كان الأربعاء 5 مايو (أيار) 2021 يومًا استثنائيًّا في فلسطين؛ إذ أطل رجل الظل وقائد هيئة أركان كتائب القسَّام بخطابٍ موجهٍ إلى إسرائيل، يهددها بأنه «إن لم يتوقف العدوان على أهلنا في حي الشيخ جراح في الحال، فإننا لن نقف مكتوفي الأيدي، وسيدفع العدو الثمن غاليًا»، ليضع الخطاب الكرة في ملعب إسرائيل لتكون هي المسؤولة عن التصعيد ونتائجه.

وطبَّق هذا التهديد حرفيًّا في 12 (مايو) أيار 2021، بقصف دشَّنته كتائب القسام، الذراع العسكرية لـ«حركة المقاومة الإسلامية (حماس)»، بمشاركة فصائل المقاومة الأخرى، لتبدأ جولة جديدة أظهر فيها القسام بقيادة الضيف تطورات عسكرية جديدة: صواريخ مصنعة محليًّا قادرة على تجاوز الدفاعات الإسرائيلية، ومسيرات وغواصات لم تُوظَّف في الجولات السابقة.

كل ذلك، صبَّ التركيز على رجل القسَّام الذي قلب موازين القِوَى وأدار المعركة الأخيرة ببراعة، مجبرًا المجتمع الدَّوْليَّ على الالتفات من جديد لفلسطين والشعب الفلسطينيِّ، فمن هو قائد معركة «سيف القدس»؟

«الضيف».. أسطورة شعبية للمقاومة عمرها أكثر من 30 عامًا

خلال العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، علت أصوات الزغاريد في مدرسة تؤوي نازحين من أهل القطاع المُحاصر، لم تكن زغاريد النصر الذي حققته الفصائل الفلسطينية على الجيش الإسرائيلي بعد إخضاعه لإعلان وقف إطلاق النار، ولكن الحدث كان ولادة طفل جديد قررت عائلته أن تسميه بمحمد الضيف، لأن الاسم يعود، كما تقول عائلته، لرجل «بيرفع الرأس ووهب نفسه لفلسطين والمقاومة، ونحن على دربه نسير».

وُلد محمد الضيف عام 1965 لأسرة فلسطينية لجأت عام 1948 من بلدة القبيبة في قضاء عسقلان، واسمه الكامل هو محمد دياب إبراهيم المصري، وشهرته هي «محمد الضيف»، ويُقال إن هذا اللقب جاء لكثرة تنقُّله خلال مطاردته في التسعينيات ونزوله ضيفًا في بيوت الناس احتماءً من قوات الاحتلال، وقد استقرت أسرته في مخيم خان يونس جَنُوب قطاع غزة.

ومنذ تسعينيات القرن الماضي تطارده إسرائيل بلا نتيجةٍ، وتحاول تشويه صورته بألقاب مثل «رأس الأفعى» و«ابن الموت».

جزءٌ من وثائقيٍّ لقناة الجزيرة، يتحدثُ فيه محمد الضيف عن كتائب القسام وعملها العسكري

بدأ عمل الضيف العسكري بعد التحاقه بالنشاط الطلابي الإسلامي في الجامعة الإسلامية في غزة، وانتقل من العمل الطلابي إلى العمل في أولى المجموعات العسكرية التي شكَّلتها حركة حماس، ليتنقَّل بين غزة والضفة المحتلة خلال الانتفاضة الأولى، مُشكِّلًا مجموعات عسكرية بأمر من القائد الأول لكتائب «القسام»، الشيخ صلاح شحادة، والذي اغتاله الاحتلال عام 2002.

ومنذ ذلك الوقت وحتى اليوم، تحاول إسرائيل اغتيال الضيف، وهو على رأس قائمة المطلوبين لديها لما يقرب من ثلاثة عقود، بحسب تصريح هيداي زيلبرمان لصحيفة «نيويورك تايمز»، وهو المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي.

