زُينت القاعة بأكملها في عشية عيد الميلاد عام 1952م، واحتل طبق البرتقال رأس المائدة، وصلت إنجريد فون أولهافن إلى دار الرعاية، فتاة صغيرة في التاسعة من عمرها، ملامحها رائقة وجذابة، بعينين زرقاوين، وشعر أشقر جميل، وأنف ضيق، لطالما شعرت إنجريد بأنها عاثرة الحظ، خاصة بعد انفصال والديها، والذي تزامن مع تفكك الجمهورية الألمانية.

ربما انتابها شعور غامض أحيانًا ناحية عائلتها، وكأنها ليست القطعة المناسبة لتلك الأحجية، لم تشعر بالدفء في عناق والدتها، أو الألفة في نظرات والدها، تلك الأحاسيس التي يتمناها طفل صغير من عائلته، اعتقدت إنجريد أنها أفكار طفولية لا صحة لها.

عندما بلغت إنجريد سن الحادية عشرة، أخبرتها مربية المنزل، أن هذين ليسا والديها البيولوجيين، وأن اسمها الحقيقي ليس إنجريد بل «إريكا مادكو»، صعقت الصغيرة، ولم تتمكن من مواجهة والديها، إنها حقيقة مرة للغاية. لكن السر لا بد أن يُكشف يومًا ما، لتدرك أنها أحد الشهود على الجرائم البشعة التي ارتكبتها ألمانيا النازية وأغفلت عن محو آثارها. في هذا التقرير، نستكشف أحد الأسرار المظلمة للعنصرية النازية، وحقيقة اختطاف الأطفال، ومصيرهم موثق بشهادات الأطفال أنفسهم والمستندات.

مشروع «نبع الحياة».. وحشية الجريمة

في 30 يناير (كانون الثاني) 1933م، رشح هتلر لشغل منصب مستشار ألمانيا (أي رئيس للحكومة الألمانية)، بعد فوز حزب العمال الألمان الاشتراكيين الوطنيين بانتخابات الهيئة التشريعية، وقد بدا هتلر المخلِّص للشعب الألماني من فترة الكساد الاقتصادي وانتشار البطالة، بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى.

كان هتلر مهووسًا بنقاء العرق الآري، الذي اعتقد أنه يتفوق عمن سواه من الأجناس الأخرى، حتى إنه أمر بفرض سياسة التعقيم الإجباري على الغجر وذوي الإعاقات الذهنية والجسدية، بينما أصبح تقلص معدل المواليد لعقود بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، تهديدًا واضحًا أمام سيادة العرق الآري.

بدأ هاينريش هيملر، قائد الفرق الوقائية و«وحدات إس إس»، يفكر في خطة اجتماعية، لزيادة معدل المواليد، إذ سن قوانينَ جديدة فيما يخص قوانين عملية الإجهاض وقوانين الطلاق، للحفاظ على النسل الآري، كما سعى لإباحة تعدد الزوجات، والذي اعتبره المجتمع الألماني جريمة مشينة ومخزية.

إحدى دور الإيواء لمشروع نبع الحياة – 1943، مصدر الصورة: الأرشيف الألماني الفيدرالي

في 12 ديسمبر (كانون الأول) عام 1935، تجاهل هيملر المعايير الأخلاقية للمجتمع آنذاك، وأقدم على إنشاء منظمة حكومية سرية، تسمى «ليبينزبورن (Lebensborn)» أو نبع الحياة، هدفها الرئيسي زيادة معدلات المواليد، وتعزيز قوة العرق الآري، وذلك عن طريق اختيار فتيات يافعات، للإنجاب من جنود «وحدات إس إس» الذين يمثلون صفوة العرق الآري، دون زواج شرعي، وتمتعت الفتيات المختارات بالصحة والعافية، وأصول نقية بالإضافة إلى الشعر الأشقر الذهبي والعينين الزرقاوين.

في عام 1936م لم تعد الوحدات مأمنًا مناسبًا لإيواء الفتيات الحوامل بأطفال الجنود، فبنى أول دار رعاية في قرية شتآينهورينج، لمنح الأمهات والأطفال رعاية صحية متكاملة، ولحمايتهن من اضطهاد المجتمع، والحفاظ على سرية البرنامج، انتقى هيملر بنفسه تصميم هذه الدور، وأشرف على فرشها بالغنائم التي حصل عليها من منازل الذين رُحلوا إلى داخاو، فمثل هذا الحَمْل الثمين يعد ثروة قومية للعرق الآري.

تقدر الصحافية دوروثي سيمز كوستر، مؤلفة كتاب: «الأم الألمانية، هل أنت مستعدة؟» عدد الأطفال المولودين في دور الرعاية العشر التابعة للمنظمة بنحو 6 آلاف طفل، بينما يقدر آخرون أنهم نحو 8 آلاف طفل، ما كان رقمًا ضئيلًا جدًّا ومخيبًا للآمال بالنسبة لطموحات هيملر الذي تمنى أن يصل تعداد ألمانيا إلى 120 مليون فرد.

في عام 1939م، أخفق المشروع في تعويض الخسائر البشرية، لذا أمر هيملر الفرق الوقائية المعنية بالعرق وسياسة الاستيطان، بالبحث عن الأطفال الذين يملكون دماءً نقية في الدول القابعة تحت سلطة ألمانيا، وخصوصًا أوروبا الشرقية، وقد تمكنت القوات من اختطاف أكثر من 400 ألف طفل، على أقل تقدير وفقًا لصحيفة «هاندلسبلات» الألمانية، منهم 20 ألف طفل بولندي، اختطف بعضهم من أهله قسرًا، وكان بعضهم يتامى، وآخرون كانوا متبنين، أو فقدوا أحد والديهم خلال الحرب.

خضع الأطفال المختطفون لاختبارات طبية صارمة تحت إشراف مكتب الأعراق والتجمعات الحضارية، تتضمن فحص جسر الأنف ومؤخرة الرأس وحجم الجمجمة وشعر الجسم وأنماط النمو، وقد عرضت وكالة الإعلام الألمانية «دويتشه فيله» وثائقيًّا بعنوان «جرائم النازية: اختطاف الأطفال»، وقد تضمن وثائق سرية تدين هيملر في هذه القضية الشائكة، إذ يقول في إحداها:

كما هو واضح في مثل هذا الخليط من الشعوب، سوف يكون هناك دائمًا بعض الأنواع من الأعراق الجيدة، لهذا السبب واجبنا أخذ أطفالهم وإخراجهم من بيئاتهم حتى لو اضطررنا لاختطافهم وسرقتهم.

كما أبدى هيملر خوفه من تطور هذه الأعراق النقية إلى قادة منافسين، مما يهدد كيان ألمانيا فيما بعد وربما يتسبب في انهيارها، ولعل من أقسى وقائع الاختطاف، ما حدث في قرية ليديتشي، في عام 1942، عندما تعرض رئيس قوات الأمن الخاصة رينهارد هيدريش للاغتيال في مدينة براغ، فصدرت الأوامر بإبادة جميع رجال القرية، وعقب الانتهاء من هذه المجزرة انتقت القوات 91 طفلًا ذوي قيمة عرقية، وأرسل البقية إلى معسكرات الأطفال ومن ثم إلى مراكز الإبادة.

مصير الأطفال المختطفين: «الجرمنة» أو القتل!

أمر هيملر بإرسال الأطفال الأنقياء عرقيًّا إلى ألمانيا النازية؛ الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين عامين إلى ستة أعوام، يرسلون إلى دور «نبع الحياة»، حتى تتبناهم عائلة ألمانية، أما الذين تتراوح أعمارهم بين ستة إلى 12 عامًا، فيرسلون إلى مدارس منزلية خاصة، لتعليمهم مبادئ الأيديولوجية النازية.

بعض أطفال مشروع خطف الأطفال في ألمانيا النازية، مصدر الصورة: أرشيف أرولسن 

عملت القوات على طمس هويات الأطفال والسيطرة عليهم، عبر تغيير أسمائهم الأصلية وتحريف أعياد ميلادهم، وترحيلهم من دور الرعاية بحيث يصعب تقفي أثرهم. كما حظرت الأطفال من التحدث بلغتهم الأم وإجبارهم على التحدث باللغة الألمانية، بل منعتهم من البوح بأصولهم العرقية، وذلك لخدمة سياسة «الجرمنة».

تحكي هالينا بوكوفيكا قصتها مع سياسة الجرمنة لصحيفة «ديلي ميل»: بعد وفاة والدتي بالالتهاب الرئوي، ذهبت للعيش مع جدتي في مدينة لودز البولندية، كانت جدتي تعاني ضائقة مادية، فطالبت بإعانات الأطفال من مكتب الشباب، والذي ترتب عليه عواقب وخيمة فيما بعد.

في أحد الأيام طلب مكتب الشباب من جدتي الحضور إليهم رغبة في إجراء بعض الفحوصات الطبية لي، ذهبنا هناك مثلما أُمرنا، دوَّن الأطباء قياسات وجهي ورأسي، ولاحظوا شعري الأشقر، بعد عدة أيام من فحصي، طالبونا بالحضور مجددًا، وهذه المرة كانت صادمة، أبلغوا جدتي أنني سأنقل مؤقتًا إلى إحدى دور الرعاية دون سبب يُذكر، وأنه أمر مقضي لا رجعة فيه.

في الواقع كان الفحص الطبي خدعة لفحص عرقي، للتأكد مما إن كنت من ذوي الدماء النقية وأنتمي إلى العرق الآري أم لا، في الأيام التالية عشت أيامًا أسوأ من الخلود في الجحيم، لم أستطع التعافي من آثارها بعد، أجبروني وغيري على التحدث بالألمانية، وإذا تحدث أي أحد من أطفال الميتم بالبولندية، كان يعاقب عقابًا شديدًا، إما بالحرمان من الطعام وإما الحبس داخل القبو، فيما بعد منحتني القوات اسمًا ألمانيًّا؛ هيلين بوخناور.

بعد عدة أشهر انتقلنا إلى إحدى مدارس الرايخ للألمان العرقيين في مدينة آخن، التي تبعد 700 ميل عن لودز، ورغم مشقة الرحلة والإرهاق الذي أصابنا، لم توفر لنا القوات طعامًا كافيًا، ولولا إحسان بعض المعلمات اللائي شاركن الطعام والماء معنا، لكنا متنا جوعًا وعطشًا قبل الوصول إلى المحطة.

تقول هالينا: «عندما وصلنا لم تختلف الأمور كثيرًا، عندما تجرأ بعض الطلاب على ذكر الوطن، عاقبهم الألمان عقابًا شديدًا، ألقوا عليهم ماءًا مثلجًا، وأوقفوهم لعدة ساعات بملابسهم المبللة في طقس شديد البرودة، ما زال صوت صراخهم يدوي في أذني حتى الآن».

لكن ماذا عن الأطفال الذين جرى إقصاؤهم.. ما مصيرهم؟

تُرى ما الخيارات التي يملكها أولئك الأطفال للنجاة من براثن ألمانيا النازية؟ فقط خياران:

أولًا: إرسال الأطفال فوق 12 عامًا، إلى مراكز القتل الرحيم، أو إرسالهم إلى مراكز خاصة، استخدمهم فيها الألمان فئران تجارب المناسبة لتجاربهم؛ إذ منحوهم أدوية نفسية ومواد كيمائية لإجراء الفحوصات الطبية، رغم أن الغرض الرئيسي منها هو الإبادة الجماعية.

ثانيًا: الإعدام. فيجلس الطفل على كرسي معصوب العينيين، يضع الجلاد يد الطفل خلف مؤخرة رقبته، واليد الأخرى خلف عظام الكتف، مع بروز الصدر للأمام، ثم يحقن الطفل بحقنة فينلون، لا يستغرق الطفل وقتًا ليلفظ أنفاسه، يموت هادئًا ودون أنين، ثم يحمله الجلاد ويلقي الجثة بجوار العديد من الجثث، بهذه الطريقة الباردة قضى أكثر من 200 طفل بولندي نحبهم في معسكر «اعتقال أوشفيتز».

محاكمات نوربيبرغ: القصاص.. القصاص

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وهزيمة ألمانيا، وفشل «سياسة الجرمنة»، التقطت الدول الخاضعة لسيطرة ألمانيا أنفاسها، وبدأت بإدراك خسائرها ومحاسبة ألمانيا على تلك الجرائم البشعة، وفي هذا الوقت سعت بولندا وغيرها من الدول المجاورة لاستعادة أبنائها المختطفين.

ما بين عام 1947 وعام 1948م، أجرت قوات الحلفاء سلسلة من المحاكمات العسكرية وفقًا للقانون الدولي وقوانين الحرب، وذلك لمحاكمة كبار المسئولين النازيين عن الجرائم البشعة التي ارتكبوها تجاه البشرية والإنسانية، وكان أهمها «القضية رقم 8»، والتي تعرف بقضية مكتب الأعراق والتجمعات العرقية.

في 30 سبتمبر (أيلول) 1947، رفعت الولايات المتحدة دعوى قضائية ضد 14 مسئولًا نازيًّا بارزًا في المكتب، تضمنت ثلاثة اتهامات، جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب والانضمام لمنظمة إرهابية متطرفة، وكان من ضمن تلك الاتهامات اختطاف الأطفال ذوي الدماء النقية للهوس بالعرق الآري. استمرت المحاكمة حتى 17 فبراير (شباط) عام 1948، إلى أن أصدرت المحكمة حكمها، وأدانت ثمانية أشخاص بجميع التهم واتهمت خمسة بانضمامهم إلى منظمة إرهابية، وحكمت على أولريش جيلبرت بالسجن المؤبد، ولم ينفد بالبراءة إلا واحد فقط.

ورغم اعتراف المحكمة بفداحة الجرائم التي ارتكبتها ألمانيا النازية، فإنها ما زالت تتكتم على قضية اختطاف الأطفال، وترى أنهم محظوظون اجتماعيًّا، لتبنيهم من قبل عائلات ألمانية، مقارنة بما عاناه اليهود، ولهذا لم يعد إلا 10% تقريبًا من الأطفال المختطفين إلى عوائلهم، وما زالت العديد من القضايا لم ينظر إليها بعد.

تقول أستاذة التاريخ المعاصر بجامعة مونستر في ألمانيا، إيزابيل هانيمان: «الأمر في غاية التعقيد، من جهة جعلت القوي المتحالفة الغربية مصلحة الطفل هي المعيار، من جهة أخرى كان هناك طلب مبرر للدولة البولندية قال أعيدوا أطفالنا، وجدت السلطات نفسها في حالة فوضى قانونية معقدة فيما يتعلق بالقانون الدولي».

أما هيرمان لودنكينج، وهو أول الأطفال الذين اختطفتهم ألمانيا، ولم يكتشف ذلك إلا عندما صارحه والداه السيدة والسيد لودكينج بالوثائق التي تحمل اسمه الحقيقي «رومان رودوس فسكي» وعيد مولده الحقيقي، فقد حاول البحث عن عائلته وجذوره، لكنه لم يعثر على شيء، نظرًا إلى أن هيلمر حرق جميع الوثائق والمستندات التي تثبت إدانته، أما كل ما يتمناه هيرمان الآن فهو «أن تعترف الحكومية الألمانية بجريمتها، والأضرار النفسية التي تسببت بها لأولئك الأطفال».

تاريخ

منذ 11 شهر
ما قد لا تعرفه عن «تاريخ سويسرا الأسود»: باعت الأيتام والفقراء في مزادات حتى عام 1979!

المصادر

تحميل المزيد