في عصرنا الحالي أصبح الاكتئاب مرضًا شائعًا، إذ يعاني منه نحو 280 مليون شخص في أنحاء العالم، أي ما نسبته 3.8% من سكان الأرض، وفق منظمة الصحة العالمية، وقد يتحول الاكتئاب إلى حالة صحية خطرة، ويمكن أن يؤدي إلى معاناة شديدة لمن يصاب به، ويؤثر في أدائه في العمل والمدرسة والأسرة، كما يمكن أن يؤدي الاكتئاب في أسوأ حالاته إلى الانتحار.

ولذلك؛ ورغم كل ما يتوفر عالميًّا من عقاقير لعلاج الاكتئاب فإن الدراسات الحديثة دائمًا ما تبحث عن وسائل جديدة للقضاء على هذا المرض، وذلك لأن الإحصاءات السابق ذكرها موجودة في ظل استخدام المرضى للعقاقير المعتادة، وفي هذا التقرير نحدثكم عن واحدة من أحدث الطرق التي قد تحقق تحسنًا ملحوظًا لدى من يعانون من الاكتئاب المزمن.

«مخدرات الوعي».. هل تكون حلًّا نهائيًّا لبعض المشكلات النفسية؟

في عام 2021 جرى عرض مسلسل «Nine Perfect Strangers»، وهو مسلسل قصير مكون من تسع حلقات فقط، ولعبت بطولته النجمة العالمية نيكول كيدمان، ودارت أحداث هذا المسلسل عن تسعة من الغرباء الذين يبحثون عن أمل أخير يخرجهم من معاناتهم النفسية على اختلافها، فيقدمون طلب انضمام لهذا المنتجع المنعزل الذي تديره نيكول كيدمان، والتي تختار فيه عملائها بعناية شديدة جدًّا وتستضيفهم في منتجعها مدة العلاج على أن ينفصل العميل عن العالم الخارجي تمامًا حتى هواتفهم لا يسمح بأن يحتفظوا بها.

بعد أيام قليلة من العلاج يكتشف العملاء التسعة أن نيكول كيدمان تضع لهم مادة «سيلوسيبين- Psilocybin» بجرعات صغيرة يطلق عليها  الأطباء اسم «ميكرودوزينج- microdosing»، في مشروب الصباح الذي تقدمه لهم، بصفته جزءًا من خطة العلاج النفسي والتعافي.

وتتصاعد الأحداث لنراهم بعد الرفض الشديد لخداعها لهم؛ يوافقون على تناول المخدر، والمثير للاهتمام أن هذا المسلسل يظهر هذا المخدر بجرعاته الصغيرة بوصفه شيئًا إيجابيًّا، حتى إن نهاية المسلسل تمثلت في خروج الغرباء التسعة من المنتجع وهم يشعرون بتغير جذري للأفضل في حياتهم بالفعل.

في الواقع؛ ما عرضه هذا المسلسل عن الـ«ميكرودوزينج» لمادة «سيلوسيبين» غير القانونية؛ لا يعد غريبًا، فقد اتجهت الدراسات الطبية مؤخرًا لمحاولة استكشاف تلك المادة، وقدرة الجرعات الصغيرة منها على أنها علاج مناسب للعديد من الأمراض النفسية.

في البداية يجب أن نعرفك بمادة «سيلوسيبين» قبل أن نستعرض النتائج الطبية التي تخص استخدامها في العلاج النفسي، إذ إن تلك المادة عبارة عن مركب كيميائي مهلوس يوجد في أكثر من 200 نوع من أنواع فطر المشروم أو ما يطلق عليه «المشروم السحري».

كما تستخدم تلك المادة في صناعة مخدرات أخرى مثل الـ«Lsd» (المهلوس) والمخدرات التي يطلق عليها عالميًّا «مخدرات الوعي» أو مخدرات «ساكاديلك» لأن البعض يأخذونها بغرض الارتقاء بوعيهم وفهم الحياة بشكل أفضل، والتي انتشرت منذ سبعينيات القرن الماضي.

وهو أمر أثبتته دراسة حديثة، بشكل ما، إذ أكد الباحثون القائمون عليها، قدرة تلك المادة على تحسين المزاج، وبعض القدرات المعرفية والذهنية التي تخص ربط أفعال الشخص في الحياة بمعنى وهدف، بمعنى أن يكون الشخص أكثر تركيزًا في انتقاء تصرفاته للتوافق مع هدفه في الحياة، فلا يتصرف بعشوائية أو قرارات غير مدروسة.

هل تعالج مادة «سيلوسيبين» الاكتئاب؟

في دراسة نشرت في نهاية العام الماضي 2021 تحت عنوان «Adults who microdose psychedelics report health related motivations and lower levels of anxiety and depression compared to non-microdosers» أو «البالغون الذين استخدموا جرعات صغيرة من مادة سيلوسيبين ظهر عليهم علامات التحسن من أمراض مثل القلق المزمن والاكتئاب»، اتضح للباحثين أن تعاطي مادة «سيلوسيبين» قد يكون من أفضل العلاجات التي اكتشفها الطب لعلاج الاكتئاب، وكذلك الأمر مع دراسات أخرى كان هدفها استكشاف قدرة الجرعات الصغيرة من مادة سيلوسيبين في علاج الاكتئاب.

ففي هذه الدراسات قيَّم الباحثون القدرات العلاجية لمركب الـ«سيلوسيبين» من خلال مقارنته، لمدة ستة أسابيع، بأحد مضادات الاكتئاب المعروفة والمنتشرة عالميًّا مثل العقاقير المعالجة للمرض النفسي والتي يطلق عليها  «مثبطات امتصاص السيروتونين الانتقائي» مثل دواء «سيبرالكس».

وشارك في واحدة من هذه الدراسات 59 شخصًا يعانون من الاكتئاب، ما بين الاكتئاب المتوسط والاكتئاب الشديد، ووصفت الدراسة تلك التجربة بأنها «الأكثر دقة وصرامة حتى الآن»، وقد قسمت المجموعة المشتركة في الدراسة إلى مجموعتين واحدة تستخدم العقار المعتاد للاكتئاب، ومجموعة تستخدم الجرعات الصغيرة من الـ«سيلوسيبين».

وأظهرت النتائج المنشورة في دورية «نيو إنجلاند جورنال أوف ميديسين New England Journal of Medicine» انخفاضًا ملوحظًا في درجة الاكتئاب لدى المجموعتين، إلا أن مستوى الانخفاض حدث بصورة أكبر وأسرع في المجموعة التي جرى علاجها بمركب الـ«سيلوسيبين».

ففي المجموعة الأولى (مجموعة الـ«سيلوسيبين») تلقى 30 شخصًا جرعة أولية مقدارها 25 ملليجرامًا من الـ«سيلوسيبين» في بداية الدراسة، تلتها جرعة ثانية 25 ملليجرامًا بعد ثلاثة أسابيع، وجرى إعطاؤهم كبسولات دواء وهمي يومية ليأخذوها بحيث تكون واحدة يوميًّا بعد جلسة الجرعات الأولى، وتزيد إلى اثنتين يوميًّا بعد جلسة الجرعة الثانية.

وفي المجموعة الثانية، تلقى 29 شخصًا ملليجرامًا واحدًا من الـ«سيلوسيبين» في جلسات الجرعات -جرعة منخفضة جدًّا بحيث يجري تصنيفها على أنها غير نشطة ومن غير المرجح أن يكون لها تأثير، وجرى إعطاؤهم أيضًا جرعة يومية من دواء «إسيتالوبرام» لمدة ستة أسابيع: كبسولة واحدة 10 ملليجرامات يوميًّا بعد جلسة الجرعات الأولى، وزادت إلى اثنتين في اليوم بعد جلسة الجرعات الثانية 20 ملليجرامًا في اليوم، وهي أقصى جرعة موصى بها.

