تعرض مقدمة فيلم «بوسطة» الصادر في عام 2005 صورة للمجتمع اللبناني متمثلًا في مجموعة متنوعة من الناس محشورة في ازدحام مروري معتاد على إحدى الطرق السريعة اللبنانية. بين العالقين في الزحام شباب، ورجال دين يمثلون مختلف الأديان والطوائف، وراهبات، ونسوة يرتدين الحجاب، ومزارعين ينقلون الأغنام في شاحنة، وسائح خليجي في سيارة دفع رباعي، وسيدة مجتمع لبنانية، وخادمة سريلانكية.

وفي قلب هذا المشهد كانت تقف حافلة الأبطال المتهالكة – وهم مجموعة من الراقصين – متعطلة في الزحام. ومع مرور الوقت، يصبح المشهد أكثر إثارة، وتتوالى الصرخات من هنا وهناك، ويقفز أحد الشباب من سيارته ويصرخ: «أين الدولة؟». في خضم ذلك الوضع يمرّ في الجانب المقابل بسلاسة موكب فخم لأحد السياسيين وسط حراسة الشرطة دون أن يعرقله الزحام. 

ذلك المشهد بكل تناقضاته يجسد التسلسل الهرمي الذي يعكس بدوره وضع لبنان الحالي، المنقسم بين من يتحركون بحرية وأولئك العالقين في الزحام.

جذور الغضب.. ما بين نشأة المشروع النيوليبرالي وحتى الانهيار الاقتصادي

تمامًا مثلما حدث في الفيلم، أظهرت موجة الاحتجاجات الأخيرة في البلاد عمق الانفصال بين السلطة والشعب في لبنان؛ إذ تتحدث أغلب التحليلات عن عجز النخبة الحاكمة عن فهم الاحتياجات الأساسية لشعبها، منشغلة بدلًا عن ذلك بإثراء نفسها.

وبالرغم من أن السبب الظاهر لاندلاع الاحتجاجات منذ بدايتها كان فرض السلطة ضريبة على محادثات «WhatsApp»، فإن الأسباب الخفية أعمق بكثير، وترسخت على مدار عقود، وتمخضت عن غضب عميق من النظم السياسية والاقتصادية، التي تتجاهل احتياجات الأغلبية العظمى من السكان وتغض الطرف عن مصالحهم.

منذ عقود يعاني لبنان من خلل سياسي وفساد مستشرٍ، وإثراء للبعض على حساب الأغلبية، وفق ملامح مشروع نيوليبرالي مثير للجدل ظهر في البلاد خلال ثمانينات القرن الماضي، ووصل معه اقتصاد البلاد في الوقت الراهن إلى مرحلة الانهيار، دون أن تغني عنه شيئًا تحويلات اللبنانيين في الخارج التي لطالما كانت الداعم الأكبر في مواجهة الصعاب. 

وفق تقرير التنمية الصادر عن الأمم المتحدة في 2018، فإن 30% من اللبنانيين (1.5 مليون شخص) يعيشون تحت حد الفقر (4 دولار في اليوم أو 120 في الشهر)، فيما يعيش 300 ألف شخص تحت حد 2.5 دولار في اليوم، وهو حد لا يلبي احتياجات الطعام الأساسية.

وبين عامي 1991 و2017، بلغ معدل البطالة 7.56% في المتوسط، فيما وصل معدل التضخم في يناير (كانون الثاني) 2019، 3.17% في ظل زيادة مطردة لأسعار المواد الغذائية بمعدل أكبر بكثير من باقي السلع. 

في المقابل، يسيطر 2% فقط من اللبنانيين على حصة تبلغ 17% من إجمالي دخل البلاد، فيما تبلغ حصة المجموعة الأدنى التي تمثل 59% من اللبنانيين على 22% من دخل البلاد. ولذلك، تحتل  لبنان المرتبة 129 من 141 دولة من حيث التوزيع المتساوي للدخل، في نتيجة واضحة لسيطرة المشروع النيوليبرالي في البلاد، بحسب العديد من المحللين والأكاديميين. 

من تشيلي إلى لبنان.. ما هي ملامح المشروع النيوليبرالي؟

النيوليبرالية هي شكل النظام الرأسمالي الذي حل محل «الليبرالية التقليدية» في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وخاصة في أواخر السبعينات. وكان لهذا الشكل الجديد للرأسمالية العالمية تأثير عميق يتجاوز الاقتصاد، لذا تُعتبر النيوليبرالية مشروعًا اقتصاديًا، وسياسيًا، وثقافيًا، وتوسعيًا. 

وكمشروع اقتصادي، فإن النيوليبرالية تدعو إلى تحرير المعاملات الاقتصادية وإلغاء القيود المفروضة عليها تمامًا، ليس فقط داخل الحدود الوطنية، ولكن أيضًا – والأهم – عبر هذه الحدود، وخصخصة الشركات المملوكة للدولة والخدمات المقدمة منها، وإطلاق يد وكلاء السوق في القطاع العام المتبقي.

وحدثت أول تجربة بارزة للنيوليبرالية في تشيلي، حين أقدمت الحكومة على خصخصة قطاعات واسعة من القطاع العام، كما قامت بقمع الحركة العمّالية، ودعمت الشركات الكبرى، وبسطت حمايتها على رؤوس الأموال. 

النتائج الاقتصادية في تشيلي كانت عصيبة، واحتاجت إلى قبضة دموية من النخبة العكسرية لاستمرار تمرير الروشتة النيوليبرالية في المجتمع، وفي وقت لاحق خاضت كل من بريطانيا والولايات المتحدة تحرير أوسع للاقتصاد والنيوليبرالية، وبات العالم بأسره يتحول أكثر فأكثر في هذا الاتجاه، مع ازدياد واضح في الفجوة بين الأغنياء والفقراء.  

علوم الثورة

منذ سنة واحدة
تجربة تشيلي.. كيف تُسقط جنرالًا مجنونًا جاء على ظهر دبابة؟

وفي لبنان، قاد الرأسمالي رفيق الحريري والتكنوقراط الذين وظفهم للإشراف على إعادة إعمار لبنان بعد الحرب الأهلية، مشروعًا اقتصاديًا نيوليبراليًا لتوسيع منطق السوق الحر في جميع مجالات العلاقات الاجتماعية، ومشروع سياسي لاستعادة سلطة الطبقة الرأسمالية. 

من رماد الحرب الأهلية.. رحلة صعود عرّاب المشروع النيوليبرالي في لبنان

رفيق الحريري، رئيس الوزراء اللبناني الراحل، الذي نشأ وصعد في مناخ سياسي سيطرت عليه قلة من العائلات السياسية تمثل الطوائف المختلفة في ستينات وسبعينات القرن الماضي. ولم تكن قدرات الحريري السياسية هي سبب صعوده، إذ غادر لبنان شابًا للسعودية، لأنه لم يستطع تحمل تكاليف معيشته، وهناك برز كمقاول بناء غني وناجح.

في الثمانينات، قاد الحريري الوساطة بين أطراف الحرب الأهلية في لبنان باسم ملك السعودية الملك فهد بن عبد العزيز. بعدها عاد للبلاد ليصبح رئيس للوزراء في أعقاب الحرب الأهلية، ويشرف على مشروع إعادة الإعمار النيوليبرالي.

ولتمويل تكلفة إعادة الإعمار التي وصلت إلى 18 مليار دولار، عمدت حكومة رفيق الحريري إلى طباعة السندات الحكومية والاقتراض من البنوك الخاصة، وركزت ما أطلقت عليها الحكومة «مشاريع التنمية» على بيروت وجبل، فيما ذهبت 20% فقط من الأموال إلى المناطق الأخرى في البلاد، ما يعكس خللًا في توزيع مشاريع التنمية على المناطق المختلفة. وبالإضافة إلى ذلك أنفقت الحكومة الأموال بكثافة على المباني التجارية الفاخرة بدلًا عن تلبية الاحتياجات الاجتماعية للسكان؛ ما أدى إلى بروز البرجوازية العقارية في البلاد.

سداد القروض على الطريقة النيوليبرالية

جاءت المرحلة التالية في الفترة بين 1998 و2005، وهي خطوة سداد القروض من خلال فرض سياسة ضريبية واسعة وخفض الدعم، وهي إجراءات عمدت الحكومة من خلالها إلى نقل الأموال من جيوب الشعب اللبناني إلى البنوك الخاصة.

وفي 1998 أوقفت الحكومة الزيادة السنوية في الأجور لموظفي الحكومة، بالرغم من زيادة معدل التضخم بنسبة 100%، وكثفت عمليات خصخصة الشركات الحكومية، ورفعت قيمة ضريبة القيمة المضافة على جميع السلع والخدمات العامة إلى 10٪. وفي الوقت نفسه زادت نسبة استحقاقات الضمان الاجتماعي التي يدفعها العمال، وظهرت عمليات الفصل التعسفي للعمال بكثافة.

وبين عامي 2001 و2007، عُقدت ثلاثة مؤتمرات للدائنين في باريس، حضرتها الحكومة اللبنانية والمؤسسات المالية الدولية (بما في ذلك البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والبنك المركزي الأوروبي)؛ ما أسفر عن سياسة تقشفية أكثر صرامة في لبنان.

الربيع العربي

منذ شهرين
دون تفاصيل معقدة.. 7 أسئلة تشرح لك لماذا عادت تظاهرات لبنان من جديد

في خضم هذه الإجراءات القاسية، وبالرغم من التأمين الكبير والاحتياطات المبالغ فيها، تعرض الحريري للاغتيال في 14 فبراير (شباط) 2005 بعد تعرض موكبه للتفجير. واتهمت المعارضة اللبنانية المناهضة لسوريا، دمشق على الفور بارتكاب الجريمة، بدعم من الولايات المتحدة وفرنسا؛ ما أدى لفتح تحقيق دولي برعاية الأمم المتحدة، وإنشاء محكمة خاصة لهذه القضية.

وتصف الدراسات الصادرة باللغة الإنجليزية الحريري بأنه الرجل الذي غير وجه بلاده، وأرجعت صعوده إلى ثروته ودعم السعودية الواسع له. وبصفة عامة، فإن سيرة رجل الأعمال رفيق الحريري السياسية تعد بامتياز حالة واضحة «للسياسات النيوليبرالية».

لكن مشروع الحريري لم يكن يدور في الفراغ، إذ شكل وجه لبنان بعد الحرب الأهلية، وصاغ سياستها في العقد الأول من الألفية الجديدة، وبات في نظر بعض الخبراء الاقتصاديين السبب الأول لمعاناتها خلال الفترة الراهنة، إذ أدت سياسات الخصخصة والاقتراض الواسع والخلل في توزيع الدخل ومشاريع التنمية بين الأفراد والمناطق على الترتيب، إلى وصول الاقتصاد اللبناني لمرحلة الانهيار.

الطائفية ليست الأزمة الكبرى.. حكاية النيوليبرالية اللبنانية

نجح رفيق الحريري في بناء شبكة من الخبراء في كل المجالات، وخاصة المالية والصحافة والهندسة والدين والتعبئة الاجتماعية. وامتلكت شبكة الحريري قوة هائلة سعت لتحقيق مشروع نيوليبرالي مكتمل الجوانب، خاصة الجوانب الاقتصادية والثقافية. 

وينشأ الشكل المميز للنيوليبرالية في لبنان من خصوصية الأخيرة، والتناقضات داخل المجالات المختلفة وفيما بينها، والقيود المفروضة على الحريري من النخب المتنافسة ومن سوريا. ويمكن القول: إن مشروع الحريري كان نيوليبراليًا، لكنه تأثر بالظروف الخاصة للبنان. 

كان رفيق الحريري عضوًا في الطبقة البرجوازية اللبنانية التي نشأت في السبعينيات، جاء  في مرحلة عكست في حينها تغييرًا في الاقتصاد السياسي للبلاد، إذ فقد لبنان دوره كوسيط مالي بين الشرق الأوسط، والأسواق المالية الغربية، ومدخل للسلع الاستهلاكية الغربية المتجهة إلى العالم العربي. 

وخلال الحرب الأهلية من 1975 إلى 1990، فقدت العائلات التي شكلت البرجوازية المالية التجارية للبنان ما قبل الحرب مكانتها كطبقة رأسمالية مهيمنة أمام البرجوازية الجديدة. والأخيرون هم مهاجرون لبنانيون راكموا ثروات كبيرة من المقاولات أثناء الطفرة النفطية في الخليج. 

وبالتزامن مع تكوين هذه الطبقة الجديدة في لبنان، كانت عمليات مماثلة لتشكيل هذه الطبقة تجري في أماكن أخرى في العالم، باستغلال ثورة الاتصالات والبناء، وسعيًا لتعميق النيوليبرالية، سعى بعض رجال الأعمال البارزين في الطبقة الجديدة إلى تولي منصب سياسي، مثل سيلفيو برلسكوني أو ثاكسين شيناواترا أو رفيق الحريري. فيما مارس آخرون تأثيرًا في الخلفية كما فعل كارلوس سليم في المكسيك.

الحريري الذي تصدر المشهد السياسي المعقد في لبنان عقب الحرب الأهلية، وضع بمساعدة خبراء اقتصاديين مشروعًا يستند لـفكرتي: إعادة الإعمار، والاقتراض المفرط بهدف جعل لبنان أكثر تنافسية في الاقتصاد العالمي، في إطار سياق إقليمي يتمثل في فكرة «الشرق الأوسط الجديد» الرامية لحل الصراع العربي الإسرائيلي، وخلق تكامل اقتصادي في المنطقة، ودمجها في الاقتصاد العالمي. كان هذا المشروع يعني أن الاقتصاد اللبناني سيفتح أبوابه على رأس المال الخليجي، لكن المشروع النيوليبرالي في لبنان كان يصب في مصلحة المقاولين الجدد أو النخبة الجديدة التي يمثلها الحريري، بالإضافة إلى المستثمرين الخليجيين.

الربيع العربي

منذ 8 شهور
6 أسئلة تشرح لك كل ما تريد معرفته عن الحراك اللبناني

كما أن الإفراط في الاقتراض الحكومي حقق استقرار العملة على حساب الارتفاع السريع للديون الحكومية وعمّق «تمويل» الاقتصاد اللبناني. وكان الأمر الأبرز في هذه المرحلة أن طبقة صغيرة فقط من اللبنانيين خرجت من الحرب الأهلية تملك ما يكفي من المدخرات اللازمة للاستثمار، ونجحت في جني الامتيازات على حساب باقي المجتمع.

وداخل الحكومة، سيطر الحريري على «اليد اليمنى» للدولة المتمثلة في الوكالات الاقتصادية مثل وزارة المالية، والبنك المركزي عن طريق مسؤولين تكنوقراط ارتبطوا في السابق بالعمل في شركاته الخاصة، فيما سيطر قادة الميلشيات على اليد اليسرى مثل وزارة التضامن، واستغلت الإنفاق الاجتماعي لتوفير الامتيازات لمنتسبيها، وليس للشعب.

ومثل تعزيز «اليد اليمنى» وإضعاف «اليد اليسرى» الديناميكية النموذجية لإعادة هيكلة الدولة في ظل النيوليبرالية، وعادة ما يتم تجاهل هذا البعد في السياسة اللبنانية في دراسات الصراع الداخلي، والتي غالبًا ما يتم اختزالها إلى شجار طائفي أو تحالفات مختلفة مع قوى أجنبية. 

وفي الفترة بين 2000 و2004، حاول الحريري ترسيخ أقدام مشروعه عبر إطلاق مشروع خصخصة واسع للشركات الحكومية، لكن رغبته في فتح فرص استثمار جديدة يستفيد منها الطبقة الأكثر ثراءً والمستثمرين الأجانب، تصادمت مع رغبة قادة الميلشيات في المضي قدمًا في مسار المحسوبية. 

وبصفة عامة، كان الحريري قطبًا في السياسة الرأسمالية ونسج شبكة أثبتت أنها حاسمة في مسار الرأسمالية والسياسة اللبنانية، وتاريخ هذه الشبكة ما زال يشكل سياسة تيار المستقبل لسعد الحريري وائتلاف «14 آذار»، ولا يزال محوريًا في تحليل السياسة اللبنانية بعد وفاة السياسي البارز.

كيف تخرج لبنان من مصيدة النيوليبرالية؟ «روشتة» اقتصادية من 4 محاور 

تشخيص الأزمة اللبنانية ليس كافيًا، وتقديم الحلول لا غنى عنه، لكن المخرج من الوضع الراهن بالنسبة لقطاع كبير من الخبراء، يتمثل بالأساس في طلاق تدريجي مع المشروع النيوليبرالي. يرى المفكر والمؤرخ وأستاذ العلوم السياسية فواز طرابلسي أن المخرج من المأزق الحالي في لبنان يتطلب خطوات معينة، يأتي في مقدمتها تحميل من جنوا المليارات من خلال المضاربة على المديونية خلال العقود الماضية، مسؤولية حل الأزمة الحالية، عبر شطب نسبة مئوية من الدين العام، وتخفيف خدمة الدين بقرض من المصارف قيمته 6 مليارات دولار بصفر فائدة على ثلاث سنوات، كما فعلت المصارف سنة 2002.

أما المحور الثاني في روشتة الخروج من الأزمة، وفق فواز طرابلسي، فيتمثل في زيادة موارد الدولة، عبر استرداد أملاكها والأموال المنهوبة وتغريم المعتدين عليها؛ وفرض ضرائب تصاعدية على الدخل الموحد والتوريث والمضاربة العقارية.

ثم يأتي المحور الثالث فيتلخص في معارضة خصخصة الشركات العامة وممتلكاتها، وتفكيك الاحتكارات التجارية، واستيراد الأدوية والمحروقات من المصدر بلا وسطاء، وحماية الصناعات المحلية والإنتاج الزراعي ووقف التهريب، المساءلة حول نتائج تطبيق مشروع معالجة الفقر. وأخيرًا، يأتي محور الشفافية ومكافحة الفساد الذي يتضمن رفع الحصانة عن الرؤساء والوزراء والنواب السابقين والحاليين؛ وتطبيق قانون الإثراء غير المشروع؛ وسن «قانون تضارب الصلاحيات» لمنع الجمع بين المال الخاص والمال العام.

المصادر

تحميل المزيد