قدست الميثولوجيا الإغريقية الجبال، واعتقدت أن الآلهة يسكنونها، فللجبال رهبة تشبه رهبة البحار، لأنها تخبئ بين طياتها الكثير، وتغري بتسلقها، ولكنها لا تقدم دائمًا ضمانات للأمان، هي لا تقدم أي التزام نحوك، لكنها تعدك بالسحر إذا استكشفتها.

وتحكي قصص تسمية الجبال تاريخ البلاد، تاريخ استعماري من الكولونيالية إلى ما بعدها، وقصص فض نزاعات، ورؤساء يرحلون ويجيئون، وضغط سياسي، وقصص بشر رحالة مرّوا من هنا، يملؤهم هوس الاكتشاف، ولغات مندثرة يستميت أصحابها للحفاظ على كلمة منها لآلاف السنوات، يحفظ اسم الجبل وجودهم.

أما وضع اسم بعينه لجبل على الخريطة، فهو يتطلب المرور بعدة خطوات، وجمع موافقات من عدة جهات، وتعقيدات شديدة البيروقراطية، لكن من أين جاءت أسماء هذه الجبال؟ وهل من الممكن أن تتغيّر؟ وهل هناك بروتوكول معين لتسميتها، أم هو مرتبط بحوادث بعينها؟

جبال الهندوكوش الأفغانية.. من ملجأ للمسلحين إلى حصنٍ للمتصوفة الأفغان

من أين تأتي أسماء الجبال؟

جاءت معظم أسماء سلاسل الجبال ممن سكنوا قمم هذه الجبال، حتى أنه في بداية القرن التاسع عشر كان يُسأل مرتادو الجبال، والرعاة، عن اقتراحاتهم لأسماء الجبال، ونجد أن جبل كيليمنجارو الذي يقع في تنزانيا، قد اتخذ اسمًا يعني «جبل إله الثلج»، باللغة السواحيلية، أما جبال الأنديز التي تقع في أمريكا الجنوبية، وتخترق الأرجنتين، وتشيلي، وبيرو، وبوليفيا، والإكوادور، وكولومبيا وفنزويلا فهناك فرضيتان لتسميتها، والاثنتان من لغة الكتشوا التي استخدمها الناس وسط هذه الجبال.

الفرضية الأولى أن كلمة «anti» تعني الشمال، أما الفرضية الثانية فتشير إلى الأنديز جاءت من «andi» والتي تعني «الرأس العالي». كما تَرجع جبال الألب لكلمة لاتينة قديمة تعني الأبيض، وهي إشارة للقمة الثلجية. أما سلسة جبال الهيملايا، أطول سلسلة جبال في العالم، والتي تقع في آسيا، وتمتد من نيبال إلى الهند والصين وباكستان وبوتان، فمن بين كل هذه اللغات التي تعبرها سلسلة الجبال، فقد سُميت باللغة السنسكريتية، وهي لغة هندية قديمة، ويعني الاسم «مَسكن الثلج».

وقد ظلت كثير من الجبال في السابق بلا اسم، وعندها أتى دور المستكشفين، وقد سُميت بعض الجبال بأسماء مكتشفيها، أو الدليل الذي قاد إليها، مثلما سُميّت سلسلة جبال إيفرست، أطول قمم جبلية في العالم  باسم المَسّاح الجغرافي جورج إيفرست، والقليل فقط أخذ أسماء نسائية.

Embed from Getty Images

والبعض  قد أخذ أسماء علماء مثلما في ممر جريمسيل الجبلي في سويسرا، وفي ولاية أوريجون في الولايات المتحدة الأمريكية، يقع جبل أنيرويد والذي أطلق عليه اسمه هوفمان فيليب، بعدما استخدم المقياس اللاسائلي لقيس ارتفاع البحيرة التي تقع أسفله، أما جبل بوهيميا والذي يقع في أويجون أيضًا، قد سُميّ باسم المستكشف جيمس بوهيميا جونسون، والذي يُعتقد أنه وُلد في منطقة بوهيميا في جمهورية التشيك، كما سُميت قمة جبل دياموند في 1852 باسم جون دياموند.

لا يكفي أن تكون رئيسًا لأمريكا كي تحظى بجبل على اسمك

أمر بينجامين هاريسون رئيس الولايات المتحدة الأسبق، في عام 1890 بإنشاء مجلس الولايات المتحدة المعني بالأسماء الجغرافية، أو «BGN» يختص بالمعلومات الجغرافية، وإحدى  مهامه هي الاختيار من مقترحات، الأسماء التي تُعرض عليه، ويرجع سبب ذلك إلى أنه في 1800 عندما كانت الولايات المتحدة تتوسع غربًا، كانت المعالم الجغرافية تُنعت بالشمالية والجنوبية، وكانت تمتلك أحيانًا أكثر من اسم.

الأمر بيروقراطي في تسمية أسماء الأماكن على الخرائط؛ فيخضع القرار النهائي في الولايات المتحدة لوضع اسم جبل على الخريطة، لموافقة ستة أقسام فيدرالية، بالإضافة إلى «وكالة المخابرات المركزية (CIA)»، و«مكتب نشر حكومة الولايات المتحدة»، و«مكتبة الكونجرس»، و«خدمة البريد بالولايات المتحدة»، ووكالات فيدرالية أخرى. ومهمة «BGN» هي الموافقة أو رفض العروض، وهذه الجهة تستقبل مئات الطلبات سنويًا لتغيير أسماء جغرافية، ثم تقوم بمراجعة الأسماء السابقة والتاريخية للخرائط، بعدها يتغير الإسم بالتصويت.

يُسمى سكان أمريكا الشمالية الأصليون «الأثاباسكان»، و«دينالي» هو اسم أطول قمة جبلية في أمريكا الشمالية، تحديدًا في ألاسكا، ويبلغ إرتفاع الجبل «6.168» مترًا، أي 20 ألف قدم، وتعني كلمة دينالي الشاهق بلغة السكان الأصليين. وقصة تسمية دينالي هي أحد الأمثلة لتاريخ تطور أسماء الجبال، لكن لا يسير الأمر دائمًا على نفس الوتيرة.

تبدأ القصة عندما احتلت روسيا ألاسكا عندها تغير اسم القمة الجبلية إلى «بولشايا جورا»، وتعني «الجبل الكبير»، ثم تغير اسم الجبل إلى «دينسمور» وذلك بعدما استطاع  فرانك دينسمور المنقب عن الذهب الوصول إلى سفح هذا الجبل، وذلك في عام 1889 ثم باع الروس ألاسكا لأمريكا في عام 1867، وقد تغير اسم قمة الجبل إلى «ماكينلي»، في عام 1896 بعدما سمع المنقب عن الذهب عن ترشح الرئيس ويليام ماكينلي للرئاسة، الرئيس الخامس والعشرين للولايات المتحدة الأمريكية.

Embed from Getty Images

لم يُكتب لماكينلي الثبات على اسمه  حتى بات يضرب به المثل في عدم استقرار الهويّة، ففي عام 2015  رأى الرئيس الأمريكي السابق أوباما أثناء زياته لألاسكا أنه من الأفضل إعادة الاسم الأصلي للقمة الجبلية، وهو «دينالي»، وذلك في العام 2015.

لكن الخلاف على اسم هذه القمة لم ينته، فقد استهجن الرئيس دونالد ترامب ما فعله أوباما لأنه في رأيه إهانة لولاية أوهايو محل ميلاد الرئيس ويليام ماكينلي، وأراد تغيير الاسم مجددًا إلى ماكينلي، لكن ترامب لم يعرف أنه لمدة 100 عام كان يُذكر جبل ماكينلي على الخرائط الفيدرالية، لكنه كان يُذكر على لسان العامة دينالي باسم السكان الأصليين، فما يُكتب على الخرائط يمكن تغييره، لكن ما يحفظه الناس في صدورهم لا يملك أحد تغييره.

غابات الأمازون تحترق.. سياسات «ترامب البرازيل» تخنق «رئتي الأرض»

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد