قبل الحرب العالمية الثانية، كانت الطاقة النووية مجرد أفكار نظرية لم تُطبق أو تجرب بعد، إلا أن الحرب واحتياجاتها العسكرية سرَّعت من تطور المجال، ووفَّرت المساحة المثالية لتجريب الأسلحة النووية، ومع انتهاء الحرب بإلقاء أمريكا لقنبلة ذريَّة على اليابان اضطرتها للاستسلام، بدأ صراع دولي بين القوى العظمى، الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، لامتلاك وتطوير أحدث تقنيات الأسلحة النووية وأكثرها دمارًا.

وفي هذا التقرير سنتعرف إلى تاريخ بعض أشهر وأهم تجارب التفجير والقنابل النووية خلال العقود الماضية، وكيف وأين نُفذت، ومدى قدرتها التدميرية.

اختبار «الثالوث».. أمريكا تبدأ السباق النووي

في الوقت الذي اندلعت فيه الحرب العالمية الثانية في أوروبا، كانت أمريكا تسابق الوقت لتلحق بركب التقدم الألماني في تطوير الطاقة الذرية، وفي أوائل الأربعينيات من القرن الماضي، بدأت الحكومة الأمريكية ببرنامج سري لتطوير الأسلحة النووية وتجريبها، وسمِّي المشروع بـ«مانهاتن»، وهدفه تطوير أول قنبلة ذرية في العالم، ليبدأ سلسلةً من الأبحاث والتطوير في أحد مواقع المشروع في ولاية نيو مكسيكو، وفي يوليو (تموز) 1945 نجحت تجربة تفجير أول قنبلة ذرية في موقع اختبار «ترينتي» أو الثالوث، وهو اسمٌ مستوحى من المسيحيَّة، وأجري الاختبار في الصحراء.

وتاليًا مقطع يجمع ثلاث لقطات وثَّقت تفجير القنبلة الذرية الأولى في العالم:

كان هذا الانفجار أول اختبار للقنابل النووية في العالم وهو الذي دشَّن «عصر السباق النووي» في العالم. وبلغت قوَّتها التفجيرية قرابة 12 ألف طن من مادة الـ«تي إن تي TNT»، وتكفي هذه الكمية لمحو بلد بالكامل بحجم فلسطين، مع الأخذ في الاعتبار التأثيرات الإشعاعية التي ستشمل المناطق المجاورة لها.

«كروس رودز».. ومنطقة أتول بيكيني

عملية «كروس رودز – Crossroads» الأمريكية، ثاني عملية بعد «ترينتي»، جرى فيها اختباران للأسلحة النووية في منتصف 1946، في شعب حلقي في المحيط الهادئ باسم «حلقية بيكيني»، وهوَ أول تفجير بعد قنبلة ناجازاكي الشهيرة عامَ 1945، وكان الغرض من هذين الاختبارين  التحقق من تأثير الأسلحة النووية في السفن البحرية، ولهذا الغرض وُضعت سفن بحرية أمريكية في موقع الاختبار.

وتاليًا مقطع يوثِّق الانفجار من زوايا مختلفة:

يعد موقع «أتول بيكيني» من أكثر مواقع التجارب النووية شهرةً، فبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وأثناء الحرب الباردة، استأنفت أمريكا تجاربها هناك، وأجلي سكان هذه المنطقة، وأطلق ما يقرب من 70 قذيفة نووية بغرض الاختبار بين عامي 1946 و1958، ومن بينها أول قنبلة هيدروجينية عامَ 1952، وبلغت قوة كل التجارب التي أجريت في هذه المنطقة ما يقارب 7 آلاف أمثال قنبلة هيروشيما، وكان لها تأثيرات خطيرة في صحة سكانها الذين تعرضوا للإشعاع.