وقد أبلغت مجموعة الـ«سيلوسيبين» عن عدد أقل من حالات جفاف الفم والقلق والنعاس والضعف الجنسي، مقارنة بمجموعة «إسيتالوبرام» ومعدل مماثل من الأحداث الضارة بشكل عام؛ إذ كان الصداع الذي حدث بعد يوم واحد من جلسات الجرعات هو التأثير الجانبي الأكثر شيوعًا لمجموعة الـ«سيلوسيبين».

لا تجرب الأمر في المنزل!

يستخدم «المشروم السحري» على نطاق واسع بوصفه مخدرًا غير قانوني بسبب احتوائه على مواد تسبب الهلوسة والانتشاء، وعلى رأسها مادة الـ«سيلوسيبين» التي تُجرى عليها هذه الدراسات، كما تعد تلك المادة من مثبطات امتصاص «السيروتونين» الانتقائي من أفضل الأدوية لعلاج الاكتئاب؛ لأنها تحتوي على مادة فعالة تُسمى «إسيتالوبرام» تتميز بفاعليتها الكبيرة في علاج اضطرابات القلق والاكتئاب المتوسط والشديد.

وبعد ظهور تلك النتائج ونشرها في أكثر من جهة علمية وإعلامية، صرح روبن هاريس – رئيس مركز أبحاث المخدرات في إمبريال كوليدج، والمؤلف الرئيسي للدراسة الأخيرة أن تلك النتائج لا تزال في بدايتها ولذلك لا يجب أن يلجأ الذين يعانون من الاكتئاب من اللجوء لاستخدام تلك المادة دون إشراف طبيب؛ حتى لا يتعرضوا لأي أعراض إدمانية للمادة.

وجدير بالذكر أن المرضى المشاركين في الدراسة قد تناولوا المادة الفعالة في صورتها الأصلية والخام، ولم يتناولوا الفطر في صورته الطبيعية، وتلك المادة الفعالة في صورتها الأولية ليست متاحة مثلما يتاح الفطر السحري.

وقد يحاول بعض مرضى الاكتئاب في أنحاء العالم بمجرد سماعهم عن تلك النوعية من الدراسات، تجربة هذا النوع من العلاج بأنفسهم في المنزل، لذا حذر الباحثون من إجراء هذا العلاج دون إشراف طبيب وشددوا على أنه ما زال هناك حاجة لإجراء المزيد من التجارب مع عدد أكبر من المرضى وعلى مدار فترات أطول للتأكد من أن مادة الـ«سيلوسيبين» أكثر فعالية وأقل ضررًا من مضادات الاكتئاب المعروفة.

وعلى الرغم من أن الأشخاص الذين تناولوا هذا العلاج قد أظهروا تحسنًا ملحوظًا عبر مجموعة من المقاييس الذاتية، بما في ذلك قدرتهم على الشعور بالمتعة والتعبير عن المشاعر، وانخفاض أكبر في مستويات القلق والتفكير في الانتحار، وزيادة في مستويات المشاعر الإيجابية، إلا أن الأطباء مازالوا يؤكدون أهمية عدم تجربة تلك النوعية من العقاقير دون إشراف الطبيب، خاصة أن للمادة أعراضًا جانبية مهلوسة، والتي قد تكون خطيرة في حالة وجود الشخص وهو تحت تأثير العقار في مكان مرتفع أو بين السيارات المسرعة.

في المحصلة يعد الاكتئاب واحدًا من الأسباب المؤدية إلى الإعاقة في العالم، وهو مساهم رئيسي في العبء العالمي العام للمرض، كما أنه قد يدفع المريض للانتحار، فوفقًا لمنظمة الصحة العالمية فإن أكثر من 700 ألف شخص ينتحرون كل عام، حتى أصبح الانتحار رابع سبب رئيسي للوفاة عند الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة عالميًّا، لذا فإن هذه الدراسات تكتسب أهمية أكبر لحماية العديد من الأرواح التي يحصدها الاكتئاب فضلًا عن آثاره الاقتصادية السلبية، لعدم قدرة المصابين به بالعمل بالكفاءة المطلوبة لتحسين الإنتاج.

المصادر

تحميل المزيد