استبشر الموريتانيون خيرًا باكتشافات الغاز الطبيعي التي أعلن عنها سنة 2019. وباتت نواكشوط تأمل في التحول إلى دولةٍ غازية. فالدولة الأفقر بين دول المغرب العربي، والتي يعيش 46% من سكانها في فقر مدقع، وأكثر من 33% من شبابها يعاني من البطالة؛ ستبدأ حسب وزير البترول الموريتاني عبد السلام ولد محمد صالح في تصدير الغاز الطبيعي إلى السوق العالمي، في أفق عام 2023.

وبقدر ما سرّ هذا الخبر الموريتانيين كثيرًا، شكّل دخول موريتانيا سوق الغاز العالمي هاجسًا للدول التي تعتمد في اقتصادها على تصدير الغاز الطبيعي، ومن بين تلك الدول الجزائر، التي تعدّ المصدّر السادس للغاز الطبيعي في العالم وتعتمد بنسبة 95% من مداخيلها من العملة الصعبة على النفط والغاز والتي تسهم بنحو 40% من إجمالي الناتج المحل.

في هذا التقرير نسلط الضوء على اكتشافات موريتانيا الغازية وخططها لدخول نادي الدول المصدّرة للغاز ومدى تأثير ذلك على الاقتصاد الجزائري. 

اكتشافات ضخمة.. هل تودّع موريتانيا الفقر بالغاز الطبيعي؟

لم تكن موريتانيا على جدول الدول المرشّحة لإنتاج وتصدير الغاز الطبيعي حتى سنة 2015، وذلك حين أعلنت شركة «كوسموس إنيرجي» الأميركية وشريكتها «بي بي» البريطانية عن اكتشاف حقلٍ ضخم للغاز على الحدود البحرية الموريتانية السنغالية، وقدرت احتياطات حقل «السلحفاة – احميم» بنحو 25 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي عالي الجودة.

وبعد ثلاث سنواتٍ من ذلك الاكتشاف؛ وقع كلٌ من رئيسي موريتانيا والسنغال نهاية عام 2018 على اتفاق لتقاسم إنتاج الغاز في الحقل الضخم والذي يجري العمل على بدء استغلاله منذ سنوات. وكانت شركة «برتش بتروليوم» المستغلة للحقل قد حددت مطلع عام 2022 لبدء التصدير الفعلي لشحنات الغاز من الحقل، قبل أن تؤدي جائحة كورونا إلى تأخير مجريات العمل بالحقل، ويتوقع أن يبدأ الاستغلال الفعلي مطلع عام 2023.

وفي تفاصيل الاتفاق الذي وقّعه رئيسا موريتانيا والسينغال؛ فإنّ حجم الغاز المسال المصدّر سنويًا من الحقل يقارب 2.3 مليون طن سنويًا، وذلك على مدار 10 سنوات قابلة للتجديد.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2019 أعلنت شركة النفط العالمية «بريتش بتروليوم» عن اكتشاف غازي ضخم هذه المرّة بالمياه الإقليمية الموريتانية الخالصة؛ ويتعلّق الأمر بحقل بئر الله، ويبلغ احتياطي الحقل المكتشف حوالي 50 مليار متر مكعب وتقارب مساحته ثمانية أضعاف مساحة حقل «السلحفاة ــ احميم» المشترك مع السنغال. 

وعن ذلك الاكتشاف الغازي الهام، قال وزير النفط والبترول الموريتاني محمد ولد عبد الفتاح، عبر حسابه على «فيسبوك»، إنها «ستفتح آفاقًا واعدة لبناء قطب غازي جديد في موريتانيا».

وكان وزير البترول والمعادن والطاقة الموريتاني، قد صرّح نهاية شهر يناير (كانون الثاني) 2021 بأن بلاده «ستبدأ تصدير الغاز الطبيعي إلى السوق العالمي، في أفق عام 2023». وأضاف الوزير الموريتاني في أثناء تفقده لمنشآت تابعة لشركة «بريتيش بتروليوم» المكلفة تسويق الغاز الموريتاني، أن «نسبة تقدم الأشغال في حقل الغاز «السلحفاة – إحميم» المشترك مع السنغال، وصلت إلى 52% مع نهاية 2020».

هل سيؤثر دخول موريتانيا سوق الغاز على الجزائر؟

على الضفة الشمالية تجد الجزائر نفسها أمام متاعب اقتصادية جمّة، فالبلد الذي يعتمد على نسبة 95% من مداخيله من العملة الصعبة على النفط والغاز؛ يجد نفسه مرتهنًا بتقلبات أسعار الغاز التي شهدت انخفاضًا محسوسًا خلال السنوات الماضية؛ كما أنّ دخول دول جارة له لسوق إنتاج وتصدير الغاز من شأنه أن يضاعف أتعاب الجزائر الإقتصادية. 

Embed from Getty Images

فالجزائر التي تصدّر سنويًا 11.5 مليون طن من الغاز المسال؛ وتبلغ حجم حصتها من السوق العالمي نسبة 4.5%؛ ويصل احتياطيها المؤكد من الغاز الطبيعي إلى 4.5 تريليون متر مكعب، وهو ما يمثّل نسبة 2.3% من إحتياط الغازي العالمي؛ قد تفقد تلك الميزة قريبًا مع دخول نواكشوط عالم تصدير الغاز. 

لكن كيف ستتأثر الجزائر بالغاز الموريتاني؟ في إجابته على هذا السؤال يرى أستاذ الاقتصاد بجامعة نواكشوط سابقا، الدكتور محمد الشيخ المختار في حديثه مع «ساسة بوست» أن «دخول موريتانيا إلى دائرة المصدرين للغاز لن يؤثر على الجزائر بشكل أو بآخر؛ لأنّ الجزائر هي الدولة القريبة من أوروبا؛ وصادراتها في الأساس لأوروبا. أمّا موريتانيا أمامها أسواق مفتوحة، وليست بحاجة إلى الدخول في منافسة مع الجزائر أو غيرها من الدول؛ لأنّ هدفها هو تحقيق تنمية ذاتية تساعد على حياة أفضل للموريتانيين». 

وعن التقارب الجزائري الموريتاني الأخير يؤكد الباحث الموريتاني بأنّ «هذا التقارب المحمود بين موريتانيا وجارتها الجزائر لا يدخل في سياق صراع حول الطاقة، بل من أجل مصالح مشتركة بين البلدين؛ خصوصًا الجانب الأمني ومكافحة الإرهاب، وكذلك التطورات التي تشهدها منطقة الساحل والمغرب العربي، والتعاون الاقتصادي بين البلدين كان منذ مدة طويلة وليس بالأمر الحديث».

ويضيف الباحث محمد المختار إلى أنه «من الطبيعي أن يعمل كلٌ من الجزائر وموريتانيا على التنسيق الأمني بينهما في خصوص الساحل والجماعات المسلحة؛ كونهما من أكبر الدول المهددة بهذا الخطر. معتبرًا في الأخير أن التقارب بين البلدين من شأنه أن يدعم مشروع الوحدة المغاربية».

ولم يستبعد أستاذ الاقتصاد بجامعة ورقلة الجزائرية، الدكتور عمر الموساوي أن يكون للتقارب الجزائري الموريتاني الأخير دخلٌ في سياق الخريطة الغازية الجديدة للمنطقة؛ وأوضح الموسوي في حديثه مع « ساسة بوست»: «يبدو أنّ الجزائر تفطنت اخيرًا للوزن الكبير لجيرانها من دون التركيز على الوضع الأمني؛ فالانفتاح الجزائري على موريتانيا وإن كان حاليًا على جوانب ومجالات ليست طاقوية، لكنّه يرمي إلى أنّ الجزائر وموريتانيا بإمكانهما أن يشكلا قطبًا طاقويًا مع الاكتشافات الغازية الأخيرة بموريتانيا، وبإمكان شركة سوناطراك الجزائرية أن تكون واسطة هذا التحالف بين البلدين نظرًا لخبرتها الكبيرة أفريقيا وعربيًا في مجال التنقيب والاستكشاف». 

وتجدر الإشارة إلى أنّ شركة سوناطراك الجزائرية كانت متواجدة على الأراضي الموريتانية للعمل على مشاريع إستثمارية منذ سنة 1987؛ قبل أن تسحبها الحكومة الجزائرية سنة 2010 بسبب التدخل العسكري الفرنسي في منطقة الساحل.

جدير بالذكر أيضًا أنّ عملاق النفط الجزائري «سوناطراك» يمتلك حصة تقدر بـ33 % في الشركة الموريتانية للغاز «سوماغاز» التي تملك فيها الحكومة الموريتانية نسبة 34% فيما يمتلك رجال أعمال موريتانيون نسبة 33% المتبقية من أسهم الشركة.

المصادر

تحميل المزيد