينما يرى 39% من الأمريكيين أن المواطنين في حاجة لن يكونوا أكثر حرصًا في استخدام اللغة لتجنب الإساءة لأشخاص من خلفيات مختلفة.

وهو ما قد يفسر بالنسبة للبعض فوز دونالد ترامب في انتخابات الرئاسة الأمريكية، بعد تصريحاته الواضحة أثناء ترشحه بأنه يرى أن الصوابية السياسية يعد مشكلة في الولايات المتحدة، وأنه ليس لديه وقت لهذا التصحيح، ومن وجهة نظره أن أمريكا ليس لديها الوقت لهذا الصواب السياسي أيضًا، وهو ربما ما تماشى إلى جانب أشياء أخرى مع آراء قطاعات من الشعب الأمريكي تتخوف من توجهات الصوابية الجديدة.

على الرغم من أن الصوابية السياسية أصبحت مصطلح مرتبطًا ذهنيًا بالولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن – كما ذكرنا سابقًا – مصطلح له أصول تاريخية أبعد من ذلك، ويرى البعض أنه قد يكون الألمان مارسوا الصوابية السياسية قبل أمريكا، وفي مقال على موقع الثقافة الألمانية، يقول صاحبه: « الألمان هم مخترعو الصواب السياسي، إذا كنت تعتقد أن هذا المصطلح عصريًا ظهر حديثًا في الولايات المتحدة الأمريكية فأنت مخطئ، فألمانيا تمارس التصحيح السياسي بحماسة منذ عام 1965، وتعمل على الأمر حتى الآن»، موضحًا في مقاله أن الألمان عادة ما ينكرون علنًا النكات الخاصة باليهود، ويبذلون قصارى جهدهم لقمع تلك النكات، ويصفها معظم الألمان بالنكات بأنها «حقيرة».

يرى البعض أن الصوابية السياسية قد تكون صعبة التنفيذ في بداية الأمر، ولكنها مع الوقت ستخلق عالم جديد يراعي فيه الشخص مشاعر الآخر، بينما يراها الآخرين مجرد تكبيل لحرية الإبداع والخطاب الحر، في حين أن الكثير من المدافعي على الصوابية السياسية يركزون أكبر همهم على تغيير المصطلحات، بالرغم من أن تعريف الصوابية السياسية يندرج تحت بنده الأفعال قبل الأقوال التي تهين بعض الجماعات، وعلى الرغم من أن قرار الأكاديمية كان نقطة على طريق مشروع الصوابية السياسية كما يرى مؤيدوه، إلا أنه لا يزال تحت المنظار ويتلقى الكثير من الانتقادات، فهل يكون الأوسكار هو المحطة الأخيرة في الصوابية السياسية في أمريكا؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد