بعد ضعف إمبراطورية المغول في الهند خلال القرن الثامن عشر، تمكّن أحد الأمراء ويدعى «آصف جاه قمر الدين صديقي» من السيطرة على عدد من المحافظات الجنوبية، وأسس دولة «حيدر آباد»، لتبدأ بذلك سلالة «آصف جاه Asafjahi» الحاكمة لحيدر آباد، وتستمر لمدة 224 عامًا، لتنتهي عند «عثمان علي خان»، فمن هو عثمان علي خان؟ وما حقيقة ثروته الطائلة؟

عثمان علي خان.. «النظام الأخير» من سلالة «آصف جاه»

في كتاب «THE LAST NIZAM AND HIS PEOPLE»، وردت حكاية عن مؤسس سلالة «آصف جاه» التي حكمت «حيدر آباد» لأكثر من قرنين من الزمان، حين جاء إليه رجل فقير وأعطاه سبعة «شباتي» (أحد أنواع الخبز في البنجاب قديمًا)، في قطعة من القماش الأصفر وتنبأ بأن تستمر سلالته في الحكم لسبعة أجيال.

مصدر الصورة the wire

وهي تتقاطع مع حكاية أخرى تقول إن مؤسس سلالة «آصف جاه» ذهب إلى قديس صوفي ليتبرك به قبل أن يبدأ رحلته نحو الجنوب ليؤسس دولته، فقدم له الصوفي خبز «الكولشا» على قطعة قماش صفراء، فأكل منهم سبعة، وهو ما جعل الصوفي يتنبأ بأن سلالته ستستمر في الحكم سبعة أجيال، بدأت بالمؤسس آصف جاه قمر الدين صديقي وانتهت عند عثمان علي خان.

وقد ولد عثمان علي خان في السادس من أبريل (نيسان) 1886، ونُصب في قصر «تشاو محلة» في حيدر آباد في 18 سبتمبر (أيلول) 1911 ليصبح نظام حيدر آباد السابع، ومُنح لقب «صاحب السمو الجليل» في يناير (كانون الثاني) 1918، ولقب بـ«الحليف الأمين للحكومة البريطانية» في الشهر ذاته، كما ظهر على غلاف مجلة «تايم» في فبراير (شباط) 1937.

وفي عام 1931، أراد عثمان علي خان أن يزوج ولديه لبنات ذوات أصول ملكية، ووقع اختياره على الأميرة «در الشهوار» ابنة الخليفة العثماني الأخير السلطان عبد المجيد الثاني، وكانت في السابعة عشرة من عمرها، وأتم زواجها على ابنه الأكبر «أعظم جاه»، كما أنه اختار الأميرة «نيلوفر»، حفيدة السلطان مراد الخامس لتكون زوجة ابنه الثاني «معظم شاه».

وأثناء الاستعمار البريطاني للهند، كانت «حيدر آباد» أكبر ولاية بين 560 ولاية هندية تحت سيطرة الاستعمار، وكان لها جيشها الخاص، وخط سكة حديد خاص بها يسمى سكة حديد «ولاية نظام»، وعملتها الخاصة، وخدمة بريدية خاصة بها، وكان عثمان علي خان يريد جعل حيدر آباد دولة ذات سيادة ومستقلة بعد زوال الاستعمار البريطاني، إلا أن محاولاته قد باءت بالفشل.

نهاية حكم عثمان علي خان وانضمام «حيدر آباد» إلى الهند

مع استقلال دولتي الهند وباكستان عام 1947، رفض عثمان علي خان التوقيع على انضمام حيدر آباد إلى أي منهما، بينما بدأت الهند تستحوذ على المناطق الموجودة تحت ولايته وأنشأت إدارة هندية في جميع أنحاء الولاية في 19 سبتمبر (أيلول) 1948، رغم مخاطبة عثمان علي خان لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لاستخدام الضغط الدولي لوقف غزو الهند لحيدر آباد.

وحينما أدرك علي خان أنه لن يستطيع مجابهة الهند وجيشها القوي، قرر أن يسعى إلى أي تسوية سياسية ممكنة مع الهند، وشكَّل حكومة جديدة، إلا أن القرارات الهندية صدرت بألا تكون هناك حكومة أو لجنة مساعدة لعثمان علي خان.

كان هذا القرار صدمة بالنسبة لعثمان علي خان، فقد أدرك حينها أن السيادة لا يمكن أن تؤول إليه، فهكذا تنتقل من البريطانيين إلى الهند، وقررت حكومة الهند وضع حراسة شخصية لعثمان علي خان لضمان سلامته وسلامة ممتلكاته.

