«إنه لما كانت علاقة الأخوة بيننا، ورعاية صلة الرحم، من الواجبات لخلق الصلة، على أن كل مكان تريده هو لك، واحمل القدْر من المال الذي تستطيع حمله، واذهب دون مضايقة حتى لا يراق دمك البريء»

كان هذا نص رسالة السلطان «محمود الخلجي» آخر سلاطين الدولة الخلجية في سلطنة «مالوا» في الهند، إلى أخيه الأمير «صاحب خان» عندما أراد الاستيلاء على العرش حسبما جاء في كتاب «المسلمون في الهند: من الفتح الإسلامي إلى الاستعمار البريطاني – الجزء الثالث»، وكانت هذه المرة الأولى التي فَقَد فيها محمود الخلجي سلطته؛ إذ جرى خلع محمود الثاني الخلجي من حكم «مالوا» ثلاث مرات، وأعيد إلى الحكم في كل مرة، وكانت آخرها حينما أعاده أعداؤه إلى عرشه، فما قصة هذا السلطان؟

تأسيس عائلة الخلجي بعد ضعف الدولة الطغلقية

بدأ الإسلام ينتشر في بلاد «مالوا» مع دخول السلطان محمود الغزنوي أرض الهند، وكانت تحت سيطرة حكم سلطان دهلي حتى عهد السلطان محمد بن فيروز شاه (أحد سلاطين السلالة الطغلقية)، والذي جاء عقب وصوله للسلطنة بأربعة من أصحابه، ولقب كل منهم بلقب ملك، فأرسل أحدهم إلى «الكجرات»، والآخر إلى «الملتان»، وواحد إلى «جونبور»، وأرسل «دولار خان غوري» إلى «مالوا».

وعقب وفاة السلطان محمد فيروز شاه، بدأ ظهور ملوك الطوائف في الهند، واستقل «دولار خان» بحكم مملكة «مالوا» عن سلطان الهند، وبعد موت دولار خان عام 829 هـ، حلَّ محله ولده السلطان «هوشنك» الذي استمر في الحكم 30 عامًا.

في عام 839 هـ أسس الأمير «محمود الخلجي» أسرة خلجي الحاكمة في «مالوا»، وبعد 34 عامًا قضاها في الحكم جلس ولده السلطان غياث الدين على العرش لمدة 32 عامًا، واعتلى من بعده ولده ناصر الدين عرش «مالوا» لمدة 11 عامًا، وبعد وفاة السلطان ناصر الدين عام 917 هـ، جلس ابنه محمود شاه المعروف بمحمود الثاني الخلجي على العرش.

زحام من المؤامرات.. بين كماشة الأعداء من الهندوس والمسلمين 

كانت المؤامرات تحيط بالسلطان محمود الخلجي من كل مكان؛ فقد أراد وزيره محافظ خان أن يسير أمور المملكة، ويستولي على الوزارة؛ فبدأ بالوشاية بين السلطان والأميرين مختص خان وإقبال خان، ونظرًا لقلة خبرة محمود الخلجي، فقد أمر بإلقاء القبض على الأميرين وقتلهما دون أن يتحقق من الأمر، إلا أنهما تمكنا من إيصال رسالة للسلطان يوضحان فيها حقيقة ما فعله محافظ خان، فما كان من السلطان إلا أن أمر بإلقاء القبض عليه وقتله دون إجراء تحقيق أيضًا.

وعندما علم محافظ خان أن أمره قد انكشف، هجم بجماعته على الديوان، وخرج إليه السلطان محمود الخلجي مع عدد من معاونيه لردعه؛ ففر محافظ خان إلى منطقة تسمى «بند بيروتي»، وأحضر محافظ خان  الأمير صاحب خان بن ناصر الدين، وأجلسه على العرش، وبدأ صاحب خان ومحمود الثاني الخلجي كلاهما في استمالة الأمراء من حولهما، كما جاء في كتاب «المسلمون في الهند» لمؤلفه أحمد عبد القادر الشاذلي.

وبعد أيام جاء أحد راجوات الهندوس ويدعى «ميندي راي» ليرافق السلطان محمود، وحسبما قال الدكتور عبد المنعم النمر في كتابه «تاريخ الإسلام في الهند» فقد كان محمود الثاني الخلجي سيئ التدبير لأنه يميل للمثول لرأي «ميندي راي»، وقد أوضح النمر أن الفساد قد انتشر في أجهزة الدولة، وبدأت انقلابات الأمراء على السلطان محمود الخلجي بسبب وقوعه تحت تأثير «مندي راي».

وفي هذه الأثناء حاول السلطان محمود الخلجي وأخوه الأمير صاحب خان فرض السيطرة على مناطق «مالوا»، حتى شن صاحب خان هجومًا على جيش السلطان محمود الخلجي، فهجم «ميندي راي» بجماعة من «الراجبوت» (وهم قبائل تقطن غرب ووسط وشمال الهند) على جيش صاحب خان، فلم يستطع المقاومة وفر واحتمى بإحدى قلاعه، وأرسل السلطان محمود الخلجي رسالةً إلى أخيه صاحب خان يطلب السلام، إلا أنه بقي في القلعة ولم يقبل بما عرضه أخاه.

وشدد السلطان محمود حصاره للقلعة، حتى تمكن من دخولها والالتحام مع جيش صاحب خان الذي استطاع الفرار متجهًا إلى السلطان مظفر الحليم ملك «الكجرات»، وأصبح محمود الثاني الخلجي سلطانًا على كامل «مالوا».

مظفر الحليم «الكجراتي».. «لا تحالف إلا بعد عداء»

بعد أن غادر صاحب خان «مالوا» ذهب إلى مظفر الحليم سلطان «الكجرات» لطلب دعمه، فأحسن استقباله، وبعث الحليم بعض أتباعه إلى «دهور» للاطلاع على أخبار مالوا وسلطانها محمود خلجي، وبقي صاحب خان مستقرًا لدى السلطان مظفر الحليم لفترة من الوقت دون تغيير للأوضاع، ثم سأل الحليم عما سيفعله في أمره، فجاء رد الحليم أنه بعد انتهاء موسم المطر سيستولي على نصف ولاية «مالوا» طوعًا أو كرهًا من السلطان محمود الخلجي ويسلمها إليه.

Embed from Getty Images

وبسبب بعض الخلافات مع أمراء مظفر الحليم، رحل صاحب خان دون إذن السلطان، وبعد ذلك وصلت أخبار إلى السلطان مظفر الحليم بأن «الراجبوت» قد أساءوا إلى السلطان محمود الخلجي وغلبوه، وهو ما أثار حميته للتوجه إلى الدفاع عن السلطان محمود الخلجي.

وبينما كان مظفر الحليم متوجهًا إلى «مالوا»، علم أن أمراء «جنديري» (وهي إحدى مدن إقليم مالوا) قد خرجوا على السلطان محمود الخلجي، فجمع أصحابه، وقال لهم إن الهدف الأساسي من ذهابهم يكمن في دحض المهاجمين والخارجين على السلطان محمود الخلجي، ومن ثم تقسيم ولاية مالوا بينه وبين صاحب خان، لكن السلطان مظفر لم يصل إلى مالوا، فقد حل موسم المطر، وبعد انتهائه انشغل السلطان بالتنزه والصيد.

محمود الخلجي يستعين بمظفر الحليم ليعيده إلى عرشه

استعان السلطان محمود الخلجي بقوات من الراجبوت لدفع أمراء «جنديري»، وأخذ النفوذ الهندوسي يزداد شيئًا فشيئًا حتى طغى على نفوذ الخلجي نفسه، وفي عام 923 هـ، خشي السلطان محمود الخلجي من سيطرة قوات الراجبوت على سلطنته، فلجأ إلى السلطان مظفر الحليم الذي استقبله بالتحف والهدايا الكثيرة، ووعده بسرعة تطهير إمارة مالوا من الراجبوت وفسادهم، وجهز جيشه واتجه نحو السلطنة.

Embed from Getty Images

حينها علم «ميندي راي» بتوجه مظفر الحليم، فترك مجموعة من الراجبوت في قلعة «مندو»، وتوجه بصحبة ألفين آخرين إلى «دهارا» ليطلب مساعدة «رانا سانكا» (أمير مدينة جنور) وعندما وصل مظفر الحليم إلى قلعة «مندو»، خرج الراجبوت وقاتلوا بشدة ثم لجأوا إلى داخل القلعة، وفي اليوم التالي خرج الراجبوت للقتال مرة أخرى، فقُتل منهم الكثيرون هذه المرة، ثم حاصر السلطان مظفر الحليم القلعة وقسم أطرافها، وسلمها لأمرائه كلٌ مسؤول عن طرف.

وفي تلك الأثناء، أرسل قادة «الراجبوت» رسالة إلى مظفر الحليم يطلبون فيها أن يبتعد بجيشه مسافة وأن يمنحهم مهلة شهر لإخلاء القلعة من أهاليهم وزوجاتهم وأولادهم، وطلبوا الأمان لأموالهم أيضًا مقابل التسليم، وحينما استجاب المسلمون لطلب الهندوس بتأمين أموالهم، ما كان منهم إلا طلبوا مهلة لجمع تلك الأموال، وبعدها يصبحون تابعين للدولة، واستجاب مظفر الحليم لطلب الراجبوت، وابتعد بجيشه، ولكنه علم بذهب «ميندي راي» لطلب المساعدة من «رانا سانكا»، فأرسل أحد أمرائه لمحاربته، وعاد لمحاصرة القلعة مرة أخرى.

فهجم السلطان مظفر الحليم على قلعة مندو عام 924هـ، فما كان من الراجبوت إلا أن أشعلوا النيران في منازلهم، وقتلوا أولادهم وزوجاتهم، وبدأوا الاشتباك مع قوات مظفر الحليم الذي فتح القلعة، وقتل من الراجبوت 19 ألفًا.

وبعد نجاح مظفر الحليم في استعادة القلعة، وإعادة السلطان محمود الخلجي إلى عرشه، شكره الخلجي، وسأله عن طلباته، فلم يطلب شيئًا بل دعا له ورحل بعدما ترك «آصف خان» و10 آلاف فارس لمساعدة الخلجي خشية أن يضيع ملكه مرة أخرى.

الخلجي يفقد ملكه للمرة الثالثة ويعيده الهندوس

بعد أيام توجه السلطان محمود الخلجي وآصف خان للهجوم على «بيكرن بوربيه»، فطلب «ميندي راي» من «رانا سانكا» المساعدة، ووقعت معركة كبيرة راح ضحيتها الكثير من جيش الخلجي وقتل أكثر أمراء مالوا، كما قتل ابن آصف خان، وبحسب كتاب «المسلمون في الهند» فقد قُتل آصف خان أيضًا، ومن ثم انهزم جيش الخلجي هزيمة نكراء، ولم يبق من رجاله سوى 10 فرسان ما لبثوا أن قتلوا أيضًا.

وبقي السلطان محمود الخلجي وحده في المعركة، وقرر ألا يستسلم، فاستمر في القتال حتى أُصيب بالعديد من الجروح، وسط دهشة المقاتلين الهندوس من حوله، حتى سقط في النهاية عن فرسه، ومن الطبيعي في هذه اللحظة أن ينقض الهندوس على الخلجي وينهون حياته، إلا أن هذا لم يحدث، فقد أثار موقف الخلجي إعجاب الهندوس، فما كان منهم إلا أن حملوه وذهبوا به إلى «رانا سانكا» الذي عالج جروحه، ثم أكرمه وأجلسه على العرش مرة أخرى، وعاد سلطانًا على «مالوا» مرة أخرى.

وعندما علم مظفر الحليم بما حدث، أرسل الكثير من المساعدات والرجال للسلطان محمود الخلجي، وظل جيش «الكجرات» في مملكة «مالوا» مدة طويلة حتى قويت حكومة السلطان محمود الخلجي، فاستدعى مظفر الحليم جيشه، لكن سرعان ما ظهر ضعف دولة الخلجي مرة أخرى، وخرجت أغلب الولايات من تحت سيطرته، وفي تلك الأثناء (932 هـ) مات مظفر الحليم لتزايد خسائر الخلجي بفقده أكبر مسانديه، وأصبح «السلطان بهادر شاه» ملكًا على «الكجرات».

نهاية الدولة الخلجية بموت السلطان محمود الثاني الخلجي

تولى بهادر شاه حكم «الكجرات» بعد موت مظفر الحليم، لكن السلطان محمود الخلجي قدم تعظيمه وإجلاله لـ«جاند خان» ابن مظفر الحليم، الذي أراد أن يتولى حكومة «الكجرات» وعندما علم السلطان بهادر بالأمر، أعد جيشًا لمواجهة السلطان محمود الخلجي، وجاء بهادر شاه الكجراتي إلى «مندو» وحاصر «جاند خان» والسلطان محمود، وأيقن السلطان محمود أنه لن يتمكن من المقاومة، فآثر أن يتجه لقتل النساء، ولكن السلطان بهادر أرسل إليه رسالة بمنحه الأمان هو وأهل الحرم والأمراء.

وبعد عدة أيام أمر بهادر شاه بالقبض على محمود الخلجي وأولاده وتقييدهم وإرسالهم إلى قلعة «جنبانير»، وفي الطريق قُتل الخلجي لينسدل الستار على 20 عامًا من حكم السلطان محمود الخلجي، وقرابة 100 عام كانت مجمل حكم الأسرة الخلجية في مالوا عام 937 هـ.

تاريخ

منذ 4 أسابيع
أحرق عاصمته وأكرم العلماء ثم أطعمهم «فضلاتهم»! سلطان الهند «المضطرب» محمد طغلق
=

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد