المخ البشري لغز لم يزل البشر يحاولون كشف الحجاب عن حقائقه حتى الآن، فتلك المادة الرخوة التي تسكن في الجمجمة البشرية، والتي تقوم بعمليات اتصال داخلية تفوق عدد الاتصالات التي تُجرى تكنولوجيًا على سطح كوكب الأرض، بل الفضاء أيضًا؛ سيكون لمن يملك حلولًا، ولو جزءًا صغيرًا من أسرارها، الهيمنة على الكثير من المجالات الطبية والعالمية، فإذا فهمت آلية عمل شيء ما فستكون الأقدر والأفضل في تصميم وسائل ناجحة للتحكم فيه.

«نحن نعمل الآن على بناء قاعدة البيانات الأكثر شمولًا لنشاط الدماغ»؛ هكذا صرحت شركت «برين سبيس» الإسرائيلية فيما يخص المشروع التكنولوجي الجديد الذي يعملون على تطويره، فما هو هذا المشروع؟

هل تستعد إسرائيل لغزو العقل البشري؟

عندما تريد دراسة ما يحدث في المخ البشري، يجب أن تراقب ثلاث عمليات يجريها المخ الأولى هي ردود الأفعال (reflex)، والتي تكون رد فعل المخ لشيء يحدث لجسدك، كالأمر الذي الذي يصدره جسدك لأصبعك الذي لمس سطحًا ساخنًا آمرًا إياه أن يبعد نفسه عن هذا السطح فورًا.

وثاني عملية هي عملية النتائج (feedback)، والتي تقيس رد فعل المخ حسب المعطيات التي تمت تغذيته بها قبل الحدث، بمعنى إذا أخبرك أحد أن تشرب الكوب الذي أمامك لأن به مشروبًا لذيذًا، ثم رفعت الكوب بيدك وشربت منه فوجدته فارغًا، وشخص آخر قيلت له نفس المعلومة، ولكن رفع الكوب لفمه، وشرب فوجد به مشروبًا لذيذًا بالفعل، في الحالتين حركة الجسد واحدة، ولكن رد فعل المخ مختلف؛ لأنه يعطي نتيجة وفقًا للمعطيات أو التوقعات التي جرت تغذيته بها قبل الحدث.

والعملية الثالثة هي عملية قد يطلق عليها البعض حتى الآن خرافات، وهي عملية الارتجاع البيولوجي، أو (bio feedback)، والتي يرى البعض من منظارها أن للمخ قدرة على التحكم في الأعضاء الحيوية في الجسم بأكمله، وأنه بالتركيز الكامل يمكن للمخ وحده أن يغير ضغط دم الجسم ونبضاته أيضًا.

تلك العمليات الثلاث إذا اعتبرنا العلمية الثالثة في حكم المحتملة، من أهم العمليات التي يجريها المخ، ولكي يفهم العلماء كيف يعمل هذا الجهاز الأكثر تعقيدًا على سطح الأرض؛ كانوا طوال الوقت يدرسونه بالتصوير بالرنين المغناطيسي، والتصوير المقطعي المحوسب.

وتلك الاختبارات تستغرق وقتًا طويلًا، ولا يمكن إجراؤها بانتظام بسبب الإشعاع المنبعث منها؛ والذي قد يؤذي الجسم البشري الذي يجرى عليه الأبحاث، ولذلك ظلت الكثير من الحقائق عن قدرات المخ البشري، وفهم آلية عملياته المعقدة كاملة، وطرق التحكم الكامل فيه؛ ينقصها الكثير لدى علماء الأعصاب، والآن مجموعة من العلماء في إسرائيل يعلنون تطويرهم لتقنية تكنولوجية قادرة على جمع بيانات، ومراقبة عمليات، يجريها المخ؛ لم يستطع العلم الوصول إليها من قبل.

تطوير تقنية من القرن التاسع عشر

تلك التقنية التي يطوّرها خبراء التكنولوجيا الاسرائليين، ليست حديثة العهد على العلم، فهي تطوير لاختبار ظهر في القرن التاسع عشر ويطلق عليه اختبار «EEG»، وهو اختصار لكلمة «electroencephalogram» ويعرف في اللغة العربية باسم التخطيط الكهربائي للدماغ، وهو اختبار يكتشف النشاط الكهربائي في المخ باستخدام أقراص معدنية صغيرة، أو ما يطلق عليه بالأقطاب الكهربائية، والتي تكون متصلة بفروة الرأس، وتتواصل مع خلايا المخ عبر نبضات كهربائية، وتكون نشطة طوال الوقت، وقادرة على مراقبة أي نشاط يحدث في مخ الإنسان، حتى أثناء نومه، ويظهر هذا النشاط المهرب للمخ على شكل خطوط متموجة في تسجيل المخطط الكهربي، كما نرى في المقطع التالي.

استخدم الطب في أنحاء العالم تلك التقنية لفترة طويلة لتحديد التغيرات التي تطرأ على نشاط الدماغ، بغرض تشخيص اضطراب المخ مثل حالات الصرع، أو ورم المخ، أو تلف الدماغ بسبب الإصابة في الرأس، والاعتلال الدماغي، واضطرابات النوم، وأسباب السكتة الدماغية، ويمكن استخدام تلك التقنية للتأكد من موت الدماغ في حالات الغيبوبة الطويلة المستمرة، وقد ساعدت تلك التقنية الطب مساعدة كبيرة.

ولكن بدأت رؤية هذه التقنية على أنها غير كافية لطموحات البعض فقد صرح يائير ليفي، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «Brain.space» أن تلك التقنية قدراتها «محدودة للغاية» وتتطلب مستوى عال جدًا من المهارة لدى من يستخدمونها، بالإضافة إلى التدخل اليدوي للأطباء في قياس ورسم بعض النتائج؛ والتي تكون بطبيعة الحال ليست دقيقة طوال الوقت، وفقًا لتصريحه.

التطبيق العسكري

استخدمت شركت «برين سبيس» تلك التقنية كأساس لتقنية جديدة من شأنها دمج جميع الأجهزة والبرامج والمطلوبة لقراءة نشاط المخ؛ في جهاز متطور على شكل خوذة توضع على رأس الإنسان، وبداخلها عدة أقطاب كهربائية، والخوذة تكون مطوّرة تكنولوجيًا لتضبط الأقطاب من الداخل على رأس المريض في الأماكن المناسبة تمامًا لمدها المعلومات اللازمة وهذا سيحدث – وفق تصريح الشركة – بدقة كبيرة جدًا، ثم تقرأ الموجات الدماغية للمخ في الوقت الفعلي بدقة وبسرعة تتفوق على تقنية الـ«EEG» التقليدية.

الخوذة أثناء التجارب. مصدر الصورة موقع شركة برين سبيس

بناءً على التجارب التي أجرتها الشركة والبيانات التي استطاعت جمعها، تمكنت الشركة من الحصول على تمويلها الأول، والذي جاء لها من شركة «Sagol»، وبتلك التمويلات طور الباحثون الإسرائيليون منتجًا يسمح بالوصول إلى البيانات المتعلقة بالحالة العقلية لشخص ما في الوقت الفعلي لها، وهي البيانات التي لم يكن الوصول إليها متاحًا حتى وقت ظهور تلك التقنية.

على سبيل المثال في مجال الدفاع، يمكن فحص الحالة العقلية للطيارين المقاتلين ليجري مراقبتها في الوقت الفعلي الأمر الذي سيمنح ميزة حربية للجيش الذي يستخدم تلك التقنية لمعرفة من الأجهز للقيام بالعمليات ومراقبة الوضع السيكولوجي للمحاربين؛ مما يوفر قاعدة بيانات شديدة الأهمية للتحكم في مسارات الحرب، كما يمكن استخدمها في الرياضيات الجسدية أيضًا إذا استخدمت في هذا المجال، فسيتمكن المدربون من قراءة ما يحدث في عقل اللاعبين المتدربين، سواء كانوا تحت ضغوط نفسية، أو إذا كانوا يتمتعون بصحة عقلية تؤهلهم للفوز، ومن ثم معرفة الطريقة المثلى للتعامل معهم، وتلك البيانات ستظهر في شاشة أمام المدرب، أو مراقبي الطائرات في الجيش في بضعة دقائق.

وقد أصبحت تلك الخوذة جاهزة للاستخدام تجاريًا، وحتى الآن ليس هناك عملاء بمقابل مالي لدى شركة «برين سبيس»، ولكن – بحسب تصريحات الشركة – هناك نسخ تجريبية تستخدم بالاتفاق بين الشركة وبين العديد من الجامعات والمؤسسات الدفاعية بما في ذلك مركز شامير الطبي، وجامعة بن جوريون في إسرائيل، ومن يريد الاستمرار في استخدام الخوذة سيبدأ الشراء والبيع من العام المقبل 2023.

شكل الخوذة الحالي.مصدر الصورة موقع برين سبيس

وقد جمعت الشركة حتى الآن 8 ملايين دولار في جولتي تمويل، ومرة أخرى في النصف الأخير من عام 2021 حين جمعت 5 ملايين دولار، ويعتبر المستثمر الرئيس في هذا المشروع هي مجموعة «Mangrove Capital Partners» التي يقع مقرها في لوكسمبورج، والتي سبق لها الاستثمار في شركات مثل «Wix» و«WalkMe».

انطلاق الخوذة للفضاء

لأعوام طويلة كانت تلك التجارب خارج الرصد الإعلامي، ولم يصرح العلماء بالكثير من المعلومات عنها، ولكن الشركة صرحت مؤخرًا بتفاصيل الخوذة بسبب تجربة ستنطلق في الخامس من أبريل (نيسان) الجاري كجزء من مهمة «AX-1 Axiom» الفضائية، ومشروع «Rakia» التابع لمؤسسة «Ramon»، والذي يشارك فيه رائد الفضاء الإسرائيلي إيتان ستيب، ستستخدم التجربة تقنية «برين سبيس (Brain.space)» في محاولة هي الأولى من نوعها لقياس نشاط الدماغ في الفضاء.

مصدر الصورة موقع برين سبيس

تلك التجربة قد تؤدي إلى بعض الاكتشافات المثيرة للاهتمام؛ لأنها ستعمل على اكتشاف تفاعل أكثر الألغاز المحيرة للعلماء، وهما المخ البشري والفضاء، لذا فإن القدرة على دمجهما وفهم ما يحدث في الدماغ عندما يكون في الفضاء هو «أمر مذهل» على حد وصف الشركة المصنعة له، وستكون مفيدة في فهم ما يحدث لرواد الفضاء، ففي السابق كانت تجري مراقبة رائد الفضاء بلا توقف لكل قياس فيزيائي باستثناء نشاط الدماغ، ولكن ما سيحدث يوم الخامس من أبريل 2022 سيكون إما كشفًا مهمًا، أو لغزًا يطرح المزيد من الأسئلة.

وما تهدف له الشركة من تجربة إطلاق الخوذة للفضاء، ومراقبة نشاط المخ لرواد الفضاء، هو – بحسب تصريحاتهم – لسعيهم الدءوب لأن تكون وكالة ناسا عميلًا دائمًا للشركة، بعد أن تكتشف أهمية الخوذة لفهم ما يدور في المخ البشري، وهو في الفضاء.

أربعة رواد فضاء، هم: الإسرائيلي إيتان ستيب، بمعاونة ثلاثة من رواد الفضاء المساعدين، سيحملون الخوذة التي تحتوي على 460 فرشاة هوائية متصلة بفروة الرأس، ويقومون بعدد من المهام لمدة 20 دقيقة يوميًا، وسيجري خلالها تحميل البيانات على جهاز كمبيوتر محمول على المحطة الفضائية، هذا بعد أن جمعت الشركة نفس البيانات لنفس المهام على نفس رواد الفضاء، ولكن على كوكب الأرض، حتى تجري مقارنة نشاطات المخ وهي تقوم بتلك المهام على الأرض والفضاء، ومعرفة الفارق بينهما؛ ما قد يمنح تلك الشركة إجابات مهمة عن العيش خارج كوكب الأرض، واستكشاف الفضاء على المدى الطويل، وقدرة البشر على التعمق في ذلك.

المصادر

تحميل المزيد