وأعلن علي خان أن «حيدر آباد» ستخضع للدستور الجديد، والذي بسريانه قررت المحكمة العليا في الهند أن عثمان علي خان لم يعد يتمتع بالسيادة، ونُصب باسم «راج براموخ Rajpramukh» في 26 يناير 1950، وهو لقب إداري كان موجودًا في الهند منذ استقلالها في عام 1947 حتى عام 1956، ويعني حاكمًا معينًا لمقاطعة وولاية هندية معينة.

صورة من تشييع جنازة عثمان علي خان
صورة من تشييع جنازة عثمان علي خان. مصدر الصورة: the news minute

توفي عثمان علي خان في 24 فبراير (شباط) 1967، وأعلنت الدولة اليوم التالي حدادًا على وفاته، وظلت المكاتب الحكومية للولاية مغلقة علامة على الاحترام، بينما كان العلم الوطني يرفرف في نصف الصاري على جميع المباني الحكومية في جميع أنحاء الولاية، وحضر تشييع جنازته الملايين.

ثروة طائلة و«عيش رث».. الحياة الغريبة لعثمان علي خان

وفقًا لمجلة «تايم»، فقد كان الدخل اليومي لعثمان علي خان 5 آلاف دولار تقريبًا، وكان يمتلك مجوهرات بقيمة 150 مليون دولار، في حين بلغ رأس ماله مليارًا و400 مليون دولار، ناهيك عن «مناجم جولكوندا» الأسطورية، كما أنه يحتل المرتبة السادسة في قائمة أغنى 10 أشخاص على الإطلاق (أعدها موقع History Extra)، بثروة طائلة تشمل مناجم الألماس الأعلى إنتاجية في العالم، وصناعة اللؤلؤ.

وكما جاء في الجارديان، فإن حدائق قصره كانت مليئة بالشاحنات المحملة بسبائك الذهب، وكانت مجوهراته كثيرة جدًّا، لدرجة أن اللؤلؤ وحده سيغطي جميع أرصفة ميدان «بيكاديللي»، وتضمنت المجموعة ماسة جاكوبي الأسطورية، وهي جوهرة تزن 185 قيراطًا.

ورغم ثرائه الفاحش، فإنه كان زاهدًا للغاية، فقد كان عثمان علي خان يعيش في «الملك كوثي» أي القصر الملكي، ولكنه ليس اسمًا على مسمى، فهو مبنى مكون من طابقين، ويوجد على طريق جانبي ضيق.

وكان عثمان علي خان يرتدي ملابس بالية غير مهندمة، وفق ما ذكره مؤلف كتاب «THE LAST NIZAM AND HIS PEOPLE»، كما وصفه الملحق الصحفي، آلان كامبل جونسون، في كتابه «Mission with Mountbatten» بأنه كان يرتدي ملابس رثة (رداء من القطن الأبيض الرقيق وبنطلون أبيض وحذاء بني اللون وجوارب بنية وطربوش من اللون ذاته) وكانت أسنانه في حالة يرثى لها.

وبسبب مظهره المتواضع وملابسه الرثة، رغم ثرائه الطائل، انتشرت الأقاويل عن بخله الشديد، ولكن وفقًا لشهادات الشهود، وتبرعاته السخية، فلا مجال لتأكيد تلك الأقاويل، فقد تمكن موقع «ميديام-medium» من مقابلة أحمد عبد العزيز الجندي المتدرب السابق في جيش ولاية حيدر آباد، الذي عمل في «سرف خس»، وهو الأمن الخاص السابع لنواب مير عثمان علي خان بعد عام 1948.

ووفقًا لشهادة هذا الجندي، فقد اتصف عثمان علي خان بالكرم، فبعد ضم «حيدر آباد» إلى سيادة الهند، وفَّر علي خان عملًا لديه للعديد من أفراد جيش ولاية حيدر آباد المنحل حتى لا يسقط الجنود السابقون في البطالة، كما اعتاد علي خان شراء السلع في المزادات لمساعدة العائلات التي كانت تواجه أزمات مالية، كذلك، فقد تبنى أطفالًا بغرض مساعدة عائلاتهم.

وكذلك تبرع عثمان علي خان بالكثير من الأموال للجمعيات الخيرية خلال حياته، كما صرف 300 ألف روبية بدلًا من 75 ألفًا كان قد طلبها إمام مسجد جامع في دلهي لإصلاح الأرضيات، هذا بالإضافة إلى إنشاء أماكن مثل جامعة عثمانية والعديد من الكليات الأخرى في منطقة المدينة القديمة، وبنك ولاية حيدر آباد، ومستشفى «نيلوفر»، ومستشفى عام، كما أنشأ محكمة حيدر آباد العليا، التي جرى افتتاحها عام 1920، والتي لا تزال تعمل من المبنى نفسه.

5 آلاف طنًّا من الذهب لمساعدة الهند

بعد انتهاء الحرب مع باكستان عام 1965، واجهت الهند الحرب الصينية الهندية الثانية عام 1967، والمعروفة باسم «اشتباكات ناثو لا وشو لا» على طول حدود مملكة «سيكيم» في جبال الهيمالايا، ولم يكن أمام رئيس الوزراء -آنذاك- «لال بهادور» سوى جمع الأموال لمواجهة التهديدات المحتملة، فأنشأ صندوقًا للدفاع الوطني، وناشدت الحكومة الراجاوات لتقديم المساعدة، ولكن لم يأت دعمهم كما كان ينبغي.

ولم يتبق أمام لال بهادور سوى التوجه إلى عثمان علي خان ليطلب منه المساهمة في صندوق الدفاع الوطني، فأعلن عثمان مساهمته في الصندوق بخمسة أطنان من الذهب، وهو ما يعد رقمًا قياسيًّا لأكبر مساهمة شخصية على الإطلاق حتى الآن.

ولم تقف الحدود عائقًا أمام تبرعات عثمان علي خان، فقد تبرع بأكبر وقف في فلسطين، إلى جانب تبرعه بمبلغ 100 ألف روبية خلال الأربعينيات للفلسطينيين، ووفقًا لموقع سياسات ديلي، ففي عام 1936، اقترح عثمان علي خان، تركيب محطة كهربائية جديدة وأضواء في المسجد النبوي في المملكة العربية السعودية، على نفقته، وكان هذا بعد تعطل المحطة القديمة التي قد ركبها من قبل الحكام العثمانيون، كما أرسل علي خان بهذا كبير المهندسين بإدارة الأشغال العامة في حيدر آباد، إلى المدينة المنورة للإشراف على تنفيذ المشروع.

وسعى عثمان علي خان أيضًا إلى ترميم قبور الصحابة في جنة البقيع بالمدينة المنورة بما في ذلك قبور الخلفاء الإسلاميين الأوائل، كما تضمن المشروع ترميم مقبرة جنة المعلاة في مكة المكرمة، حيث دُفن الصحابة الآخرون.

هدية عثمان علي خان: أغلى جوهرة في مجموعة الملكة إليزابيث

في عام 1947 أهدى عثمان علي خان للملكة إليزابيث (أميرة آنذاك) بمناسبة زواجها من الأمير فيليب، عقدًا باهظ الثمن من تصنيع مجموعة «كارتييه» لتصميم وتصنيع المجوهرات، وكان مكونًا من سلسلة طويلة تضم 28 ألماسة بيضاوية الشكل، مع مركز العقد المرصع بقلادة مزدوجة قابلة للفصل، تضم 13 ألماسة مقطوعة بشكل معدن الزمرد وأخرى على شكل الكمثرى.

الملكة إليزابيث ترتدي العقد الذي أهداه إليها نظام عثمان علي خان
الملكة إليزابيث ترتدي العقد الذي أهداه إليها نظام عثمان علي خان. مصدر الصورة: harpers bazaar

كان عثمان علي خان قد طلب من كارتييه أن تسمح للأميرة باختيار هديتها بنفسها، فاختارت العقد بالإضافة إلى تاج بتصميم الورود، به وردة إنجليزية كبيرة في الوسط، حولها اثنتان أصغر حجمًا، وكانت الورود قابلة للفك، وهو ما دفع الملكة لتحويلهم فيما بعد إلى ثلاثة دبابيس مختلفة (بروش) ترتديها دائمًا.

وقدَّر الخبراء في «jewellery box» سعر القلادة حاليًّا بمبلغ 66.3 مليون جنيه إسترليني، ووفقًا لخبراء المجوهرات الفاخرة وخواتم الخطوبة في «Steven Stone»، تقدر قيمة هذه الدبابيس بمبلغ 80 ألف جنيه إسترليني، ولم تقتصر هدايا عثمان علي خان لبريطانيا على هدية الملكة إليزابيث، فقد تبرع لبريطانيا خلال الحرب العالمية، بمبلغ 100 مليون دولار أمريكي، بالإضافة إلى الكثير من الإمدادات ووحدات كاملة جيش حيدر آباد.

تاريخ

منذ شهرين
أحرق عاصمته وأكرم العلماء ثم أطعمهم «فضلاتهم»! سلطان الهند «المضطرب» محمد طغلق

المصادر

تحميل المزيد