في نوفمبر (تشرين الثاني) 1948، وبعد احتلال دولة فلسطين، وقَّعت القوات المصرية وقوات الاحتلال الإسرائيلي «اتفاقية الهدنة»؛ التي كان الهدف منها، رسم الخط الآمن وترسيم الحدود الشرقية لقطاع غزة، الذي كان يخضع آنذاك للإدارة المصرية، في محاولة لضبط النفس بين القوتين، وترسيم منطقة أمنية عازلة، ليحقق الاحتلال الإسرائيلي بهذه الاتفاقية، أمان قواته على الحدود المحاذية للقطاع.

بهذه الاتفاقية سابقة الذكر؛ استطاعت قوات الاحتلال فرض السيطرة على الأرض جغرافيًّا، والمضي قدمًا في المخططات الاستيطانية الهادفة إلى رسم نطاق المدن الفلسطينية، وتجدر الإشارة هنا إلى أن الواقع الاحتلالي، استطاع بالفعل فرض قبضته على قطاع غزة، وجعل منه «أكبر سجن في العالم»، فيما جعل من المنطقة العازلة هذه نقطةً إستراتيجية تهدد الأمن الغذائي للقطاع وتهدد سلامة مزارعيه، وهذا ما سنتناوله بالتفصيل.

انتفاضة 2000.. إسرائيل تحكم قبضتها الاحتلالية على حدود غزة

بالعودة إلى الوراء، وتحديدًا في عام 2000، عندما اقتحم رئيس الوزراء الإسرائيلي أرئيل شارون باحات المسجد الأقصى، واندلعت في إثر ذلك العدوان الانتفاضة الفلسطينية الثانية، التي اشتعل فتيلها من غزة، وصار القطاع ساحة مواجهة محتدمة؛ طوقت قوات الاحتلال القطاع، وبدأت ملامح فصل غزة عن باقي الأراضي الفلسطينية في التبلور، ثم أعقب ذلك إعلان إسرائيل في ديسمبر (كانون الأول) عام 2004، تنفيذ مشروع السياج الفاصل، واعتبار قطاع غزة منطقة أمنية محظورة، وعليه وبعدما تم إنشاء شريط أمني بامتداد 45 كم، من شمال إلى جنوب القطاع،  انسحبت إسرائيل من القطاع في سبتمبر (أيلول) 2005.

Embed from Getty Images

وبالفعل؛ نجح الاحتلال في فرض سيطرته الكاملة على حدود غزة وعزلها جغرافيًّا وسياسيًّا وديمغرافيًّا عن باقي الأراضي الفلسطينية، جاعلًا من المنطقة العازلة «منطقة عسكرية» تقع تحت الهيمنة الإسرائيلية، ومنع الفلسطينيين الاقتراب من أراضيهم الواقعة في المنطقة الحدودية بذريعة «دواعي أمنية»، وإيجاد  مبررٍ لارتكاب أعمالٍ عدائية بحق المزارعين والمواطنين، والمحاصيل الزراعية، من بينها تجريف الأراضي ورش المحاصيل بمواد سامة.

أشجار الزيتون تُرهب العدو.. مزارعون يحكون عن يوميات التجريف

بالنظر إلى حقيقة الواقع اليومي الذي يعيشه المزارعون خلال العمل داخل مزارعهم، نجد أنهم أنفسهم يتعرضون إلى إطلاق النار من قبل قوات الاحتلال، فيما تتعرض محاصيلهم لعمليات تجريفٍ واسعةٍ.

يحكي المزارع ياسر الكفارنة لـ«ساسة بوست» عن واقعه الذي يعيشه بشكلٍ شبه يومي، واستمرار الاحتلال الإسرائيلي في تجريف محاصيله الزراعية الواقعة شرق مدينة بيت حانون شمالي قطاع غزة، فيقول: «خلال 10 سنوات، تعرضت محاصيلي ثلاثة مرات للتجريف الكلي»، ناهيك عن إطلاق الرصاص الحي على المزارعين أثناء عمليات جني المحصول.

ويحكي الكفارنة أن الاحتلال يُحذر المزارعين طوال الوقت من زراعة الأشجار المثمرة في الأراضي المحاذية للمنطقة الحدودية، لدواعي أمنية مشددة، خالقًا من هذه الدواعي مبررًا لتجريف كافة أشجار الزيتون والفواكه، الموجودة في الأراضي المحاذية للمنطقة العازلة، ليجعل المنطقة مكشوفةً بشكلٍ كلي أمام القوات المتمركزة على الشريط الحدودي.

Embed from Getty Images

لا يختلف واقع المزارع عماد الفالوجي الذي يمتلك 99 دونمًا (حوالي 99 ألف متر مربع) في منطقة جحر الديك التي تُعدُّ منطقةً أمنيةً، تقع شرق جنوبي مدينة غزة، فيقول لـ«ساسة بوست»: «تعرضت أرضي إلى التجريف من قبل قوات الاحتلال في عام 2006، وخسرت أشجار زيتون معمرة، فيما حذرتني قوات الاحتلال بعد ذلك من زراعة الأرض بالأشجار، لكني لم أمتثل للتحذير وزرعت أشجار زيتون جديدة، فما كان من الاحتلال إلا أن أعاد الكرة وجرَّف أرضي خلال حرب عام 2008 – 2009 على قطاع غزة، ما دفعني في النهاية إلى عدم تكرار المحاولة والاكتفاء بزراعة الخضراوات».

المنطقة العازلة تهدد الأمن الغذائي في غزة

تشكل المنطقة العازلة أهميةً اقتصاديةً زراعيةً للقطاع، إذ تبلغ 180 ألف دونم (يساوي الدونم حوالي ألف متر مربع)، أي حوالي 25% من المساحة الزراعية الإجمالية في قطاع غزة، و25% من قيمة الإنتاج المحلي القومي، وذلك في الوقت الذي يواجه فيه الأمن الغذائي بالقطاع تحديات كبيرة، مع استمرار سياسات الاحتلال، الأمر الذي يمنع من تحقيق الاكتفاء الذاتي.

في هذا الصدد، يقول أدهم البسيوني الناطق الرسمي باسم وزارة الزراعة الفلسطينية بغزة، خلال حديثه لـ«ساسة بوست» إن: «الاحتلال يتبع سياسة التوغلات المتكررة بشكلٍ دوري وبدون سابق إنذار، مستهدفًا أراضي المزارعين المحاذية للمنطقة الفاصلة شرقي قطاع غزة».

مؤكدًا أن عمليات التجريف، ترتبط بالحالة المزاجية للاحتلال، فقد رصدت وزارة الزراعة خلال مطلع شهر يناير (كانون الثاني) 2022، عملية توغل في شمال القطاع، نتج عنها عمليات تجريف واسعة، مستهدفةً محصول الفراولة، ما أدَّى إلى خسارة محصول 50 دونمًا مزروعًا بالفراولة، في وقت تتراوح فيه تكلفة الدونم الواحد لمحصول الفراولة بين 3500 و4 آلاف دولار، ما يُكبِّد المزارعين في المنطقة العازلة، خسائر جمَّة، بحسب قوله.

Embed from Getty Images

ويشير مركز «الميزان» لحقوق الإنسان، إلى أنه وبسبب ممارسات قوات الاحتلال الإسرائيلي المستمرة، اعتمد المزارعون من أصحاب الأراضي الواقعة في المنطقة العازلة، على زراعة المحاصيل البعلية (الزراعة البعلية أو الزراعة المطرية، Rainfed agriculture)، أحد أنواع الزراعة، التي تعتمد على مياه الأمطار لتزويد المحاصيل باحتياجاتها المائية، بعكس الزراعة المروية التي تعتمد على المياه الجوفية، أو مياه المسطحات في ري المزروعات)، لعدم حاجتها إلى رعايةٍ يوميةٍ، ولعدم توفر آبار لري الأراضي الزراعية بعد أن قام الاحتلال بتدميرها. 

وتجدر الإشارة إلى أن المنطقة الأمنية العازلة كانت تساهم قبل سنواتٍ قليلةٍ بنسبة 30% من إنتاج المحاصيل البعلية في قطاع غزة، وحوالي 10% من المحاصيل التصديرية وكانت مصدرًا لكسب رزق 16% من المزارعين.

فيما تفيد تقارير أممية، بأن هنالك أكثر من مليون شخص في غزة، «يفتقرون للأمن الغذائي بدرجةٍ متوسطةٍ إلى شديدةٍ»، ويعود ذلك إلى القيود الإسرائيلية التي تعرقل الوصول إلى الأراضي الزراعية وصيد الأسماك، وهو الطعام الذي يستطيع سكان غزة إنتاجه بأنفسهم.

ورش المبيدات سياسة تهدد المحاصيل الزراعية وسلامة المواطنين

لم يقتصر الاحتلال على تجريف الأراضي، بل اتبع أيضا سياسة رش المحاصيل بالمبيدات الحشرية من خلال الطائرات، وهو ما تعرض له محصول المزارع ياسر حجي، الذي يحكي لـ«ساسة بوست»: «تعرض محصولي الزراعي من الخضروات البعلية شرقي مدينة غزة في مايو (أيار) 2020، إلى الرش بالمبيدات الحشرية من قبل الطيران الإسرائيلي، ما أدَّى إلى حرق المحصول بعد ساعات، فتكبدت خسارة المحصول بشكلٍ كاملٍ».

يرى عضو هيئة التدريس بكلية الزراعة وعلوم البيئة في جامعة الأزهر كمال شيخ العيد، لـ«ساسة بوست» أن «المبيدات العشبية والكيميائية التي يقوم الطيران الإسرائيلي باستخدامها، تكون بتركيزات مرتفعة تصل إلى عشرة أضعاف الكميات المحددة المسموح بها»، موضحًا أن مشكلة تلك العملية لا تتوقف عند إتلاف المحصول، بل تتعداه إلى التأثير في خواص التربة، لتمتد المخاطر إلى فشل عمليات الزراعة التالية، من جراء تلف البذور والشتلات الجديدة، نتيجة الكميات الكيميائية الهائلة التي تعرضت لها التربة، وأن معالجة المشكلة يتطلب غسل التربة بكميات كبيرة من المياه، الأمر الذي يمثل معضلةً جديدةً كبيرةً، بسبب ترسب المتبقية في الخزان الجوفي، الذي يعد مصدر المياه الوحيد لسكان القطاع!

الاحتلال الإسرائيلي

منذ سنة واحدة
«ميدل إيست آي»: طماطم خطرة! هكذا يضيِّق الاحتلال على المزارعين الفلسطينيين

ويقول أدهم البسيوني،  الناطق الرسمي باسم وزارة الزراعة في غزة لـ«ساسة بوست» إن الاحتلال «يتعمد رش المحاصيل بالمبيدات السامة قرب نضوجها، بغرض إحراقها، حتى باتت العملية تتكرر بشكلٍ سنوي»، مؤكدًا أن إجمالي الأراضي المتضررة خلال عام 2020 بلغت ألفَي دونم، ووصلت عام 2021 إلى 4 آلاف دونم، مما كبَّد المزارعين أضرارًا جسيمة، بعدما لوحظ عدم نجاح الدورات الزراعية اللاحقة وتلف البذور، بسبب تغير خواص الأرض الزراعية. 

المصادر

تحميل المزيد