الضيف يُناور آلة القتل الإسرائيلية

ناورَ الضيف مع الاحتلال الإسرائيلي حتى أصبح الرَّقْم الصعب الذي فشلت أجهزته الأمنية والعسكرية عن اقتناصه، ولم تُسرَّب له إلا صورة واحدة عندما اعتقلته إسرائيل عام 1989، مع الشيخ أحمد ياسين، مؤسس حركة حماس، وقضى حينها 16 شهرًا في سجون الاحتلال موقوفًا دون محاكمة، بتهمة العمل في الجهاز العسكري لحركة حماس.

برزَ الضيف من جديد في كتائب القسام بعد اغتيال المُقاوم عماد عقل عام 1993، صاحب نظرية «القتل من المسافة صفر»، ثمَّ قاد الضيف «عمليات الثأر المقدَّس» عام 1996 التي أوقعت أكثر من 50 قتيلًا إسرائيليًّا ثأرًا لاغتيال القائد القسامي يحيى عيَّاش.

وفي مايو (أيار) 2000، وبسبب خطورته، اعتقلته السلطة الفلسطينية بالتنسيق مع إسرائيل، مقابل أن تُعطي الأخيرة للأولى سيطرةً أمنية على ثلاث قرى في القدس، ولكنه نجح في الهروب من المُعتقل مع اندلاع انتفاضة الأقصى في سبتمبر (أيلول) من العام نفسه.

صورة قديمة ونادرة لمحمد الضيف

ونظرًا إلى الدور المركزي الذي يلعبه الضيف في تطوير قدرات كتائب القسام، تعرَّض لأكثر من ثماني محاولات اغتيال في 2001 و2002 و2003 و2006 و2014، وكان آخرها في مايو (أيار) 2021؛ إذ قال جيش الاحتلال الإسرائيلي إنه فشل مرتين في اغتيال الضيف في المعركة الأخيرة.

كانت محاولة اغتياله في حرب عام 2014 الأكثر دموية؛ إذ قتل الاحتلال الإسرائيلي في تلك المحاولة زوجته وداد وأحد أبنائه، في غارة جوية استهدفت منزلًا من ثلاثة طوابق، بضربة من ستة صواريخ من طائرة «إف-16» سوَّت المنزل بالأرض، وفي المحاولات المستمرة لاغتياله فقدَ الضيف عينه ويده، وأصيب بأضرار عصبية من شظايا، وتضرر سمعه وأصيب بالعرج.

العقل المدبر لتطوير سلاح القسَّام

حتى المعركة الأخيرة، لم يظهر الضيف في تسجيل إعلامي إلا في حرب 2014، ليُطل من جديد في الأيام الماضية بتصريحه المكتوب النادر مهددًا إسرائيل بالتدخُّل عقب اقتحام الأقصى ومحاولات التهجير القسري لفلسطينيي حي الشيخ جراح في القدس؛ ما جعل من شعار «إحنا رجال محمد ضيف» من أكثر الشعارات ترديدًا في مظاهرات الفلسطينيين في القدس وباقي فلسطين.

وبعد «التحذير الأخير»، وهو وصف أطلقه ناشطون على بيان الضيف، أطلقت كتائب القسام صواريخها على مدن مختلفة وجديدة لم تصل إليها صواريخ حماس من قبل، وبحسب حسن أبو هنية، الخبير في الجماعات الإسلامية، فمنذ تولي الضيف قيادة الجناح العسكري لحماس بشكل حقيقي، بات واضحًا أنَّ هناك تطورًا على تركيبة كتائب القسام، وأصبحت أشبه بجيش، بمعنى أنه «كان هناك ما هو أشبه بجناح عسكري بسيط، ولكن الآن حتى التسمية اختلفت» لتكون «هيئة الأركان، وكأنها تركيبة جيوش».

خطابٌ مسجَّل لمحمد الضيف في العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2012

ويرى أبو هنية في حديثه مع «ساسة بوست» أن تطوير الضيف للعمل العسكري والأمني والاستخباراتي في القسام، وتطوير المنظومة الصاروخية، وإنشاء وحدة «الضفادع البشرية» أو غواصات البحر، فضلًا عن الطائرات المسيرة، وبناء شبكات أنفاق يمكن من خلالها لمقاتلين مدربين تدريبًا عاليًا التسلل إلى إسرائيل، وحتى على المستوى الإعلامي في تصدير «أبو عبيدة» وترجمة كلماته على الأرض، كل هذه التحركات قلبت المعادلة في المعركة الأخيرة، «لتصبح إسرائيل عمياء، أي لا تستطع عمل ما كانت تفعله سابقًا».

