انتشرت الثورات في أرجاء العالم العربي في عام 2011، حيث أطاحت العديد منها الأنظمة التي ظلت لعقود. وفي قلب تلك الثورات كان التهكم في البداية منتشرًا على «شباب الفيسبوك» الذين يودَّون تغيير الوضع بضغطة زر، إلا أنه مع اشتعال الأحداث، بات الجميع يدرك مدى أهمية وقوة شبكات التواصل الاجتماعي التي أصبحت تمثل نبض الشارع، بل تحركه.

ففي تونس كان آلاف الناشطين يتحدون السلطوية ورقابة النظام من خلال عدد لا يحصى من المدونات، والتي أدت إلى تعبئة جماهيرية، كانت نتيجتها فرار الرئيس خارج البلاد، وعلى خطى الثورة التونسية قادت شبكات التواصل حراكًا شعبيًّا في مصر أدى لتنحي الرئيس في النهاية. 

لم تغير شبكات التواصل الاجتماعي طريقة التغيير داخل البلاد العربية فقط، ولكن غيرت أيضًا نظرة المجتمع الغربي إلى العالم العربي، ومن وراء كل ذلك تغيرت النظرة لوسائل التواصل الاجتماعي دوليًّا، التي تجلت قوتها كونها أداة للتغيير ومساحةً جديدة للتعبير أثناء حراك الربيع العربي. 

الربيع العربي وصعود شبكات «التواصل السياسي»

تقول ريجينا سالانوفا الباحثة الإسبانية في قدرة شبكات التواصل على التغيير السياسي من المعهد الكتالوني الدولي للسلام: «لقد غيرت تقنيات الاتصال بلا شك ديناميكيات التغيير السياسي. ففي العالم العربي أعادت البيئة الإعلامية الجديدة تشكيل طبيعة السياسة، وبشكل خاص، فقد تحدت طريقة الأنظمة الاستبدادية».

وبينما أصبحت شبكات التواصل في المقابل رمزًا للسيطرة على العقول وتضليلها بعد فضيحة «كامبريدج أناليتيكا» التي اتُّهمت بقيادة حملة عبر «فيسبوك» استطاعت من خلالها إقناع المصوتين في بريطانيا بالخروج من الاتحاد الأوروبي، وقادت حملة في الولايات المتحدة تُروِّج للتصويت لترامب عام 2016، باتت شبكات التواصل سلاحًا ذا حدين. 

Embed from Getty Images

ولكي نحدد دور شبكات التواصل بشكل دقيق، توضح ريجينا في ورقتها البحثية المنشورة في 25 يناير (كانون الثاني) عام 2013، أن وسائل التواصل «أصبحت أداة للتعبئة الجماهيرية»، فإما أن تُستخدم في نشر المعلومات وإبطال الشائعات والتوعية والتي تقود بدورها إلى التغيير، وإما أن تُستخدم في نشر الشائعات وتوجيه الجمهور في اتجاه محدد يصب في صالح جهة محددة تعمل على دفع الجمهور في هذا الاتجاه. 

ففي دراسة صادرة عن جامعة واشنطن في سبتمبر (أيلول) 2011، واستنادًا إلى تحليل تغريدات «تويتر» في كل من تونس ومصر أثناء الربيع العربي، كشفت الدراسة عن أن موقع «تويتر» أدى دورًا مركزيًّا في خلق حراك وحوار سياسي حول الثورة، وقيم مثل الحرية.

كما أدى دورًا في انتقال هذا الخطاب بين الناشطين في العديد من الدول العربية، ما أدى إلى انتقال الربيع العربي من تونس ومصر إلى دول عربية أخرى، حيث تواصل الناشطون من كل هذه البلاد وقادوا حوارًا مجتمعيًّا للتغيير والحصول على الحرية في بلادهم. 

ساحات الاحتجاج الإلكترونية! 

وفي خطوة لقيادة حملات تغيير بشكل أكبر تنظيمًا وأكثر ديناميكية، أُنشأت مواقع «عرائض إلكترونية» نقلت الاحتجاجات من عشوائيتها على شبكات التواصل إلى منصات تنظم عملية الاحتجاج؛ إذ تسمح المنصات برفع مطالب مجموعة من الناس إلى الجهات الرسمية، والتي تعمل على تحقيقها بعد أن تُوقع هذه المطالب من العديد من المواطنين أو المعنيين بالأمر. 

مثالًا على ذلك؛ كانت إحدى أكبر وأهم العرائض الشعبية هي العريضة التي طالبت الحكومة البريطانية بإعادة النظر في خطتها للخروج من الاتحاد الأوروبي في أغسطس (آب) 2019، والتي جلبت توقيعات تُقدَّر بأكثر من 6 ملايين توقيع، ما جعلها العريضة الأكثر شعبية، ليذهب هذا المطلب إلى البرلمان البريطاني، في حين أكدت الحكومة البريطانية وجوب احترام الاستفتاء وأن الخروج من الاتحاد الأوروبي أمر نهائي. 

مع ذلك رفض أعضاء البرلمان صفقة تيريزا ماي بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وهو ما يدلل على نجاح العريضة بوصولها إلى البرلمان ورد الحكومة عليه، وكونها أحد أسباب رفض أعضاء البرلمان لخطة الخروج التي أعدتها الحكومة في ذلك الوقت للخروج من الاتحاد الأوروبي. 

عرائض إلكترونية وزخم عالمي

في عام 2012، وصفت صحيفة «الجارديان» منصة «آفاز» بأنها «أكبر وأقوى شبكة ناشطين على الإنترنت في العالم»؛ إذ نجحت بالضغط لإجلاء أربعة صحافيين غربيين من سوريا أثناء القصف الذي قادته الحكومة في ذلك الوقت. واستطاع الناشطون على «آفاز» إيصال معدات اتصال حديثة متصلة بالأقمار الصناعية تُعرف باسم «BGANs» والتي سمحت للثوار في الداخل السوري بالاتصال بالعالم الخارجي. كما نجحت في قيادة حملة تبرعات استطاعت جمع 3 ملايين دولار للمحتجين في الداخل السوري.

Embed from Getty Images

 

وعلى موقع «Change – تغيير» في 30 مايو (أيار) 2020 قُدمت عريضة من أجل تحقيق العدالة لجورج فلويد، وهو الأمريكي الأعزل الذي قتلته الشرطة، حيث جمعت العريضة ما يقرب من 20 مليون توقيع، ما يجعلها العريضة الأكثر توقيعًا على الإطلاق. فيما أُلقي القبض على ديريك شوفين الضابط الذي قتل فلويد، وما زال يُحاكم بتهمة قتله. 

ويمكن القول إنه بجانب شبكات التواصل الاجتماعي، أصبحت تلك المنصات يومًا بعد يوم أحد أهم ساحات التغيير التي تتخذ من الجماهير سلاحًا للتوعية وتحقيق المطالب الجماهيرية، ومرآة تعكس مقدار الحراك الشعبي الذي تقوده الشعوب نحو التغيير. 

وفي الأحداث الأخيرة التي شهدتها فلسطين، ظهرت العديد من العرائض على موقع «Change» والتي نادت إحداها بإنقاذ حي الشيخ جراح و«فضحت» السلطات القضائية الإسرائيلية التي تتخطى حقوق أهل الحي الذين أثبتوا ملكيتهم لهذه المنازل، وجمعت هذه العريضة ما يقرب 19 ألف توقيع.

والحكومات تُنشئ مواقع عرائض إلكترونية!

ومن الجدير بالذكر أن العديد من الحكومات حول العالم أنشأت منصات عرائض إلكترونية خاصة. مثالًا على ذلك، أنشأت الحكومة البريطانية منصة للعرائض التي تُرفع إلى الحكومة والبرلمان، وأعلنت أن العرائض التي تحصل على 10 آلاف توقيع من المواطنين البريطانيين أو المقيمين في بريطانيا، وجرى التوثق من هويتهم عبر رخصة القيادة أو جواز السفر أو رقم الهاتف؛ سيتلقون ردًّا على مطالبهم من الحكومة، أما في حال أن العريضة حصدت 100 ألف توقيع؛ فسيجري مناقشتها في البرلمان. 

وكانت إحدى تلك العرائض المواكبة للأحداث الأخيرة في فلسطين، عريضة طالبت باعتراف بريطانيا بدولة فلسطين للمساعدة في وقف الصراع من قبل إسرائيل، وعدم مواصلة إسرائيل اضطهاد الفلسطينيين.

وحصلت العريضة على 130 ألف توقيع، فيما جاء رد الحكومة على العريضة بأن المملكة المتحدة «ستعترف بالدولة الفلسطينية في الوقت الذي تخدم فيه على أفضل وجه هدف السلام»، فيما صرحت الحكومة البريطانية بأنها تشجع التقدم «نحو حل الدولتين المتفاوض عليه بين الأطراف».  

غير ذلك، شارك البرلمان الفيديو الذي ناقش فيه مطلب العريضة؛ إذ إنها جمعت أكثر من 100 ألف توقيع، ما يجعل العريضة واجبة المناقشة في البرلمان.

وفي 17 يونيو (حزيران) الماضي، أُنشئت عريضة تدعو الحكومة البريطانية إلى أن «تحث الأمم المتحدة على إرسال قوة حفظ سلام بسرعة إلى ميانمار لحماية شعب ذلك البلد من العنف والقمع اللذين تمارسهما الديكتاتورية العسكرية التي سيطرت على البلاد».

وجمعت هذه الحملة أكثر من 10 آلاف توقيع، ما أهَّلها لتلقي ردٍّ من الحكومة. وجاء الرد بأن المملكة المتحدة قادت حملة دولية قوية، من خلال رئاستها لمجموعة السبع الكبار ودورها القيادي في مجلس الأمن. كما قالت الحكومة: «سنواصل استكشاف جميع السبل لحل هذه الأزمة»، وفصلت الرد موضحةً الدور الذي لعبته في هذا الملف، والتي كان من بينها فرضها عقوبات على العسكر في ميانمار.    

وبذلك، جسدت هذه المنصات الفكرة القائلة بـ«حكمة الجماهير» التي حولت تلك المنصات إلى طريقة عملية يمكن تطبيقها على أرض الواقع وآلية يمكن ممارستها. كما جعلت من شعار «الشعب يحكم» فكرة واقعية يمكن تطبيقها وإن اختلف وصفنا له، ورؤيتنا حوله وحول قدرتنا الحقيقية على تحقيقه، فهذه المنصات باتت أحد الأعمدة المكونة للنظم السياسية التي فرضت نفسها وبقوة خلال العقد الماضي وما زالت تشهد تطورًا في الوقت الحالي، والتي قد تجعل من مجرد عرائض إلكترونية؛ وسيلة تقود التغيير في العديد من البلدان، في السنوات المقبلة.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 6 شهور
فلسطين في الملاعب والشاشات.. مشاهير وساسة غربيُّون يدافعون عن الشيخ جراح

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد