هل يتجه الاقتصاد الأمريكي والعالمي نحو الركود؟ حسنًا؛ للمحللين الاقتصاديين وغيرهم متابعة الاقتصاد، وإطلاق التنبؤات المختلفة حيال الأمر، ولكن عندما تبدأ إحدى أهم المؤسسات الاقتصادية على الإطلاق بالحديث عن ضرورة أن يختبر الاقتصاد العالمي «الألم» فعندها تنتهي التنبؤات. 

فبعد شهور طويلة من السياسات الاقتصادية الاستثنائية من قبل الفيدرالي الأمريكي، والتي تلت جائحة كورونا وتبعاتها، وكان من أهمها تخفيض أسعار الفائدة لما يقارب الصفر، وبدء عملية خلق النقود أو ما يعرف باسم «التيسير الكمي – Quantitave Easing»، بدأ انحسار آثار الأزمة على الأسواق برفع الأسعار عالميًّا.

ثم جاءت الحرب في أوكرانيا لتضاعف الأزمة، ولتترك الفيدرالي الأمريكي وغيره من البنوك المركزية في العالم في مواجهة موجة تضخمية عاتية؛ تتطلب سياسات اقتصادية استثنائية في الاتجاه المعاكس عن طريق رفع سعر الفائدة، وسحب السيولة النقدية من السوق، ومعه البدء بتقبل الثمن الواجب دفعه للتخلص من التضخم أيضًا.

تقلبات الفيدرالي الأمريكي 

لنحاول فهم السياق التاريخي القصير لما يحصل اليوم؛ وذلك قبل الدخول في تفاصيل موقف الفيدرالي الأخير، وتعديله توقعاته لما سيحصل في الاقتصاد لاحقًا، والتعليقات الموحية باحتمالية حصول الركود، أو ما يمكن تسميته بـ«الركود التضخمي – Growth Recession»، والذي هو أقل ضررًا من الركود رغم الخسائر التي يلحقها بالاقتصاد؛ وتحديدًا في صورة خسارة للوظائف، مع استمرار تحقيق معدلات نمو منخفضة، وتحديدًا بالمقارنة بإمكانيات الاقتصاد. 

مع دخول جائحة كورونا عام 2020؛ دخل العالم كله في أزمة اقتصادية حادة، مع إغلاق كامل أو جزئي لجميع القطاعات الاقتصادية؛ ما أنتج انكماشًا عالميًّا هو الأسوأ منذ ستينيات القرن الماضي، وفق بيانات البنك الدولي؛ فقد انكمش الاقتصاد العالمي بنسبة 3.3% في عام 2020، مقارنة بانكماش 1.3% عام 2009 بسبب الأزمة المالية العالمية. 

مبنى الفيدرالي الأمريكي – مصدر الصورة: ويكيبيديا 

اضطرت أزمة جائحة كورونا البنوك المركزية في العالم لهندسة ردة فعل ضخمة، وتحديدًا من قبل البنوك المركزية الرئيسية وفي مقدمتها الفيدرالي الأمريكي، والذي ساهم بشكل كبير جدًّا في دفع الاقتصاد الأمريكي والعالمي بعد الأزمة بفرض إجراءات كثيرة. 

يمكن تلخيص دور الفيدرالي (ويشبهه دور أغلب البنوك المركزية الرئيسية) بالإجراءين التاليين: الأول تخفيض سعر الفائدة إلى ما يقارب الصفر بين شهر مارس (آذار) 2020 وحتى الشهر نفسه من عام 2022، مع بدء الفيدرالي إصدار تأكيدات بإبقاء الوضع على ما هو عليه في المستقبل وحتى انتهاء الأزمة للتأثير في التوقعات، والثاني نهاية عملية التيسير الكمي التي تعني خلق نقود جديدة وضخها في الاقتصاد عن طريق البنوك. 

كان المقصد من هذه الإجراءات محاولة دفع عجلة الاقتصاد المتوقفة بسبب الجائحة، بدءًا بالأشهر الأولى التي تضمنت الإغلاقات الكلية، ووقف التجارة، وفقدان الوظائف الكبير، وحتى المراحل اللاحقة التي فتحت فيها القطاعات الاقتصادية مع استمرار آثار الجائحة في الاقتصاد. 

عملت هذه الإجراءات على تحفيز جانب الطلب في الاقتصاد بشكل أساسي، مع بقاء جانب العرض دون تدخلات من قبل الفيدرالي أو غيره من المؤسسات الرسمية، ما أدى نهاية إلى تجاوز الطلب للعرض بشكل واضح في الاقتصاد، مع مفاقمة مشكلات سلاسل التوريد التي صعبت الوصول إلى مستويات عرض مناسبة لمستويات الطلب، مع ارتفاع تكلفة الشحن والنقل للسلع والخدمات المختلفة، نهاية بالحرب الأوكرانية الروسية التي ضاعفت أسعار سلع أساسية مثل النفط، والغاز، والقمح. 

لكن قبل الوصول إلى الحالة النهائية التي وصل إليها التضخم اليوم، وعندما كان عام 2021 في ربعه الثاني فقط؛ كان التضخم في الولايات المتحدة قد وصل إلى 4.2% في أبريل (نيسان)، وهو أعلى من المعدل الذي يستهدفه الفيدرالي معدلًا صحيًّا للاقتصاد بنحو الضعف؛ إذ إن الفيدرالي يستهدف عادة نسبة 2%، واستمر التضخم بالارتفاع في الشهور اللاحقة، حتى وصل إلى 5.3% في مايو (أيار). 

استخدم الفيدرالي وقتها مصطلح «التضخم الانتقالي – Transitory Inflation» لوصف الحالة في ذلك الوقت، وهو الوصف نفسه الذي أصر عليه الفيدرالي لشهور لاحقة؛ كما يدل ذلك على امتناع الفيدرالي عن اتخاذ إجراءات لمكافحة التضخم طوال عام 2021، وحتى ما بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا، وتحديدًا إلى شهر مارس من عام 2022. 

لكن بدء الفيدرالي اتخاذ هذه الإجراءات لم يكن حدثًا عاديًّا ولا تغيرًا طبيعيًّا؛ بل إنه يعكس أن تقديرات الفيدرالي عن كون التضخم عابرًا وانتقاليًّا لم تكن تقديرات صحيحة، بل كانت تقديرات مفرطة في التفاؤل؛ واضطر الفيدرالي لاحقًا إلى بدء مرحلة جديدة يتخلى فيها عن فكرة التضخم الانتقالي.

من «الهبوط الناعم» إلى «النمو الركودي»

فهم الفيدرالي الأمريكي المرحلة الجديدة، وتخلى عن فكرة التضخم الانتقالي، وبدأ محاولات علاج مشكلة التضخم التي أثبتت أنها ليست مشكلة عابرة، ولكنه سبَّب مشكلة اقتصادية أخرى بسبب إجراءاته، دون أن يعني ذلك. 

يعيش الاقتصاد دورة تعرف بـ«دورة الأعمال – Business Cycle»، والتي تتضمن مراحل عدة؛ وللتبسيط فإن مرحلة نمو الاقتصاد رغم أهميتها تصل إلى قمة يتسبب فيها الطلب المرتفع بحصول التضخم، ويستلزم ذلك إجراءات تقشفية لإبطاء الاقتصاد، يلحقها مرحلة تراجع في الاقتصاد قد تفاقمها الإجراءات الحكومية، وتصل نهاية إلى القاع الذي يمثل الركود الاقتصادي. 

باختصار أراد الفيدرالي أن يحقق ما يعرف بـ«الهبوط الناعم – Soft Landing» الذي يعني التخلص من التضخم الزائد عن الحد، دون خسارة النمو الاقتصادي؛ أي دون الوصول إلى حالة من الركود، والتي تعني خسارة الاقتصاد للوظائف والتشغيل بسبب الوضع المالي السيئ للشركات المشغلة. 

ظل الفيدرالي مصرًّا على إمكانية تحقيق هذا الهبوط الناعم للاقتصاد، وبنى ذلك على قوة الاقتصاد الأمريكي ومتانة المؤشرات المتوفرة عن حالته، وحتى بعد رفع أسعار الفائدة بنسب عالية جدًّا ظل مصرًّا على أن هذه النسب غير المسبوقة منذ عقود لا تعني أن خطة الهبوط الناعم لن تتحقق. 

لكن الفيدرالي نفذ بالفعل الرفعة الثالثة لسعر الفائدة بنسبة 0.75%، وهي نسبة تجنبها منذ عام 1994 حتى عام 2022، وذلك لأن مثل هذه النسبة المرتفعة قد تؤدي بالاقتصاد إلى الانزلاق نحو الركود، ولكن الفيدرالي مضطر لمثل هذه الإجراءات شديدة التقشف، لأن التضخم لم يستجب لكل الخطوات السابقة؛ وهو ما أدى بالفيدرالي للانتقال للمرحلة الأخيرة؛ والتي يبدو أنه بدأ يتقبل فيها التخلي عن فكرة الهبوط الناعم إلى ضرورة حصول ضرر للاقتصاد الأمريكي.

لكن الفيدرالي اليوم لا يقول إن محاربة ظاهرة التضخم وإنهاءها يعني ضرورة الوقوع في الركود؛ بل إن الفيدرالي اليوم ينتقل إلى إستراتيجية «النمو الركودي – Growth Recission» والذي يعني أنه من الضروري التخلص من التضخم للوصول إلى حالة من التباطؤ الاقتصادي، الذي يعني خسارة الوظائف وارتفاع تكلفة الاستدانة، دون أن يعني ذلك الوقوع في الركود، ولكن تحقيق معدلات نمو منخفضة وبطيئة تتضمن ارتفاع معدل البطالة. 

يغير الفيدرالي إستراتيجيته وسط خسائر ملحوظة في أسواق الأسهم، وتوقعات سابقة باحتمالية حصول الركود في الأشهر القادمة مدعومة بمؤشرات اقتصادية، لكنها اليوم أصبحت مدعومة أيضًا بتغيير الفيدرالي إستراتيجيته وتوقعاته أيضًا، وتخليه عن إمكانية تعديل وضع التضخم دون تحقيق الخسائر أو مع الحفاظ على معدلات نمو جيدة. 

هل يفلت زمام الاقتصاد من يد الفيدرالي؟

لا يعني ما سبق أن الفيدرالي الأمريكي يتوقع فقط أن هذه الحالة المسماة النمو الركودي هي ما سيحصل قادم الأيام؛ بل إنه من يدفع باتجاهها، رغم معرفته بأن ذلك يعني ضررًا للاقتصاد؛ وتحديدًا على مستوى البطالة وتكلفة الاقتراض.

ولكن إذا تتبعنا الخط الذي سار عليه الفيدرالي منذ بدء ظهور مؤشرات التضخم في الاقتصاد الأمريكي وحتى اللحظة، نجد أن الفيدرالي اضطر لتعديل توقعاته أكثر من مرة للأسوأ بعد تطمينات ودعوة لعدم التخوف، فانتقل من مرحلة إلى أخرى ومن تطمين بوضع مثالي مثل أن التضخم مرحلة انتقالية ستحل نفسها بشكل طبيعي ودون الحاجة لأي إجراءات استثنائية، إلى وضع الهبوط الناعم الذي يعد أقل مثالية لكنه جيد جدًّا.

فكيف يمكن أن يكون مضمونًا اليوم أن الأمور لن تفلت من يد الفيدرالي ولن ينزلق الاقتصاد نحو الركود بالفعل لا النمو الركودي؟ أو ربما ما هو أسوأ مثل «الركود التضخمي – Stagflation»، والذي يعني حصول الركود وخسارة الوظائف مع بقاء الأسعار مرتفعة؛ لا حل مشكلة التضخم على حساب حصول الركود بل اجتماع المشكلتين معًا.

فالملاحظ الآن أن إجراءات الفيدرالي تزداد تشددًا، لكن التضخم ما يزال يبدو مشكلة قائمة، وذلك رغم كل إجراءاته، ورغم التشدد في الإجراءات التقشفية، فهل يمكن ألا تكون المرحلة الحالية استثناء عما سبقها وننتقل من النمو الركودي إلى الركود؟ خصوصًا مع وجود مؤشرات  تتوقع حصول الركود في نهاية العام؛ وتحديدًا في شهر أكتوبر (تشرين الأول) من العام الحالي.

يرى جوزيف ستيجلز، الاقتصادي الأمريكي حائز جائزة نوبل في الاقتصاد، أن إجراءات الفيدرالي هي بالتحديد ما يقتل الاقتصاد، فهي تعمل على قتل جانب الطلب دون معالجة الاختلالات الحقيقية في جانب العرض، وهي من ثم تعمل على خلق الركود في الاقتصاد، دون معالجة أسباب حصول التضخم عن طريق خفض تكاليف الإنتاج في سوق العمل والمواد الأولية، ومن ثم يبقى المجال مفتوحًا أمام حصول الركود التضخمي، ويدعو ستيجلز معالجة اختلالات جانب العرض بدلًا من إجراءات الفيدرالي التي لا تعالج الاقتصاد.

الاقتصادي جوزيف ستيجلز حائز جائزة نوبل للاقتصاد – مصدرة الصورة: ويكيبيديا

كل هذه الأمور تدعو للتفكير بإمكانية انزلاق الاقتصاد نحو الركود؛ خصوصًا وأن الإجراءات الاقتصادية التي يتخذها الفيدرالي اليوم لا يمكن حسابها بدقة، ولا يمكن التنبؤ بدقة بآثارها في المستقبل، أضف إلى أنَّ هذه الإجراءات تدفع باتجاه إبطاء الاقتصاد؛ فإذا كانت الإجراءات التوسعية السابقة هي ما ساهم في حصول التضخم فقد تكون الإجراءات التقشفية الحالية هي ما يساهم في ركوده أيضًا. 

الدول النامية تدفع الثمن

يمثل الاقتصاد الأمريكي قرابة ربع الاقتصاد العالمي، ومع التشابك في التجارة، في الأسواق المالية العالمية فإن الركود في الولايات المتحدة سيعني بالغالب ركودًا في باقي العالم، خصوصًا أن آثار الجائحة لم تزل بعد، ومعها تستمر الحرب في أوكرانيا التي ما تزال آثارها باقية أيضًا على ارتفاع أسعار السلع الأساسية، وقد تتفاقم هذه الآثار لاحقًا مع استمرار الحرب.

يأتي ذلك في ظل تباطؤ نمو الاقتصاد الصيني ثاني أكبر اقتصادات العالم، بفعل الإغلاقات في مدن رئيسية صينية، ومعها مشكلة عقارات وطاقة ما تزال مستمرة؛ وهي ولو جزئيًّا من فعل الحكومة نفسها التي ترغب بإعادة هيكلة الاقتصاد، ودخول مرحلة أخرى من تحقيق نمو صحي أكثر وتعديل إستراتيجيتها الاقتصادية بما يسمح بلحاق الغرب وتجاوزه.

والتباطؤ الاقتصادي في الولايات المتحدة التي تعد شريكًا تجاريًّا كبيرًا للصين قد يعني مزيدًا من المشكلات لثاني أكبر اقتصادات العالم وأكثرها مساهمة في النمو العالمي، وهو يعني زيادة في احتمالية انزلاق الاقتصاد العالمي برمته في الركود، خصوصًا مع الأهمية الكبرى للاقتصادين في العالم، وحجم تأثيرهما في اقتصادات غيرهما. 

إلا أن الاتجاه المستمر في ارتفاع أسعار الفائدة العالمية يؤثر في دول عديدة حتى دون حصول سيناريو الركود؛ فالدول المديونة (مثل مصر وتركيا وغيرها) ترتفع تكاليف ديونها اليوم بسبب ارتفاع أسعار الفائدة في العالم، ومعها تضطر بنوك مركزية كثيرة لرفع أسعار الفائدة المحلية أيضًا لمجاراة سعر فائدة الفيدرالي الأمريكي.

رفعت البنوك المركزية ولأعوام عدة، أسعار فائدتها مقارنة بأسعار الفائدة في الدول المتقدمة؛ جاعلة اقتصادات بلادها أكثر جاذبية لرؤوس الأموال الساخنة التي ترغب بربح قصير، لأن عوائد الاستثمار في هذه البلدان مرتبطة بأسعار الفائدة المرتفعة نسبيًّا فيها، وذلك في الوقت الذي كانت أسعار الفائدة في الغرب فيه تقترب من الصفر.

ولكنها اليوم أصبحت موجبة ومعها ترتفع الضغوط على البنوك المركزية في هذه الدول لرفع أسعار فائدتها أو لتقبل خسارتها للمستثمرين، وهو ما يحصل في مصر رغم رفع سعر الفائدة فيها، مع انخفاض في الاحتياطي الأجنبي أيضًا، وهو ما يعني إمكانية تكرار ما حصل سابقًا من اضطرار المركزي لتخفيض قيمة العملة وما يتبعه من تضخم ومشكلات أخرى في الاقتصاد.

 

المصادر

تحميل المزيد