أول قنبلة ذرية روسية.. الاتحاد السوفيتي يتحدث

في صباح أحد أيام شهر أغسطس (آب) 1949 أسقطت قنبلة «جو 1» في أراضي كازاخستان الاشتراكية السوفيتية، وتحديدًا على منطقة الاختبار المختارة «سيميبالاتينسك»، وهو مكان مشتركٌ لاختبار الأسلحة النووية للاتحاد السوفيتي، و«جو 1» هو الاسم الأمريكي لأول قنبلة ذريَّة أنتجها الاتحاد السوفيتي، وسمَّاها الأمريكيون بذلك نسبةً لجوزيف ستالين، زعيم الاتحاد السوفيتيِّ آنذاك، ولكن التسمية السوفيتية للقنبلة كانت: «RDS-1»، وجُرِّبت في ذلك اليوم بعد مراحل طويلة من التطوير السري.

شاهد تاليًا المقطع التوثيقي للانفجار:

 

كان الاتحاد السوفيتي واحدًا من عدة قوى دولية بدأت في تطوير القنابل الذرية واختبارها في الحرب العالمية الثانية. وتصلُ القوة التفجيرية لهذه القنبلة إلى 22 ألف طن «تي إن تي»، وتتجاوز قدرة القنابل التي فجِّرت في هيروشيما وناجازاكي، وفاجأت المهندسين الذين صمموا القنبلة بأن قدرتها أكبر 50% من المتوقع. وبهذه القدرات، يمكن للقنبلة أن تدمِّر مدينتي القاهرة والإسكندرية، بالإضافة للتدمير الإشعاعي الذي سيشمل المدن المجاورة لهما.

وبهذا أصبح الاتحاد السوفيتيُّ رسميًّا ثاني جهة دولية تطوِّر سلاحًا نوويًّا بعد أمريكا، والتي ظنَّت وفقًا لمعلوماتها الاستخبارية أن روسيا لن تقدر على إنتاج قنبلة نووية واختبارها قبل 1953، ولكن عالمًا وجاسوسًا أمريكيًّا اسمه ثيودور هول ساعدَ روسيا على اختصار الوقت، وسرَّب معلومات ساعدت على تصنيع القنبلة، ولذا كانت التجربة مفاجئةً للولايات المتحدة.

قنبلة تسحق جزيرةً بالكامل

صنعت القنابل الهيدروجينية للمرة الأولى في الولايات المتحدة عام 1952، وفجِّرت أول قنبلة منها، في أول تجربة شاملة، على جزيرة صغيرة تسمى «إنيويتوك» غرب الفلبين، ودمَّر التفجير الجزيرةَ وأخفاها بالكامل.

 

 

استطاعت القنبلة تحويل تلك الجزيرة المطلة على المحيط الهادي إلى جحيم من النيران، وظهر وميض قادر على إصابة من يراه بالعمى بمجرد أن سقطت القنبلة الأمريكية على الجزيرة، وتلتها هزة أرضية قوية جرفت المباني والأشجار، وتسبب في ذوبان الرمال، بينما بدأت المياه في الغليان، وغطت الجزيرة المُدمرة الشكل المميز للانفجارات النووية على شكل فطر عيش الغراب ووصلَ ارتفاعها خلال 90 ثانية إلى 17 كم، وبلغت قوة الانفجار 10.4 ميجاوات محطمةً الرقم القياسي لهيروشيما.

«صخرة الصحراء»

«صخرة الصحراء» هو الاسم الرمزي لسلسلة من التجارب والتدريبات أجراها الجيش الأمريكي بالتزامن مع التجارب النووية في الغلاف الجوي، واستمرت تلك التجارب بين أعوام 1951 و1957، في واحدة من مناطق الاختبار النووي في ولاية نيفادا الأمريكية، والهدف الرئيسي منها تدريب القوات العسكرية الأمريكية واكتساب معرفة بالمناورات العسكرية في المعارك النووية.

«إذا كان هناك جحيم على الأرض فلا بد أن يكون ذلك»، هذا ما قاله جويل هيلي، أحد الضباط الذين شهدوا واحدًا من أكبر الاختبارات النووية في مشروع صخرة الصحراء، واصفًا بتلك الجملة ما شاهده بعينه أثناء الاختبار حين كان عمره 17 عامًا فقط، وقد عملَ في القوات التي تخلي المناطق المجاورة للاختبار تفاديًا لتأثر السكان به.

وكان لاختبار عام 1957 قدرةٌ تفجيرية تصل إلى ضعف الانفجار الذي حطم مدينتي هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين، ووصفَ هيلي تلك العمليات بأنها «وصمة عار» في تاريخ أمريكا، بسبب الأعراض الجانبية التي أصابت الجنود بسبب التفجيرات والغبار النووي.

«مشروع 596».. الصين تلحق بالركب النووي

التحقت الصين بالاتحاد السوفيتيِّ والولايات المتحدة بعد عقد من الزمن، في عام 1964، بمشروع سمَّته «قمر صناعي واحد»، جعلها خامس دولة مسلحة نوويًّا بعد أمريكا والاتحاد السوفيتي، وفرنسا وبريطانيا.

هذا المشروع عبارة عن قنبلتين بقوة 22 كيلوطنًا، صنعتها الصين بمواصفات ووزن أول قنبلة نووية سوفيتية، التي تحدثنا عنها سابقًا، وكانت تلك التجربة الصينية هي بداية لطريق طويل من التجارب النووية وصلت إلى 45 تجربة نووية ناجحة نفَّذتها الصين بداية من 1964، وحتى 1996.

بدأت الصين مشروعها النووي في منتصف الخمسينيات، وفي البداية كان المشروع مدعومًا من الاتحاد السوفيتي بخبراء ومعدات تقنية، وبدأت الصين حينها تصميمَ الأسلحة النووية في معهد الفيزياء والطاقة الذرية في بكين، وأنشأت منشآت لتخصيب اليورانيوم المستخدم في بناء الأسلحة النووية، ولكن مع فتور العلاقات الصينية السوفيتية في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، سحبَ الاتحاد السوفيتي عامَ 1959، ما دفع الصين لتبدأ مشروعها النووي الخاص، والذي أطلق عليه اسم «مشروع 596».

وفي 2008 بدأت الصين بتقديم إعانات للطواقم التي شاركت في التجارب النووية، ولكن لم تُدفع تعويضات للمدنيين المتضررين.

وتشير دراسة أجراها الفيزيائي الياباني جون تاكادا إلى أن مستويات الذروة من النشاط الإشعاعي في الاختبارات النووية الصينية تجاوزت مستويات حادث مفاعل تشيرنوبيل.

«بوذا المبتسم».. عندما فجرت الهند قنبلة نووية

انضمَّت الهند إلى معسكر التجارب النووية عامَ 1974 بتنفيذ تفجير تجريبيٍّ باسم «بوذا المبتسم»، وفجَّرت القنبلة النووية في قاعدة بوخران التجريبية في راجاستان تحت إشراف الجيش الهندي، وأطلق هذا الاسم على التجربة لأن يومَ التجربة، 18 مايو (أيار) 1974 هوَ يوم ميلاد بوذا نفسه، وبعدما نجحت التجربة أرسل الفريق إلى رئيسة الوزراء الهندية آنذاك أندريا غاندي: «ابتسم بوذا أخيرًا».

كان الاختبار تحديًا للهند لأنها أول تجربة نووية لدولة لم تكن عضوًا دائمًا في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وتمكَّنت الهند من الحفاظ على سرية التجارب لمدة عامين حتى تنفيذ التجربة بنجاح، ولكن كان للتجربة كلفتها؛ إذ فرضت أمريكا بعدها سلسلةً من العقوبات بحجَّة أن ما فعلته الهند من تجارب يمكن أن يؤدي إلى انتشار التسليح النووي في العالم.

