شهد المغرب أمس الأربعاء 24 نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، زيارة وزير الدفاع الإسرائيلي بيني جانتس، التي تعد الأولى من نوعها في تاريخ البلاد، وكان المغرب وإسرائيل قد وقعا اتفاقيَّة، قبل سنة تقريبًا، برعاية أمريكية من أجل إقامة علاقات دبلوماسية رسمية – بعد عقود من العلاقات السريَّة بين الطرفين – مقابل اعتراف أمريكي بسيادة المغرب على منطقة الصحراء الغربية المتنازع عليها بينه وبين جبهة «البوليساريو» منذ سبعينيات القرن الماضي.

وقد غرَّد جانتس قبل انطلاق رحلته إلى العاصمة المغربية الرباط قائلًا: «ننطلق بعد دقائق في رحلة مهمة إلى المغرب تكتسي صبغة تاريخية، كونها أول زيارة رسمية لوزير دفاع إسرائيلي إلى هذا البلد، سنوقِّع اتفاقيات تعاون، ونواصل تقوية علاقاتنا، من المهم جدًّا أن تكون هذه الزيارة ناجحة»، وقد استهلَّ وزير الدفاع الإسرائيلي زيارته بالوقوف دقيقة صمت أمام قبر الملكين الحسن الثاني (الأب) ومحمد الخامس (الجد) ثم لقاء الوزير المكلَّف بوزارة الدفاع، عبد اللطيف لوديي.

 

وتأتي هذه الزيارة بعد نحو ثلاثة شهور من زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي، يائير لابيد، إلى المغرب في أغسطس (آب) 2021؛ ويؤكِّد توالي زيارات المسئولين الإسرائيليين جديَّة المغرب في مسار تطبيع العلاقات مع تل أبيب، منذ الإعلان الرسمي عنها في ديسمبر (كانون الأول) 2020.

الصادرات الدفاعية الإسرائيلية تدخل السوق المغربية بقوة

زيارة بيني جانتس إلى المغرب تأتي في ظروف شديدة الدقَّة، خصوصًا في ظلِّ التوتُّر السياسي الذي تعرفه العلاقات بين المغرب والجزائر، خصوصًا بعد أن قطعت الأخيرة علاقاتها الدبلوماسية بشكلٍ تامٍّ مع جارتها الغربية في أغسطس (آب) 2021، وأعلنت عدم تجديد اتفاقية نقل الغاز إلى إسبانيا عبر الأنبوب الذي يمرُّ بالمغرب؛ مما يعني تأثُّر حصَّة المغرب من الغاز الطبيعي.

وكانت آخر حلقات هذا التوتُّر المتصاعد، تتعلق بمقتل ثلاثة تجَّار جزائريين، اتَّهمت الجزائر المغرب باستهدافهم من خلال «أسلحة متطوِّرة»، حسب بيان الرئاسة الجزائرية، وقد أكَّدت الجزائر أنَّ هذا الحادث «لن يمرَّ دون عقاب»، حسبما جاء في البيان، بالإضافة إلى إعلان «جبهة البوليساريو» التي تسعى لاستقلال إقليم الصحراء الغربية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، انتهاء العمل باتفاقية وقف إطلاق النار الموقَّعة مع المغرب منذ سنة 1991.

Embed from Getty Images

زيارة وزير الدفاع الإسرائيلي بيني جانتس إلى المغرب

وخلال الزيارة وقَّع المغرب وإسرائيل اتفاقية تفاهم دفاعية، وأشارت الصحافة المغربية إلى أنَّ الطرفين اتفقا على إنشاء لجنة مشتركة «من أجل تعميق التعاون عبر مجالات الدفاع، مثل المعلومات الاستخباراتية والبحوث والتدريب العسكري المشترك»، الأمر الذي من شأنه أن يسمح لشركات الصناعات العسكرية الإسرائيلية دخول السوق المغربية.

وقد بدأت الصفقات العسكرية بين المغرب وإسرائيل قبل زيارة وزير الدفاع بيني جانتس؛ إذ كشفت بعض التقارير الصحفية عن أنَّ المغرب اقتنى مؤخرًا نظام «سكايلوك» الجوي المضاد للطائرات بدون طيَّار، من تصنيع شركة «سكايلوك سيستام» التابعة لمجموعة «آفنون» الإسرائيلية، وهو النظام الجوي الذي جرى الإعلان عنه لأوَّل مرة في معرض دبي للأسلحة الذي أقيم في فبراير (شباط) 2021، والذي باستطاعته ضرب الأهداف المتمثِّلة في الطائرات بدون طيَّار.

وينبغي الإشارة إلى أن التعاون العسكري بين المغرب وإسرائيل ليس وليد اتفاق التطبيع الأخير الموقَّع في نهاية عام 2020، بل إن البلدين عرفا تعاونًا منذ الستينيات؛ إذ كشفت وثائق أفرجت عنها إسرائيل عن أنَّ اغتيال المعارض المغربي المهدي بن بركة في باريس سنة 1965 كان بطلب مغربي وبأيادي الموساد الإسرائيلي.

تحالف عسكري جديد.. وتوجس جزائري

اتفاقية التفاهم في المجال العسكري بين إسرائيل والمغرب تأتي في ظروف تشهد توترًا متزايدًا بين الجزائر والمغرب، خصوصًا بعد أن اتَّخذت الأزمة منعطفًا جديدًا إثر مقتل جزائريين في منطقة حدودية بين البلدين وتوعُّد الجزائر للمغرب بـ«العقاب»، حسب بيان الرئاسة الجزائرية.

Embed from Getty Images

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبُّون

وقد انتقدت الجزائر من قبل قرار المغرب تطبيع العلاقات مع إسرائيل، ورأت أنَّ القرار المغربي يمهد للزحف الصهيوني على المنطقة، وذلك على لسان رئيس وزرائها السابق عبد العزيز جرَّاد، كما انتقد وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة تصريحات وزير الخارجية الإسرائيلي، يائير لابيد، التي أطلقها من العاصمة المغربية الرباط، حين انتقد الوزير الإسرائيلي ما سمَّاه التقارب بين الجزائر وإيران، وعدَّ العمامرة صدور هذه التهديدات على لسان مسؤول إسرائيلي من على أرض دولة جارة سابقة غير معهودة في العالم العربي، وأنَّه استقواء من طرف المغرب بإسرائيل.

وفي هذا السياق، يتجه المغرب بقوَّة إلى تعزيز شراكته مع إسرائيل من خلال فتح خطٍّ جوي بين الدار البيضاء المغربية وتل أبيب، بالإضافة إلى الشراكة في الميدان العسكري التي تكلَّلت بمذكرة تفاهم رسمية، إلى جانب التبادل السياحي الذي تقدِّره بعض المصادر بـ200 ألف سائح إسرائيلي إلى المغرب سنة 2022؛ في المقابل تُظهر الجزائر نفسها في موقف مقاوم للتسلُّل الإسرائيلي إلى المنطقة المغاربية، وإلى أفريقيا بشكل عام.

سياسة

منذ 3 أسابيع
ماذا يحدث بين الجزائر والمغرب؟ 4 أسئلة تشرح لك ما تحتاج معرفته عن الأزمة

فقد أكد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون أن بلاده متمسكة بموقفها الرافض للتطبيع مع إسرائيل مشددًا على أنَّ الجزائر لن تبارك ولن تشارك في الهرولة نحو التطبيع، واعتبر القضية الفلسطينية «قضية مقدَّسة وأمُّ القضايا» حسبما جاء في لقاء تلفزيوني في سبتمبر (أيلول) 2020.

وفي هذا الصدد أعلنت الجزائر رفضها حصول إسرائيل على صفة عضو مراقب بالاتحاد الأفريقي، وأعلن وزير الخارجية الجزائري بأنَّ مقترحًا للجزائر ونيجيريا بتأجيل البتِّ في عضوية إسرائيل قد جرى قبوله بين الدول الأعضاء في الاتحاد، على أن يتم حسمه في القمِّة الأفريقية المرتقبة في فبراير (شباط) 2022.

في المقابل قالت صحيفة «أفريكا أنتليجنس» إنَّ المغرب وإسرائيل يعملان على تطوير مشروع صناعة طائرات «كاميكاز»، وهي عبارة عن طائرات بدون طيَّار تستخدم في الهجوم على أهداف أرضية من خلال الارتطام بها، أي تتحوَّل إلى صاروخ يحمل متفجِّرات وتتَّسم بالدقة والفعالية.

ومن شأن هذا أن يدفع بسباق التسلُّح بين كلٍّ من الجزائر والمغرب إلى مستويات أعلى مما هو عليه، خصوصًا وأن البلديْن يشهدان معدَّلات إنفاق ضخمة على قطاعات الدفاع، إذ إن ميزانية المغرب المرصودة لقطاع الدفاع في سنة 2022 بلغت 5.6 مليارات دولار، بزيادة 589 مليون دولار عن السنة الماضية، وهي الأكبر في تاريخ البلاد، أما الجزائر فقد واصلت نمط الإنفاق السخيِّ على قطاع الدفاع الذي بدأته منذ 2011، وقد رصد ميزانية بقدر 9.7 مليارات دولار لسنة 2022 بزيادة قيمتها 700 مليون دولار عن العام الحالي.

ويأتي هذا الإنفاق الضخم في الميدان العسكري على حساب القدرات الاقتصادية للبلدين، وقدراتهما على الإنفاق في مجالات اقتصادية واجتماعية أخرى مثل الصحة والتعليم، خصوصًا وأن كلا البلديْن يشهدان أزمات اقتصادية، تعمَّقت بصورة أوسع بسبب آثار جائحة كورونا؛ ومن شأن التقارب الإسرائيلي المغربي أيضًا أن يجعل «المشروع المغاربي» في خبر كان، خصوصًا في ظلِّ القطيعة بين الجزائر والمغرب، واتجاه الأخير إلى إقامة تحالفات بعيدة عن المنطقة المغاربية، ولا تحظى بالضرورة بتأييد شعوبها.

هل تساعد إسرائيل المغرب في إحكام قبضته على الصحراء؟

عندما انطلق المغرب في بناء الجدار العازل في الصحراء الغربية من أجل السيطرة على القطاع المتنازع عليه مع جبهة «البوليساريو» منذ ثمانينيات القرن الماضي، وهو الجدار الذي يمتدُّ إلى 2700 كيلومتر، كانت إسرائيل أحد أبرز المساهمين في بناء الجدار؛ إذ إن أحد جوانب التقارب الإسرائيلي المغربي مرتبط ارتباطًا وثيقًا بإقليم الصحراء الغربية.

وكان أحد أركان اتفاق التطبيع مع إسرائيل مرتبط باعتراف الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، بسيادة المغرب على الصحراء الغربية؛ إلا أنَّ الرئيس الأمريكي الحالي، جو بايدن، لم يقر هذا القرار ولم يُلغه أيضًا، بل تمسَّك بالمسار الدولي للأمم المتحدة إطارًا لحلِّ النزاع في الإقليم الصحراوي.

Embed from Getty Images

متظاهرون مؤيِّدون لاستقلال «الصحراء الغربية» 

وتطمح إسرائيل للعب أدوار أكبر في الإقليم المتنازع عليه، خصوصًا في ميدان الطاقة؛ إذ أعلنت شركة «راتيو بيتروليوم» الإسرائيلية توقيع عقد مع المغرب لاستكشاف الغاز في الساحة المقابلة لمنطقة الداخلة في الصحراء الغربية؛ فيما تمتنع الشركات العالمية عن استغلال الموارد الطبيعية للإقليم بسبب العراقيل القانونية الدولية بشأن وضعية الإقليم.

كما أن التعاون في ميدان الدفاع من شأنه دعم المغرب في حربه ضدَّ جبهة «البوليساريو»، خصوصًا بعد تجدُّد الصراع في الإقليم منذ العملية العسكرية التي أطلقها المغرب في منطقة الكركرات في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، والتي أعلنت بموجبها جبهة «البوليساريو» إلغاء اتفاقية وقف إطلاق النار بين الطرفين التي صمدت منذ 1991.

إذ إن التكنولوجيا الإسرائيلية في مجالات الاستخبارات والتسلُّح، والطائرات بدون طيَّار، من شأنها إعطاء تفوُّق نوعي للمغرب في حربه ضد الجبهة، خصوصًا وأن المغرب قد اعتمد بشكل واسع على تكنولوجيا «الدرونز» في استهداف القيادات الصحراوية، آخرها كان اغتيال الداه البندير، القايدي في «البوليساريو» في أبريل (نيسان) 2021 بطائرة مسيَّرة.

وقد ذكر يوسي ميلمان، الكاتب الإسرائيلي في صحيفة «هآرتز» الإسرائيلية، أن جزءًا من اتفاق تطبيع العلاقات الإسرائيلية مع المغرب قد يعني تقديم مساعدات عسكرية واستخباراتية إسرائيلية للمغرب ضد «جبهة البوليساريو» المدعومة من الجزائر.

المصادر

تحميل المزيد