الاحتلال الإسرائيلي

منذ شهرين
«الملثَّم أبو الكوفية».. أبو عبيدة لسانُ كتائب القسام ووجه المقاومة الفلسطينية

ويرى أبو هنية أن النقلة النوعية التي أحدثها الضيف في كتائب القسَّام تأتي من الطابع الشخصي للضيف وأثره في القسام، وخصوصًا أن حركات المقاومة، وحتى في بعض الجيوش التقليدية أحيانًا، يكون للعامل الشخصي دور كبير، وفي حالة الضيف الذي تمَّرس في العمل الميداني والعسكري منذ تشكيل كتائب القسام وعاشر المؤسسين للحركة، تحول محمد الضيف إلى أسطورة، وسمحت له مكانته من ضبط الهياكل ضمن المؤسسة العسكرية وأصبح مرجعية مقبولة فيها، بحسب تحليل أبو هنية.

يبرع الضيف في التخفي الشخصيِّ، ولربما هذا ما ساعد على إخفاء الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط بعد أسره عام 2006، في قطاع لا تزيد مساحته عن 150 ميلًا مربعًا ومكتظٍّ بأقل من مليوني نسمةٍ آنذاك، وعن الضيف وقدراته يقولُ آفي ديختر، قائد جهاز «الشاباك» السابق في غزة: «هدفٌ يتمتع بقدرة بقاء غير عادية، ويحيط به الغموض، ولديه حرص شديد على الابتعاد عن الأنظار، وفي كلِّ مرة ينجو فيها من الاغتيال تزداد قداسته».

المستقبل السياسي

الحضور المميز والواسع لمحمد الضيف في الساحة الفلسطينية في الداخل وفي الشتات، طرح تساؤلات في خيال الفلسطينيين إذا ما كان الضيف سيقود يومًا ما العمل السياسي لحركة حماس، خاصةً بعد تحوله، رغم تخفيه، لوجهٍ عالمي ووطني لقيادة المقاومة.

وعن هذا يقول حسن أبو هنية لـ«ساسة بوست» إنّه «لا يعتقد أن الضيف يطمح شخصيًّا بالتحول إلى الجناح السياسي في حركة حماس، أو تولي المسار السياسي، فهو يريد الحفاظ على مركزه قائدًا عسكريًّا، ففي الأسبوعين الأخيرين تحول الرجل من قائد أركان لكتائب القسَّام، لقائد أركان فلسطين والشعب الفلسطيني وكافة الفصائل».

وبالتالي فإن الضيف هو موضع إجماع بوصفه قائدًا عسكريًّا، ولو أراد أن ينتقل للضفة السياسية فيستطيع ذلك، وبحكم دراسة أبو هنية للضيف فإن «قائد أركان كتائب القسام ليس لديه رغبة في ذلك».

ومن الطبيعي أن يظلَّ الضيف في الجناح العسكري لحماس، الذي يرى أن المقاومة المسلَّحة وحدها هي الحل، لا الحلول السياسية التي لم تحفظ حقوق الفلسطينيين منذ اتفاقية أوسلو وحتى اللحظة. هذا التحليل أيَّده صحافيون فلسطينيون ومصدرٌ لـ«ساسة بوست» في حركة حماس؛ إذ أجمعوا على أن مسيرة الضيف التي مضى عليها أكثر من ثلاثة عقود ستظل عسكرية، وأمَّا تحوله للمسار السياسي فلن يفضي إلى نتيجة، خاصةً وأن هنالك حربًا من دول عربية وغربية على حركة حماس أفضت في بعضها إلى تصنيفها حركة إرهابية.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ شهرين
عز الدين القسام.. من هو الشيخ الذي يطارد شبحه الإسرائيليين حتى اليوم؟

المصادر

تحميل المزيد