باكستان.. أول دولة إسلامية تمتلك سلاحًا نوويًا

كان «Chagai-I» هو الاسم الذي اختارته باكستان لخمس تجارب نووية جوفية متزامنة عامَ 1998، تمَّت في منطقة بلوشستان في باكستان، وكان هذا الاختبار النووي الأول لباكستان، تلته تجارب نووية أخرى في العام نفسه، لتفرض الولايات المتحدة عقوبات على البلدين، باكستان والهند، ولكن سرعان ما رفعت العقوبات بعد شهور عنهما لتسهيل مفاوضاتهما مع الولايات المتحدة وليتعاونا بشكل أفضل معها في محاربة تنظيم القاعدة وحركة طالبان الأفغانية.

وعلى الرغم من العقوبات، استطاعت باكستان أن تكون الدولة السابعة من الدول التي جرَّبت أسلحة نووية علنًا، والأولى بين الدول الإسلامية، وما زالت تفتخر بهذا اليوم وتطلق عليه «يوم العظمة» تخليدًا لذكرى الإنجاز الذي حققته البلاد في هذا اليوم.

وقد اختار علماء الهيئة الباكستانية للطاقة الذرية مواقعَ على ارتفاعات عالية من سلاسل جبلية غير مأهولة ومعزولة، وتأكدت هيئة المسح البيولوجي قبل التفجير من أن تلك المنطقة تتحمل تفجيرًا وزنه بين 20-40 كيلوطنًا من داخل جوف الأرض، واختار العلماء طقسًا جافًا ورياحًا ضعيفة لتجنب انتشار الغبار الإشعاعي، وقوة التفجير لتلك القنبلة قادرةٌ على تدمير ثلاث محافظات كبيرة كاملة في مصر.

«الاختبار 219» الروسي

في نهاية 1962 نفَّذ الاتحاد السوفيتي تجربةً نووية أخرى لها أهميتها في تاريخ التجارب النووية، سمِّيت التجربة بـ«الاختبار 219»، وهو اختبار نووي في الغلاف الجوي، بصاروخ باليستي عابر للقارات، وتعد تلك القنبلة ثاني أكبر انفجار نووي حراري في التاريخ، وكان لها قوة تدمير تغطي نطاق ما يقرب من 10 كيلومترات، وفجِّرت على ارتفاع أربعة كيلومترات من سطح الأرض، فوق منطقة الاختبارات النووية الروسية «نوفايا زميلا»، وحتى الآن لم تظهر أي صور أو تسجيلات مصورة لهذا الاختبار النووي.

كوريا تفجِّر قنبلة تحت جبل

أجرت كوريا الشمالية في 2017 تجربتها النووية السادسة، فجَّرت فيها قنبلةً هيدروجينية، وتختلف القنبلة الهيدروجينية عن الذرية العادية، فمثلًا بلغَ مجمل ضحايا القنبلتين الذريتين اللتين ألقتهما أمريكا على هيروشيما وناجازاكي أكثر من 200 ألف شخص، إلا أن تقديرات علمية تقول إن القنبلة الهيدروجينية هي «وحش» مختلف كليًّا، تفوق طاقتها طاقة القنبلة الذرية بألف مرة.

هذا الاختبار الكوري كان قويًّا لدرجة أن هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية أبلغت بوقوع زلزال بقوة تزيد على ستِّ درجات بمقياس ريختر، ومن جانبها أكَّدت كوريا الجنوبية أن هذا الزلزال بدا مصطنعًا ومفاجئًا، وتتفقُ صفاته مع الآثار الجانبية للتجارب النووية التي تتم تحت الأرض.

رسم من هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية يوضح موقع النشاط الزلزالي في وقت الاختبار

وفي تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست» عن التفجير، أكَّد أن صور الرادار بالأقمار الصناعية وضَّحت أن التجربة النووية التي أجرتها كوريا الشمالية قوية بما يكفي لتدمير منطقة مساحتها 85 فدانًا، وأوضح باحثون في مركز جيمس مارتن لدراسات منع انتشار الأسلحة النووية، أنَّ صور القمر الصناعي قبل التفجير وبعده للجبل الذي فُجرت أسفله القنبلة، أظهرت تقلصًا في ارتفاعه، بمعنى أن القنبلة أعادت تشكيل الجبل.

المصادر

تحميل المزيد