«إن إقامة دولة الخلافة واجب شرعي على كل مسلم، ولا يجوز للمسلمين أن يبيتوا ثلاث ليال بدون خلافة؛ بدليل أن الخليفة عمر بن الخطاب، كلف الصحابة ثلاثة أيام؛ لإيجاد خليفة له؛ عندما طُعن، وطلب بأن يتم ضرب عنق من يخالف ذلك»، هذا ما قاله الأمين العام لجماعة «العدل والإحسان»، «محمد العبادي»، وهو يتحدث عن ضرورة تطبيق الشريعة، في مقطع فيديو نُشر على قناة الشاهد الإلكترونية التابعة للجماعة.

أثار التصريح جدلًا واسعًا داخل الأوساط المدنية والسياسية في «المغرب»، حول المشروع المبيت لجماعة «العدل والإحسان»، قبل أن يوضح القيادي بالحركة «حسن بناجح» أن ما ذكره «العبادي» في الفيديو، أسيء فهمه، وأن تهديده بضرب الرقاب غير صحيح.

أعاد هذا الجدل النقاش حول جماعة «العدل والإحسان» المحظورة، وطرحها السياسي للحكم في المغرب.

نشأة جماعة «العدل والإحسان»

في سبتمبر (أيلول) 1974 أرسل «عبد السلام ياسين» نصيحة مفتوحة إلى الملك «الحسن الثاني» في أكثر من 100 صفحة، سماها «الإسلام أو الطوفان»، انتقد فيها حكم الملك علانية، فتم اعتقاله، وزج به في السجن، ثلاث سنوات ونصف.

وبعد خروج «عبد السلام ياسين» من السجن، في مارس 1978، نشط في الدعوة الإسلامية، وأسس مجلة شهرية تدعى «الجماعة»، التي كان ينشر فيها رؤيته الدينية، وفي العدد السابع منها سنة 1981 أعلن تأسيس مجموعة إسلامية باسم «أسرة الجماعة».

اعتقل «عبد السلام ياسين» مرة ثانية في سنة 1983، وأفرج عنه بعد قضائه عامين في السجن، ليبدأ التأسيس الفعلي لحركته الإسلامية سنة 1986، تحت اسم «جماعة العدل والإحسان»، إذ شكل المجلس التنفيذي للجماعة واللجان التنفيذية.

ومنذ تلك اللحظة أصبحت جماعة العدل والإحسان تمارس نشاطاتها الدينية في المساجد والجامعات، وتعقد الندوات، وتصدر البيانات، والنشرات، وتؤهل أعضاءها للانتماء للجماعة، حتى صارت توصف ـ حاليًا ـ بأنها الفصيل الإسلامي الأكبر في المغرب.

توفي مؤسس الحركة، عبد السلام ياسين، في ديسمبر 2012، وخلفه محمد العبادي في ترأس الجماعة.

المشروع السياسي للحركة

 

لا تتردد جماعة العدل والإحسان في إعلان مشروعها السياسي لحكم المغرب، الممثل في إقامة الخلافة، وتطبيق الشريعة، وترفض «إمارة المؤمنين في المغرب»، ناهيك عن الدولة العلمانية.

يعتبر عبد السلام ياسين مؤسس الجماعة، أن الإسلام «دين شمولي»، لا يميز بين الدولة والمجتمع؛ إذ يقول في كتابه «الإسلام بين الدعوة والدولة»، إن «التفريق بين الدين والدولة رجعة جاهلية عما أراده الله للناس، من سعادة في معاشهم ومعادهم، باستقامتهم على شريعته، فرادى وجماعة»، ومن ثَمَّ لا ترى جماعة العدل والإحسان خطًا فاصلًا بين السياسة والدين، بل تجد من الضروري «أسلمة السياسة».

تتبنى الجماعة لتحقيق رؤيتها الدينية، الطرق التربوية؛ لتكوين جيل ناشئ متشبع بأيديولوجيتها، وفق فهمها للدين، بيد أنها تصرح برفضها للعنف، كطريق للوصول إلى ما تصبو إليه، وتفضل ما تسميه «الموعظة الحسنة والتدافع السياسي»، وتحتل ما يعرف لديها بـ«الأحلام والرؤيا» موقعًا هامًا في طرحها الديني.

ورغم ما يعتبره البعض طرحًا دينيًا وسياسيًا «متطرفًا»، من قبل الجماعة، إلا أنه، كما قال الكاتب السياسي، «محمد ضريف»، في كتابه «مسارات في جماعة العدل والإحسان»، «تُعد إحدى الجماعات الإسلامية القليلة في الوطن العربي، المتسمة بالوضوح والانسجام بين فكرها وممارستها؛ إذ تصرح برغبتها في إقامة الخلافة، دون مواربة، بعكس الحال مع حركة (الإخوان المسلمين)، الذي يتسم موفقها في هذا الصدد بالغموض».

العلاقة بالدولة المغربية

لا تكاد تخفت حدة الصراع بين جماعة العدل والإحسان من جهة، والدولة من جهة ثانية، حتى تعود الأمور إلى ما كانت. ولا تزال الحركة، حتى الساعة محظورة قانونيًا.

ترفض جماعة العدل والإحسان، حكم الملكية في المغرب، وقد صرّحت غير مرة، أن إمارة المؤمنين التي تتبناها الدولة المغربية «باطلة». في المقابل تعلن الدولة، أن الجماعة تنظيم محظور، وتشن حملات مداهمة واعتقال، ومحاكمات لأعضائها، بين الفينة والأخرى.

 

يرى القيادي في الجماعة، «عمر أحرشان»، أنّ معارضتهم للنظام السياسي في المغرب، لا تقتصر على السياسات العمومية، وإنما تعارض الأسس التي يستمد منها النظام مشروعيته، باعتبارها «غير تعاقدية وغير ديمقراطية»، ومن ثم فإن دخول الجماعة في المعترك السياسي رهن تغيير النظام المغربي، كما يقول القيادي.

في نفس السياق، تعتبر جماعة العدل والإحسان، أنه لا جدوى من المشاركة السياسية، «ما دام القصر هو الحاكم الفعلي للبلد»، مُحمّلة الأخير «مسئولية الفساد والاستبداد». ولعل حركة العدل والإحسان تعد إحدى المكونات السياسية القليلة التي لم تنجح السلطة في ترويضها طوال العقود الماضية.

أما بالنسبة لحزب العدالة والتنمية، الذي يتزعم الحكومة الحالية، فتعتبره الجماعة بمثابة أداة في يد «المخزن»؛ لإخماد حرائق الاحتقان في المجتمع، وتنفي أن تكون لديه قدرة على الحكم كما يدعيها، وإن كان الحزب يشاطر الجماعة المرجعية الإسلامية.

الرهانات القديمة لجماعة العدل والإحسان

شكل رحيل «مرشد العدل والإحسان» ومُؤسسها: «عبد السلام ياسين»، صدمة عميقة في تنظيم الجماعة؛ باعتباره المحرك الجوهري في التنظيم، والذي يلتف حوله الآلاف من أنصاره، بالنظر إلى «الكاريزما» التي يتمتع بها وسط الجماعة، وبالتالي كانت وفاته اختبارًا صعبًا لقدرة الجماعة على الاستمرار.

لكن الجماعة استطاعت أن تحافظ على تماسكها الداخلي، حتى بعد رحيل مؤسسها، حتى الآن على الأقل، وشكلت بنجاح جهازًا تنفيذيًا جديدًا يديرها، وفي نفس الوقت أدخلت تغييرات مست هيكل الجماعة ورؤيتها؛ إذ استبدلت منصب «الأمين العام» بمنصب «المرشد»، وهو أمر لا يخلو من دلالة؛ إذ يحيل إلى توجه نحو استعدادها للمشاركة السياسية بدل الانغلاق في بوتقة الخطاب الديني التراثي، يؤكد هذا الاتجاه تصريحات بعض قادتها التي تنم عن رغبة الجماعة في تشكيل حزب سياسي، بيد أن الطريق يبدو طويلًا لتسمح لها السلطة بذلك ما دامت ترفض الملكية رفضًا قاطعًا.

أبانت الجماعة كذلك عن قدرة مبهرة على الحشد في مظاهرات 2011 بالمغرب، إلا أنها في نفس الوقت فشلت في التفاهم مع المكونات الأخرى، التي كانت حاضرة في مسيرات «حركة 20 فبراير»، ما قادها إلى مغادرة الشارع في ديسمبر(كانون الأول) 2011، بعد خلاف شديد مع المكونات العلمانية لقيادة الحراك.

ورغم إعلان الجماعة في مرات كثيرة، رغبتها في التحالف مع القوى السياسية والمجتمعية التي تسعى إلى التغيير، إلا أن مشروعها السياسي الديني يثير حولها شكوك وانتقادات كثيرة، وهو أمر يؤيده الباحث الجامعي «محمد بودون»، الذي يقول: إنه على الجماعة التخلّي عن «الأساطير التأسيسية المغلفة دينيًا، وعن العناد الأيديولوجي، وأن تجنح نحو تليين المواقف المتصلبة».

على نفس المنوال، يذهب الكاتب الصحافي «إدريس الكنبوري»، إلى أن الخطاب الدعوي للجماعة، مهما كان هادئًا ومعاديًا للصدام، لا يمكن أن يشكل مطية للتسامح السياسي معها، سواء من قبل السلطة أو القوى السياسية المعارضة لها، بالنظر إلى المواقف السياسية التي تخرج بها بين الحين والآخر، على حد تعبيره.

وبغض النظر عن طبيعة الطرح الديني الذي تطمح جماعة العدل والإحسان إلى تطبيقه، إذا ما تقلدت السلطة، فإنها تملك حضورًا، ليس بالهين، داخل الأوساط المغربية، الجامعية منها خصوصًا، والتعليمية، قد يشفع لها لدخول معترك السياسة مستقبلًا، إن أبدت تنازلات أمام السلطة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد