يجعلك مجرد ذكر اسم ميدوسا، تتخيل امرأة بشعة برأس تسكنه الثعابين بدلًا من الشعر، وعينين جاحظتين تستعدان لتحويلك إلى حجر فقط بالنظر إليك. وحش شرير مخيف يروع الآمنين ويهدد الأبرياء الطيبين، لكن ماذا لو علمت أن ميدوسا ليست وحشًا لكنها الضحية؟ 

ماذا لو علمت أن رموزًا تعتبرها شريرة، ليست شريرة كما تعتقد، بسبب أنها غير مفهومة، أو تلعب في رواية من الروايات دور الشرير، أو ربما فُرض عليها الشر بسبب مثلما حدث مع هاديس إله العالم السفلي عند اليونان، وست إله الشر عند الفراعنة. لكن هل هم كذلك فعلًا؟ هذا ما نحاول سبره في السطور القادمة.

ميدوسا.. الضحية التي تحولت إلى وحش!

عندما تقرأ أسطورة بيرسيوس البطل المغوار الذي هزم ميدوسا، ستشعر كم أن بيرسيوس شجاع وذكي، استطاع أن يهزم الوحش الذي حول كل من حاول هزيمته إلى حجارة، فاستخدم درع أثينا ليرى انعكاس ميدوسا وبضربة قاضية يضرب عنقها فيفصل رأسها المخيفة عن جسدها، ويضع الرأس في حقيبته التي صممت لتخفي نظرات أعينها.

لكن هل سألت نفسك يومًا عن أصل ميدوسا؟ وكيف أصبحت فتاة عادية وحشًا شريرًا بنظرة واحدة يحولك إلى تمثال حجري؟ حسنًا ربما حان الوقت لإنصاف ميدوسا بعض الشيء.

Embed from Getty Images

كانت ميدوسا فتاة غاية في الجمال، وعلى الرغم من أنها ابنة الآلهة البروتغونيون فوركيس وكيتو وأختاها – في معظم الروايات – كانتا من الجورجون نصف البشر ونصف الثعابين العملاقة، إلا أن ميدوسا كانت فتاة بشرية عادية.

أحبت ميدوسا الإلهة آثينا، وقررت منذ الصغر أن تصبح عندما تكبر كاهنة في معبد آثينا. وعلى الرغم من وقوعها في حب صديق طفولتها إيجيليس، إلا أن ميدوسا قررت أن تهب نفسها من أجل آثينا ومن أجل خدمة معبدها. لكن هذا الإخلاص لم يجلب لميدوسا سوى المتاعب، فبعدما أصبحت ميدوسا كاهنة في معبد آثينا، بدأ كثير من الرجال بزيارة المعبد لا من أجل عبادة آثينا، بل من أجل التمعن في جمال ميدوسا، فقد كانت نظرتها تخطف القلوب. 

ومن فوق جبل الأوليمب – وبحسب الأسطورة – نظرت آثينا للمعبد وشعرت بالغيرة، لكنها لم تستطع أن تعاقب ميدوسا خصوصًا وأنها تقوم بواجبها على أكمل وجه. لكن لم تكن آثينا وحدها من تنظر للمعبد، فكان بوسيدون شقيق زيوس وإله البحر والذي كان دائم العراك مع أثينا ينظر للمعبد وللكاهنة الفاتنة. كان بوسيدون يخطط للانتقام من آثينا لأنها ومن حب البشر فيها أسموا عاصمتهم على اسمها، ولأن آثينا كانت تشتهر بالعفة والطهارة، قرر بوسيدون أنه سيغوي كاهنتها الشهيرة لينجس معبدها الطاهر.

وفي يوم من الأيام وبينما كانت ميدوسا تمشي بجوار البحر؛ ناداها صوت من الأعماق، فلما نظرت وجدت بوسيدون يخرج لها من قلب البحر وهو في أبهى صوره، ولكن ورغم كونه إلهًا، استطاعت ميدوسا مقاومة تغزله، وهو ما أغضبه فأمسك بذراعيها، لكنها وبسرعة ضربته على وجهه وهربت مسرعة نحو معبد آثينا.

وحين قرر بوسيدون اللحاق بها قطع طريقه حبيب ميدوسا وصديق عمرها إيجيليس، لكنه لم يكن ندًا للإله الغاضب الذي تملكه الغضب والشهوة فأطاح البشري الفاني وأفقده الوعي وتبع ميدوسا إلى المعبد.

اختبأت ميدوسا عند تمثال آثينا وبدأت تستنجد بها، لكن بوسيدون عثر عليها واغتصبها داخل المعبد. وبعد رحيله تجسدت أثينا في تمثالها والغضب في عينيها، لكنها وجهت غضبها نحو ميدوسا، فأخبرتها أنها السبب في زوال طهارة معبدها، وأنها لو لم تكن جميلة لما حدث كل ذلك، وقررت أن تعاقبها على جرم لم ترتكبه، فلعنتها آثينا وحولتها إلى جورجون لتكون مثل أخواتها، فتبدل شعرها وتحول لثعابين، وصارت عيناها تحول كل من ينظر إليهما تمثال من الحجارة، وللأسف كان أول من نظر إلى عينيها إيجيليس حين وصل إلى المعبد ليطمئن عليها. 

قررت ميدوسا الهرب، وظلت تجوب البلاد حتى وصلت إلى معبد مهجور، فقررت أن يكون هذا المعبد المهجور هو بيتها الجديد. وبعد فترة وجدت ميدوسا تمثالًا لآثينا، فعلمت أن هذا المعبد القديم كان أول معبد شيد للإلهة التي كرست حياتها لعبادتها وخدمتها. وهنا عاد لميدوسا بعض من جانبها الإنساني، فبدأت تعبد آثينا مرة أخرى. في هذه اللحظة أدركت آثينا أنها ظلمت ميدوسا بلعنتها التي لا يمكن كسرها، وحينما عاد لها بيرسيوس برأسها قررت أن تضعها على درعها، ربما كنوع من التقدير، ربما كنوع من التباهي، لا أحد يعرف السبب.

لكن ما نعرفه أن ظهور ميدوسا في الأساطير والقصص وفي الأفلام والمسلسلات، لم يوفها حقها، ولم يظهر قصتها كاملة. فربما كانت وحشًا حين قضى عليها بيرسيوس، لكنها أيضًا كانت ضحية عندما اغتصبها بوسيدون، وكانت ضحية حين لعنتها آثينا، وكانت ضحية حين فقدت حبيبها إيجيليس، والأهم أنها كانت ضحية حين حولتها القصص والأساطير من ضحية إلى وحش. 

هاديس.. إله العالم السفلي الشرير رغم أنفه

إله العالم السفلي عند اليونان، حيث تذهب الأرواح بعد الموت، ومع الوقت سمي العالم السفلي على اسمه: هاديس. أول أبناء كرونوس وريا وآخر من أخرجه زيوس من بطن كرونوس حين حاربه ليسيطر على الأوليمب. وعندما اقترع زيوس وبوسيدون وهاديس، نال زيوس ملك الأوليمب والسماوات، وحصل بوسيدون على البحر، وقنع هاديس بالعالم السفلي، مع العلم بأن هاديس لم يكن الموت نفسه، فذلك كان ثاناتوس.

وعلى عكس أخويه، زيوس المعروف بنزواته الكثيرة، وبوسيدون المعروف بسرعة غضبه، إلا أن هاديس كان أقلهم ضجيجًا. فبسبب ارتباطه بالعالم السفلي قل ذكره في الأساطير والقصص، خوفًا من سيرته وفزعًا منه.

وحين كان يجري تمثيله في الفن، كان يظهر بالوجه الشاحب العابس والنظرات الحادة مرتديًا إما خوذة الظلام أو رداء الاختفاء، وبجواره يجلس سيربيرس؛ كلبه الذي يحرس الجحيم برؤوسه الثلاث وأسنانه البارزة. ولهذا الوصف المخيف والمرعب، أقل اليونانيون في ذكر هاديس، فلم يحصل على قصص كثيرة مثل بوسيدون وزيوس، بل وقلما خرج هاديس من عالمه السفلي وصعد لجبل الأوليمب.

وعلى الرغم من أن هاديس لم يكن مثل أخويه عاشقًا للنساء، متعدد العلاقات، فإن قصة حبه جعلته شريرًا، وهي قصة اختطاف بيرسيفون. كانت بيرسيفون ابنة زيوس وديميتير إلهة الزراعة، وكانت آية في الجمال. رآها هاديس في مرة من المرات القليلة التي خرج فيها من العالم السفلي، ومنذ تلك اللحظة وقع في غرامها، لكن بيرسيفون لم ترغب في الزواج منه والذهاب معه إلى العالم السفلي، وهنا قرر هاديس أن يلجأ للخديعة.

مصدر الصورة

في يوم من الأيام وبينما كانت بيرسيفون تقطف الزهور، ظهرت أمامها زهرة لم تر مثلها قط، فاقتربت منها وقطفتها، وبمجرد أن انتزعت الزهرة إذ بالأرض تتشقق من تحتها وتفتح بوابة للعالم السفلي ويخرج هاديس بعربته الذهبية التي تجرها الأحصنة ليأخذها معه إلى العالم السفلي.

قلقت ديميتير على ابنتها التي اختفت، وظلت تهيم في الأرض تبحث عنها إلى أن علمت أن هاديس قد أخذها معه إلى عالمه، فقررت ترك الأوليمب اعتراضًا على ما حدث. وبعد أن تركت الأوليمب، أقفرت الأرض ومات الزرع وبدأ البشر عدهم التنازلي نحو الفناء. قرر زيوس إرسال جميع الآلهة لتطلب من ديميتير العودة إلى الأوليمب، لكنها رفضت كل العروض والهدايا، فمطلبها كان مطلبًا واحدًا، عودة بيرسيفون.

أرسل زيوس إلى هاديس يطلب منه أن يتخلى عن حبه، ولكن هاديس كان يحبها من أعماق قلبه فرفض أن يتخلى عنها بهذه البساطة، ولجأ للخديعة مرة أخرى، فأعطى بيرسيفون بذرة كمثرى لتأكلها، وبهذه الطريقة صارت بيرسيفون جزءًا من مملكته، فمهما طال غيابها في عالم الأحياء، لا بد وأن ترجع إلى العالم السفلي.

وهنا حدثت التسوية، فباتت تقضي ثلثي العام مع أمها، والثلث الباقي مع هاديس في العالم السفلي، وبهذه القصة فسر الإغريق تعاقب فصول السنة، فكان فصل الشتاء هو الوقت الذي تقضيه ديميتير حزينة على ابنتها الموجودة في العالم السفلي.

وعلى الرغم من أن هاديس في هذه القصة قام باختطاف بيرسيفون، وهو فعل بالطبع غير مبرر، فإنه يمكن وصفه بالأقل شرًا، إذا قورن بأخويه، وما فعلاه تجاه البشر، لكن على الرغم من ذلك تحول هاديس إلى رمز الشر والإله المكروه، وظل تمجيد زيوس وبوسيدون قائمًا، رغم كل ما ارتكباه.

ست.. الذي كان يحرص على سطوع الشمس!

بعيدًا عن اليونان وعن جبل الأوليمب، نذهب إلى مصر والفراعنة، والأسطورة الأشهر أوزوريس وإيزيس وحورس وست، صراع الابن مع العم الذي قتل أبوه طمعًا في ملكه، فكان ست أول من سفك الدماء، والضحية كان أخيه.

هذه هي القصة المعروفة عن ست، إله الحرب والفوضى، الذي يخدع أخيه أوزوريس بإقامة مأدبة كبيرة على شرفه، ويقدم تابوتًا من الذهب معلنًا أن من يكون التابوت مقاسه فسيحصل عليه. وبعد أن يجرب العديد من الآلهة النوم في التابوت دون نتيجة، يدعو ست أخيه أوزوريس أن يجرب التابوت، وبعد أن ينام فيه أوزوريس يغلقه ست، ويعلن بداية حكمه بمقتل أخيه في التابوت وإلقائه في النيل.

وتستمر قصة إيزيس وبحثها عن تابوت زوجها ثم الحمل منه بحورس وحكم أوزوريس للعالم السفلي وتحدي حورس لعمه للحصول على الحكم، وعلى الرغم من اختلاف الطريقة التي يحصل بها حورس على الحكم فإن كل القصص تملك نهاية واحدة لحورس ونهايات متعددة لست، فحورس في النهاية يحصل على الحكم وتعود الأمور لمسارها الصحيح، أما ست ففي روايات ينفى ليحكم الصحراء الجافة بعيدًا عن أرض مصر، وفي روايات ينفى عن البلاد ولا يحكم أي شيء، وفي روايات أخرى يقتل حورس ست لتحقيق العدالة والانتقام.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
حتى القاتل في حاجة إلى إله يقدسه.. 4 من «آلهة العنف» في الثقافات القديمة

لكن ما قد لا تعرفه أن ست لم يكن دوما ذلك الإله الشرير، بل على العكس. في عصر الدولة القديمة (3150-2613 قبل الميلاد) كان ست من الآله المحببة لدى المصريين، فكان يوضع اسمه مع تمائم الحب وعقاقير الغرام. كذلك كان ست هو الإله الذي ينقذ موكب رع من أبوفيس الذي يحاول أن يأكل الشمس، فكان أبوفيس يقوم بتنويم جميع من في مركب رع، إلا ست الذي يقاومه، ليضمن أن الشمس ستسطع مرة أخرى بهزيمة أبوفيس.

إلا أن وضع ست تغير مع مرور الزمن، وفي عصر الدولة الحديثة (1570-1069 قبل الميلاد) انتشرت أسطورة قتل ست لأوزوريس واغتصابه الملك، وحلول الجفاف والأعاصير وذيوع الفوضى، حتى يأتي حورس وينتقم لأبيه، ومع جلوس حورس على العرش مرة أخرى، يأتي الفيضان ويعم الخير البلاد وترجع مصر لحالتها أيام أوزوريس.

لا يوجد سبب متفق عليه لتحول المصريين عن ست بهذه الطريقة، لكن المعروف أن اليوم بمجرد ذكر اسمه، سيأتي للذاكرة أنه أول من سفك الدماء، ليس أنه من حرص على سطوع الشمس مرة أخرى.

المصادر

تحميل المزيد