خلال السنوات الأخيرة، وفي ظل وتيرة الحياة السريعة؛ شهدنا تغييرًا جذريًا في صناعة الدراما والأفلام، خاصةً بعد ذيوع صيت أستوديوهات «مارفل» وانتشار منصات البث ودخولها عالم الإنتاج؛ الأمر الذي جعل الجمهور يفكر مليًا كل مرة ينوي الذهاب فيها إلى دور العرض، فلماذا يتكبد أحدهم عناء الخروج من المنزل وتحمّل تكلفة مادية إذا كان هناك ما يمكنه الاستمتاع به دون أن يغادر أريكته؟

ومع زيادة الحركات المناهضة للعنصرية والتمييز الجنسي والعنف ضد المرأة؛ تغيّر المشهد أكثر، ثم تضاعف ذلك كله إثر تفشّي جائحة كورونا، فمن جهة صارت الأستوديوهات تحاول ألا تنفق أموالًا طائلة في الإنتاج، ومن جهة أخرى باتت تتخيّر الأعمال التي تستحق العرض ويمكن الرهان عليها لحصد الإيرادات؛ وهو ما نتج عنه بالتبعية شبه اختفاء لبعض الفئات، وقلة الأعمال المعتمدة على بطولات جماعية، والأهم ندرة الأعمال ذات الميزانيات المتوسطة خاصة التي ستطرح في السينمات. لتصبح غالبية الأفلام الجديدة إما ذات ميزانية بسيطة أو ضخمة جدًا، والتي اختص بها الأفلام التي يحتاج الناس إلى مشاهدتها على شاشة كبيرة للاستمتاع بالمؤثرات البصرية والصوتية.

لكل ما سبق وبالنظر إلى الخلف؛ سنجد أن الكثير من الأفلام التي استمتعنا بها في وقت سابق إذا ما طُرحت اليوم على جهات الإنتاج؛ لن يقبلوها لأنها ستبدو لهم خسارة مستقبلية لا غبار عليها، وسواء أعجبكم ذلك أم لا، إليكم قائمة ببعض الأفلام التي برغم كل النجاح الذي حققته وقت العرض ما كنا لنشاهدها اليوم.

1- «As Good As It Gets»: لهذه الأسباب اختفت أفلام «اللايت-كوميدي»

طوال الثمانينيات والتسعينيات كانت أفلام «الرومانتيك-كوميدي» من العلامات المميزة لتلك الحقبة؛ فالحبكات جاءت معظمها ممتعة ولا تخلو من الخفة والرومانسية، وبالوقت نفسه كان هناك الكثير من الدراما والتمثيل الجيد والرشيق من ممثلين كبار وذوي شعبية. 

«As Good As It Gets» أحد أفضل وأشهر أفلام تلك المرحلة، فالعمل لعب بطولته كل من جاك نيكلسون وهيلين هنت، ويحكي عن كاتب موهوب مُصاب بالوسواس القهري؛ مما يجعله يتصرف بحدة وعصبية وتشكك معظم الوقت، ويتقاطع طريقه بالصدفة مع جاره الذي يتعرّض للسرقة، ونادلة مطحونة تُربي بمفردها طفلها الذي يعاني من حساسية الصدر المزمنة؛ الأمر الذي يجعل حياتها أكثر مشقةً وتعقيدًا، ومع توالي الأحداث نشهد ما يجري لثلاثتهم عبر قصة طريفة وجذابة.

 وبالرغم من أن الفيلم فاز وقت عرضه بجائزتي «أوسكار» وثلاث جوائز «جولدن جلوب» وتجاوزت أرباحه 314 مليون دولار، فإن الأستوديوهات لم تكن لتقبل إنتاجه حاليًا؛ إذ بلغت ميزانيته وقتها 50 مليون أي بما يعادل 85 مليون حاليًا، ولمّا كانت الأستوديوهات تتجنب المخاطرة واستثمار المال بمثل هذا النوع من الدراما غير مضمون الجمهور، وبما أن ميزانيات الأفلام الكوميدية-الرومانسية خلال السنوات الأخيرة باتت تتراوح بين 10 و20 مليون أو 30 مليون على الأكثر، صارت فرصة استمتاعنا بعمل مشابه اليوم ضربًا من الخيال.

2- «Titanic»: آخر ملاحم الإنتاج الكبرى

ملحمة لا تشبه أي شيء آخر، هكذا يمكننا وصف فيلم «تيتانيك» الذي صدر عام 1997 وبلغت ميزانيته 200 مليون دولار فيما حصد إيرادات وصلت إلى 2.2 مليار وترشح إلى 14 جائزة «أوسكار» حصد منهم 11 جائزة، ليصبح أول عمل تتخطّى أرباحه مليار دولار بل والأكثر ربحًا على الإطلاق، وظل هكذا حتى صدور فيلم «Avatar» الذي تخطت إيراداته 2.8 مليار عام 2009.

هذا المستوى من الملاحم التاريخية باهظ التكلفة لم تعد هوليوود تسعى لإنتاجه بسبب ضَعف مردودها المادي، ربما باستثناء بعض أفلام الحروب التي تُنتج وتنافس على الجوائز بين حين وآخر، ولعل أشهر ما قُدّم ضمن هذه الفئة فيلم «Dunkirk» الذي أنتج في 2017 وتراوحت ميزانيته بين 100 و150 مليون دولار في حين لم تتجاوز إيراداته 527 مليون.

3- «Basic Instinct»: الأفلام العائلية أكثر ربحًا الآن

تدهور سينمائي وجماهيري كبير شهدته هوليوود في السبعينيات، وفي محاولة من صناع السينما لإنقاذ الموقف وقتها والاستمرار في المنافسة، تفتّق ذهنهم عن إضافة المشاهد الجنسية إلى الأفلام ولكن بقدر وحذر؛ منعًا من أن يصير العمل بذيئًا أكثر من اللازم فتحظره الرقابة، وإن كانت الرقابة مع الوقت بدأت تتراجع وتتهاون أمام المشاهد الجنسية شيئًا فشيئًا وهو ما استمر على مدار عدة عقود.

هكذا شهدنا «Last Tango in Paris» وإن كان من أشهر أفلام تلك الفئة: «Basic Instinct» الذي ترشح لجائزتي «أوسكار» وجاء من بطولة شارون ستون ومايكل دوجلاس، قبل أن يحصد أرباحًا قاربت من 353 مليون دولار. ومع أن العمل نال وقت عرضه تقييمات نقدية مختلطة، إلا أنه أبرز اسم شارون ستون كممثلة لن تلبث أن تصبح ذات شأن، وهو ما تحقق بالفعل طوال التسعينيات.

لكن، الآن ومع اهتمام أكبر الأستوديوهات باستقطاب كافة أفراد العائلة إلى دور العرض؛ كونهم يحصدون من ورائهم القسط الأكبر من الإيرادات، لم يعد من المناسب إنتاج مثل هذه الأعمال بهدف الاستثمار من خلالها.

4- «Ace Ventura: Pet Detective»: خطاب الكراهية الذي لن يقبله أحد

على مدار أكثر من 10 سنوات ظل جيم كاري يُنظر إليه باعتباره موهبة تليفزيونية قوية، وهو ما تغير في عام 1994 إثر حضوره الطاغي واللافت؛ ففيه قدّم كاري ثلاثة أفلام هي «Ace Ventura: Pet Detective» و«The Mask» و«Dumb and Dumber» الذين بلغ إجمالي إيراداتهم 550 مليون دولار؛ مما جعله ثاني أعلى نجم في شباك التذاكر في عام 1994 بعد توم هانكس لتُفتح له منذ ذلك الحين أبواب السينما.

الفيلم الأول في تلك السنة كان «Ace Ventura: Pet Detective» الذي تصدّر شباك التذاكر لعدة أسابيع متفوقًا على الكثير من الأفلام المنافِسة؛ إذ سرعان ما تحمّس الجمهور تجاه حركات وأساليب كاري المجنونة والهستيرية. غير أن جماهيرية الفيلم الكبيرة لم تشفع له لدى النقاد، الذين وجدوا الفيلم مُسيئًا للمثليين والمتحولين جنسيًا؛ الأمر الذي جعل الكوميديا التي يقدمها الفيلم ليست فقط غير مضحكة وإنما مهينة ومليئة بالكراهية وأحيانًا البذاءة. ومع ذلك لم يحل هذا دون إصدار جزء ثان من العمل في 1995، بل إنه تفوق على الأول من حيث الإيرادات والشعبية.

5- «Me, Myself & Irene»: عار الإساءة إلى المرضى النفسيين

جدير بالذكر أن هذا ليس العمل الوحيد لجيم كاري، الذي لم يكن ليُعاد إنتاجه بمقاييس العالم الآن، فهناك أيضًا فيلم «Me, Myself & Irene» الذي لعب فيه كاري شخصية رجل مصاب بالفصام، وهو ما صُوِّر بطريقة سيئة وتُرسِّخ لمفاهيم خاطئة طبيًا ونفسيًا، حتى أن منظمة «التحالف الوطني للأمراض العقلية» أعلنت -وقتها- احتجاجها الرسمي ضد الفيلم الذي وصفته بوصمة العار ووجدته يمثل جهلاً فادحًا وعدم حساسية تجاه الأشخاص المصابين بالأمراض العقلية وأُسرهم. 

 وهو ما تلاه إرسال المنظمة خطابًا إلى رئيس شركة «20th Century Fox Film» مُطالبةً إياه بالتعاون مع كاري وبث مقابلات ترويجية وإعلانات الخدمة العامة (PSAs) غير الهادفة للربح وإنما لتوعية الجمهور، على أن يتضمن المحتوى توضيح الفرق بين الفصام باعتباره اضطرابًا دماغيًّا حادًّا وبين اضطراب الهوية التعددي أو تعدد الشخصيات؛ وهو ما استجابت له «فوكس» بالتأكيد على أن الفيلم محض كوميديا لا أكثر ولا أقل.

وإن كانت مثل هذه الأعذار أو المواد الفنية قُبلت خلال التسعينيات وأول القرن الحالي، فإنها دون شك مستحيلة الآن، وإذا ما فكر أحدهم في تقديم مثلها فلسوف يتعرّض لهجوم ونوبات غضب جماهيرية لن ترحمه، بل وقد تقضي على مستقبله الفني بأكمله. 

6- «Shallow Hal»: العنصرية في العسل

فيلم «Shallow Hal» من الأفلام الكوميدية التي أحبها الكثيرون وقت عرضها، حتى أنه ألهم صناع السينما في مصر لتقديم نسخة مُعرّبة منه باسم «حبيبي نائمًا»، لكن ورغم ذلك فإن صُنّاعه سيُتَّهموا بالعنصرية إذا ما حاولوا تقديمه الآن، فالعمل يتمحور حول رجل يُنوَّم مغناطيسيًا من أجل إيقاعه بحب امرأة سمينة وحتى يستطيع أن يراها جميلة ورشيقة. بالطبع عيب الفيلم لم يقف عند حدود الفكرة التي بُنيت عليها القصة وإنما تضمّن الكثير من النكات التي تسخر من السِمنة وأصحابها. 

7- «كوكب القرود»: تأريخ عنصرية الرجل الأبيض!

النموذج الثاني للأفلام التي حملت جانبًا من العنصرية زاد أو نقص، فيلم «Planet of the Apes» الذي صدر في 1968 ويُعد بمثابة أحد الكلاسيكيات المعروفة بفئة الخيال العلمي؛ إذ حقق نجاحًا ضخمًا وقت عرضه حتى أنه ألهم صناعه إلى إصدار أربعة أجزاء أخرى ومسلسلين تليفزيونين وعدة مسلسلات مصورة، بل وأُعيد إنتاجه في نسخة أخرجها تيم بورتون في 2001، وصدرت عنه سلسلة «Reboot» بدايةً من 2011، شهدنا منها حتى الآن ثلاثة أجزاء ومن المُفترض أنه يتم التحضير للجزء الرابع بالوقت الحالي، ليصبح إجمالي أرباح الأعمال كافةً 2.2 مليار دولار.

كل ما سبق قد يجعل البعض يتعجب من وجود «Planet of the Apes» ضمن هذه القائمة التي لن يعاد إنتاجها اليوم، لكن الفيلم بقدر ما هو أسطورة فنية، فقد وجده الكثيرون يستعرض قضايا مثيرة للجدل ويُسلّط الضوء على العلاقات المعقدة بين العِرق والسياسة والثقافة الشعبية في أمريكا، وهو ما وصل حد توجيه الاتهامات لصناع العمل بتأريخ العنصرية، مبرهنين ذلك بكون القرود ذات البشرة الفاتحة كانوا هم المُسيطرين والمُتحكمين خلال الأحداث، فيما جاءت القرود ذات البشرة الداكنة بالمرتبة الثانية بخضوعهم للسلطة والأوامر. 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد