«مجاعة في مدغشقر»، ربما لا يبالي أحد كثيرًا عندما يسمع بهذه الجملة، فالمجاعات أصبحت أمرًا معتادًا على سمع عدد كبير من سكان الوطن العربي، خصوصًا مع ما يتذكرونه من مجاعة الصومال، أو ما يعيشونه من مجاعات وأزمات خصوصًا في سوريا واليمن، على سبيل المثال.

وبالنسبة لمدغشقر، فهذا سبب ثانٍ يجعل البعض لا يهتم كثيرًا بمثل هذه الأخبار؛ فمدغشقر بالنسبة للكثيرين دولة مجهولة، ربما لا يعرف البعض حتى في أي قارة توجد، فلماذا نهتم بهذه الدولة غير المعروفة؟ وما المميز أساسًا في هذه المجاعة عن سواها حتى نهتم بها؟ حسنًا، ربما علينا أن نهتم بالفعل، ليس فقط لأنها أزمة إنسانية، بل لأنها قد تكون البداية نحو تعرضنا لمجاعات مماثلة.

وبعد حرائق الغابات والفيضانات التي انتشرت في أجزاء عديدة من العالم بشكل غير مسبوق، لم يعد هناك شك في أن صيف عام 2021 هو نقطة تحول لتغير سلبي واضح في أزمة المناخ التي باتت تتضح يومًا بعد يوم، والآن، يمكنك أن تضيف إلى ما سبق أيضًا تطورًا خطيرًا يزيد الصورة قتامة، المجاعة.

مجاعة في مدغشقر

مدغشقر هي دولة جزرية تقع في جنوب قارة أفريقيا، في المحيط الهندي، جنوب شرق القارة الأفريقية، وهي معروفة بأنواعها الفريدة والمتنوعة من الحيوانات والنباتات التي لا يمكن العثور عليها إلا في هذه الجزيرة المعزولة. ومع ذلك، في السنوات الأخيرة، واجهت مدغشقر وشعبها العديد من تأثيرات تغير المناخ.

يمر جنوب مدغشقر حاليًا بوضع صعب وغير مسبوق نتيجة موجات جفاف متتالية تدفع 400 ألف شخص نحو المجاعة، وتسببت بالفعل في وفيات بسبب الجوع الشديد، وكانت لولا كاسترو، المديرة الإقليمية لبرنامج الأغذية العالمي في جنوب أفريقيا قد قالت منذ أسبوع إنها شهدت وضعًا مأساويًا للغاية ويائسًا خلال زيارتها الأخيرة مع رئيس برنامج الأغذية العالمي، ديفيد بيسلي، إلى جزيرة مدغشقر الواقعة في المحيط الهندي، والتي يبلغ عدد سكانها 26 مليون نسمة.

في تلك المناطق، تعود أجواء مشابهة لتلك المجاعة الكارثية التي ضربت الصومال منذ عقود؛ إذ يظهر المئات من الأطفال هيكلًا عظميًّا عليه جلد لا أكثر. ليس هذا فحسب، بل إن هناك عائلات تعيش على ثمار الصبار الأحمر الخام، وأوراق الشجر البرية، والجراد منذ شهور. فالأسر لجأت إلى الحشرات للبقاء على قيد الحياة.

ووفقًا لبرنامج الأغذية العالمي، فإن 1.14 مليون شخص في جنوب مدغشقر ليس لديهم ما يكفي من الغذاء، من بينهم 14 ألفًا في ظروف توصف بالكارثية، وسيتضاعف هذا إلى 28 ألفًا بحلول أكتوبر (تشرين الأول) 2021. لذلك، وجهت الأمم المتحدة وحكومة مدغشقر نداء من أجل توفير نحو 155 مليون دولار في غضون أيام قليلة لتوفير الغذاء المنقذ للحياة، ومنع حدوث مجاعة كبرى.

أصبح تأثير الجفاف الحالي محسوسًا الآن في المدن الكبرى في جنوب مدغشقر أيضًا، حيث يُجبر العديد من الأطفال على التسول في الشوارع للحصول على الطعام، كما أن هناك زيادة في الأسعار ثلاثة أو أربعة أضعاف، ووصل الأمر ببعض الناس إلى بيع أراضيهم للحصول على بعض المال لشراء الطعام.

أول مجاعة تغير مناخي

الأمر المدهش هنا هو أن الأمم المتحدة عبر مسؤوليها في برنامج الغذاء، وصفوا ما يحدث بأن مدغشقر على وشك مواجهة «أول مجاعة تغير مناخي»، وذلك بسبب مرور أربع سنوات دون هطول أمطار. المجاعة التي تعيشها مدغشقر مدفوعة بالمناخ وليس بالصراعات المسلحة، مثلما اعتدنا السماع عنه في دول مثل الصومال واليمن. مدغشقر هي الدولة الوحيدة التي ليس فيها نزاع من أي نوع، ولكن لا يزال لديها أشخاص يواجهون المجاعة.

الأمر المثير للمفارقة بالفعل أن هؤلاء الناس يدفعون ثمن ما لم يتسببوا فيه على الإطلاق، فهم لم يفعلوا شيئًا للمساهمة في تغير المناخ، لأنهم لا يحرقون الوقود الأحفوري؛ فمدغشقر دولة فقيرة تتميز بقلة عدد السيارات والمصانع أو انعدامها، ومع ذلك فهم يتحملون وطأة تغير المناخ.

على الرغم من أن مدغشقر تعاني من حالات جفاف متكررة، يعتقد الخبراء أن حالة تغير المناخ التي يشهدها كوكب الأرض بوضوح أكبر في السنوات الأخيرة (حرائق الغابات وشدة الأعاصير والفيضانات غير المسبوقة) يمكن أن يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالأزمة الحالية هناك.

يتراوح المتوسط السنوي الحالي لدرجة الحرارة في مدغشقر بين 23-27 درجة مئوية، ومن المتوقع أن ترتفع درجة الحرارة بمقدار 2.5- 3.5 درجات مئوية بحلول عام 2100، وتؤدي هذه الزيادة في درجة الحرارة أيضًا إلى موسم أكثر سخونة وجفافًا، وهذا يعني فترات أطول بدون أمطار في الأجزاء الوسطى والغربية والجنوبية من مدغشقر، ويمكن أن يصبح الجفاف شديدًا للغاية عندما تدخل تأثيرات النينيو حيز التنفيذ كل سنتين إلى سبع سنوات.

وظاهرة النينيو هي ظاهرة مناخية عالمية، تتعلق بحدوث تحول دوري في نظام مياه المحيط والغلاف الجوي في المحيط الهادئ الاستوائي، والذي يؤثر في الطقس في جميع أنحاء العالم، ويتسبب في فيضانات وجفاف واضطرابات مناخية أخرى.

ما الذي يحدث؟

تؤدي درجات الحرارة المتزايدة لكوكب الأرض إلى تعطيل أنماط الطقس العالمية التي اعتمد عليها المزارعون على مدى قرون في الزراعة والري، ولا سيما في دول العالم النامي، وقد أصبحت الرياح الموسمية التي تجلب الأمطار غير متوقعة بشكل متزايد؛ إذ بدأت تأتي في وقت متأخر عن المعتاد، بل أحيانًا تظهر في المكان الخطأ، أو في بعض الأحيان لا تأتي على الإطلاق.

هذا الأمر يتسبب في تدمير الأماكن التي تعتمد على المطر في الزراعة، وهنا نأتي إلى الجزء الجنوبي من مدغشقر الذي يشهد المجاعة، فمدغشقر هي جزيرة خصبة استوائية إلى حد كبير تشتهر بتنوعها البيولوجي، وشهدت هطول الأمطار أقل من المتوسط ​​على مدى السنوات الخمس الماضية، ويعتمد معظم سكان جنوب مدغشقر على الزراعة صغيرة النطاق لإنتاج غذائهم والبقاء على قيد الحياة، ولكن بسبب الجفاف، جفت الأنهار وسدود الري.

ليس هذا فحسب، إذ يتسبب ارتفاع متوسط درجة الحرارة العالمية في ذوبان القمم الجليدية القطبية، مما يؤدي إلى ارتفاع مستوى سطح البحر، ولأن مدغشقر دولة عبارة عن جزيرة بطول 4828 كم من السواحل، فهي معرضة بشدة لتأثيرات ارتفاع مستوى سطح البحر، وحاليًا، يرتفع المحيط بمعدل سبعة إلى ثمانية ملم سنويًّا داخل الساحل، وهذا يؤدي أيضًا إلى تآكل السواحل وانحسار الشواطئ.

أضف إلى هذا أنه بسبب ارتفاع درجات الحرارة العالمية وما يتبع ذلك من ارتفاع درجات حرارة المحيطات، فإن كثافة الأعاصير آخذة في الازدياد، بل إن طريق هذه الأعاصير المعتاد بدأ يتحول أيضًا. وتعد مدغشقر هي الدولة الأكثر ضعفًا في أفريقيا عندما يتعلق الأمر بالأعاصير، فهي دولة في المسار المباشر لأي عواصف تهب شرقًا من المحيط الهندي، وهناك ما معدله 3-4 أعاصير في السنة.

الخطر يقترب

قد تبدو مدغشقر بعيدة عن منطقتنا العربية، لكن يجب أن نبدأ في القلق مما يحدث في مدغشقر؛ فهذه المجاعة في مدغشقر، وموجة الحر في أمريكا، والفيضانات في ألمانيا، وحرائق الغابات في تركيا واليونان، كلها مؤشرات على أن تغير المناخ يجب أن يؤخذ على محمل الجد، وأن آثاره المدمرة بدأت في الظهور بالفعل.

في السنوات الأخيرة، شهدنا كوارث مناخية تضرب بلدًا تلو الآخر في أفريقيا، بداية من الجفاف في القرن الأفريقي، ثم الآن مدغشقر، وهذه الدورة ستستمر غدًا، وربما تصل إلى الجزء الشمالي من أفريقيا، ولسوء الحظ، من المرجح أن يستمر الأمر في التكرار على فترات متقاربة بسبب تغير المناخ.

علوم

منذ شهر
مصر ستكون بلا إسكندرية وكوارث أخرى.. كيف سيكون شكل الحياة عام 2050؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد