«حكم الشعب، بالشعب، ومن أجل الشعب –  Government of the people, by the people, for the people»

هذا أحد أهم شعارات الديمقراطية الأمريكية؛ مأخوذ من خطاب تاريخي للرئيس الأمريكي الأسبق أبراهام لينكولن. ولكن هل يعني وجود انتخابات رئاسية وبرلمانية أن الحكومة تعمل من أجل الشعب فعلًا؟

في عام 2014 أصدرت جامعة كامبردج بحثًا عنوانه «اختبار نظريات السياسة الأمريكية: النخب وجماعات المصالح والمواطنون العاديون» للباحثين الأمريكيين مارتن جيلنز وبنيامين بيج، وهدف البحث اختبار النظريات التي تحاول وصف وضعية السياسة الأمريكية في الوقت الحالي، سواء اعتقدت بحقيقة تمثيل السياسة الأمريكية لآراء مواطنيها العاديين أم لا.

وسؤال البحث الأساسي هو: من المؤثر الأكبر في السياسة الأمريكية؟ المواطنون العاديون كما تدعي السياسة الأمريكية نفسها؟ أم النخب الاقتصادية والشركات ومجموعات المصالح المنظمة؟ 

طيف نظريات السياسة الأمريكية

قبل الشروع في الإجابة عن سؤال البحث، نقدم النظريات الأربعة الأساسية التي يختبرها البحث إحصائيًّا، وذلك لفهم الاحتمالات الأربعة التي يُحاول البحث الترجيح بينهم، واختيار أكثرهم توصيفًا للواقع.

هُنالك نظريتان تنصان على أنَّ الديمقراطية الأمريكية تقوم على إجماع المواطنين العاديين، سواءً بشكل مباشر عن طريق الانتخابات التمثيلية، كما هو في نظرية «الأغلبية الديمقراطية الانتخابية –  Majoritarian Electoral Democracy»، أو أنَّ السياسة الأمريكية ممثلة لمصالح المواطنين العاديين عن طريق مجموعات المصالح.

مواد تعريفية

منذ سنة واحدة
قانون «فارا».. ما هي جماعات الضغط.. وكيف تؤثر في صناعة القرار الأمريكي؟

النظرية الثانية هي «تعددية الأغلبية – Majoritarian Pluralism»، والتي تضع مجموعات المصالح في قلب السياسة، ومن أهم منظريها بروفيسور السياسة الأمريكي ديفيد ترومان، وترى هذه النظرية أن المواطنين عند انتظامهم في مجموعات المصالح، بإمكانهم التأثير في السياسة لتحقيق ما يريدون، وبسبب تدافع مجموعات المصالح المختلفة، فإن ذلك سيعني نهاية تمثيل الأغلبية في عملية اتخاذ القرار. 

بقي لدينا نظريتان تتحديان منطق النظريتين السابقتين، وتقولان إنَّ السياسة الأمريكية وعمليات اتخاذ القرار فيها، منحازة تمامًا لإحدى المجموعتين؛ الأولى النخب الاقتصادية ونظريتها «هيمنة النخب الاقتصادية – Economic Elites Domination»، والثانية مصالح الشركات الكبرى وتحالفات رؤوس الأموال وغيرها ونظريتها «التعددية المتحيزة – Biased Pluralism».

ومن دون الدخول في عمق هذه النظريات؛ سنعتمد على الجدول التالي الذي يلخص موقف كل نظرية من تأثير الأطراف المؤثرة في السياسة الأمريكية.

النظرية/الفئة المواطنون العاديون النخبة الاقتصادية جميع مجموعات المصالح مجموعات المصالح الممثلة للمواطنين العاديين مجموعات مصالح الأعمال
الأغلبية الديمقراطية الانتخابية تأثير مستقل كبير غير مؤثرة غير مؤثرة غير مؤثرة غير مؤثرة
تعددية الأغلبية تأثير مستقل غير كبير غير مؤثرة تأثير مستقل كبير تأثير مستقل كبير تأثير مستقل كبير
هيمنة النخب الاقتصادية تأثير مستقل غير كبير تأثير مستقل كبير تأثير مستقل غير كبير غير مؤثرة تأثير مستقل غير كبير
التعددية المتحيزة غير مؤثرة غير مؤثرة تأثير مستقل غير كبير تأثير مستقل غير كبير تأثير مستقل كبير

كيف يقيس البحث واقعية النظريات الأربعة؟

لقياس مدى واقعية النظريات الأربعة، جمع البحث بيانات ضخمة لقوانين وسياسات جرى إقرارها أم رفضها، بالمقارنة مع استطلاعات الرأي ومعلومات المشاركين في هذه الاستطلاعات، وبيانات أخرى لاستطلاعات رأي عينة من مجموعات المصالح في أمريكا.

وعولجت البيانات لمعرفة تأثير رغبة كل فئة من هذه الفئات، عن طريق استطلاعات الرأي، ثم مقارنتها مع التغير في السياسات والتشريعات لاحقًا.

ولمعرفة حدود هذا البحث، يذكر الباحثون أنَّ منهجية البحث المتبعة أدت بهم للوصول إلى نتائج تقلل من حجم تأثير النخبة الاقتصادية ومجموعات المصالح والأعمال في السياسة الأمريكية. ومن أصل ثلاثة وجوه، يقيس البحث وجهًا واحدًا من أوجه التأثير في السياسة قياسًا كاملًا، ويقيس الوجه الثاني جزئيًّا، ولا يقيس الثالث على الإطلاق.

خلال احتجاجات «احتلوا وول ستريت» في أمريكا عام 2011 ويشير رقم 99% إلى أصحاب الدخل المحدود مقارنة بـ1% من المليارديرات 

الوجه الأول هو الوجه المباشر من التأثير؛ والذي يقيس مدى تأثير أي طرف من الأطراف في تغيير سياسة أو تشريع أو رفضهما. والثاني متعلق بالسياسات التي تطرح للنقاش والتصويت، وقد تؤثر بعض الأطراف في ما يطرح أو ما لا يطرح للنقاش. والوجه الثالث حجم تأثير النخبة الاقتصادية ومجموعات مصالح الأعمال في تشكيل رأي الفئات الأخرى أو المواطنين العاديين. 

ولكن لماذا يقدر البحث حجم تأثير النخبة الاقتصادية بأقل من حجمها الحقيقي؟ يرجع ذلك إلى فئة الدخل المعتمدة من قبل الباحثين بهدف تمثيل بقية الفئات المختلفة. وإذا ما جرى تقسيم المواطنين الأمريكيين إلى مائة فئة بعد ترتيبهم تصاعديًّا، فإنَّ الفئة 90 (وتقدر بدخل 146 ألف دولار سنويًّا) هي من استخدمها البحث لتمثيل النخبة الاقتصادية، وهو دخل منخفض مقارنة بالـ1% الأعلى دخلًا في أمريكا.

الديمقراطية الأمريكية.. ديمقراطية من بالتحديد؟

لا يقيس البحث وجهين آخرين بشكل مباشر، الأول هو ما يجري التصويت عليه، والثاني قدرة الفئات الأعلى دخلًا والأوسع نفوذًا على تشكيل وجهة نظر الفئات الأخرى بحملات التأثير في الرأي العام.

يقيس البحث، مثل كثير من الدراسات الإحصائية، مقدار التغير في احتمالية إقرار قانون ما أو رفضه كلما ارتفعت نسبة تأييد هذا القانون من الفئات المختلفة؛ ويعني هذا أنَّه إذا ارتفعت نسبة تأييد المواطنين العاديين، وبقيت احتمالية التصويت على القانون كما هي لم تتغير، فذلك يعني عدم وجود أي تأثير لهؤلاء المواطنين.

أما إذا كانت احتمالية الموافقة على هذا القانون، تنخفض وترتفع بانخفاض نسبة التأييد من فئة معينة وارتفاعها، فذلك يعني أن هذه الفئة لها تأثير حقيقي في آلية الموافقة والرفض؛ مع ملاحظة مهمة يضيفها البحث أن السياسة الأمريكية مصممة بحيث يكون تعديل الأمر الواقع فيها صعبًا جدًّا، والأسهل هو رفض التغيير بغض النظر عن رغبات الفئات المختلفة. 

ولكن مَن مِن هذه الفئات يغير احتمالية إقرار القوانين كلما زادت رغبته في ذلك؟ بالنسبة للمواطنين العاديين فقد بين البحث أن زيادة نسبة تأييدهم وانخفاضها لا تؤثر بشيء، فإذا كان 0% من المواطنين العاديين يؤيدون سياسة ما، فذلك يعني أن الاحتمالية المتوقعة لإقرار هذه السياسة ستكون 30%، وإذا كان 100% من هؤلاء المواطنين مؤيدين لهذه السياسة فستبقى الاحتمالية 30%.

وبالنسبة للنخب الاقتصادية، ومجموعات المصالح، فإنَّ تأييدهم لسياسة أو قانون يزيد من احتمالية تطبيقها، والعكس صحيح في حال المعارضة، وتزيد احتمالية الإقرار في حال التقاء رغبة الطرفين.

ملاحظات منهجية حول البحث

هنالك ملاحظات مهمة يبرزها البحث، الأولى إقرار البحث بوجود تشابه بين رغبات المواطنين والنخب الاقتصادية، ما يعني حصول المواطنين على ما يريدون رغم رأيهم غير المؤثر، وذلك بسبب توافق آرائهم مع آراء النخب الاقتصادية.

ويشير البحث إلى أنَّ هذا قد يكون نتاج قوة تأثير النخب الاقتصادية في تشكيل رغبات المواطنين، وليس تشابهًا حقيقيًّا بين الفئتين. ويؤكد البحث عدم توافر بيانات كافية لبحث هذه المسألة.

بالإضافة إلى ذلك، فمن قصور البحث وضعه سياسات الإجهاض وترخيص السلاح في سلة واحدة مع سياسات الضرائب، وهو ما لم يساعد على فهم مدى تأثير المواطن في السياسات، لأنَّ النخب الاقتصادية وجماعات المصالح يركزان بشكلٍ رئيسي على السياسات الاقتصادية.

كما أن ذلك قد يعني أن تأثير هذه الفئات أكبر بكثير في حالة السياسات المتعلقة بالاقتصاد منها في حالات أخرى، وبطبيعة الحال فإن هذه النخب ستنفق وتضغط أكثر لتطبيق سياسات تصب في مصلحتها، أو تمنع سياسات أخرى في غير مصلحتها، وهذا يعني أن تأثير هذه الفئات في هذا المجال قد يكون أكبر بكثير مما يقيسه البحث. 

ونهاية إذا كان النظام الأمريكي السياسي مصممًا على ممانعة التغيير وإبقاء الوضع القائم؛ فإن من المهم أن نسأل أنفسنا مصالح من هي الأكثر تمثيلًا في الوضع القائم؟ ومن كان الأقدر في الماضي على الدفع لإقرار سياسات وقوانين تناسب مصالحه أكثر؟ أم أن هذه المعادلة لم تكن تنطبق في الماضي كما هي اليوم؟ 

وعليه فإنه رغم قدرة الشعب الأمريكي على انتخاب الرئيس وأعضاء المجالس التشريعية؛ فإن ذلك لا يعني بالضرورة أنه قادر على التأثير في اتجاهات سياسات هؤلاء التي يقرونها وينفذونها، وفي حال صحة نتائج هذا البحث فإن الواقع يعارض فكرة الديمقراطية ذاتها، ويشير ذلك أيضًا إلى خطأ النظريات التي تقول إن السياسة الأمريكية تدور حول رغبات متوسط المواطنين الأمريكيين أو المواطنين العاديين وحكم الأكثرية بالعموم.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد