مع أي دخول مدرسي جديد، والذي يقابله عادة انطلاق الموسم الرياضي لجل الأندية في مختلف الرياضات، والتي تفتح أبوابها للراغبين في الانخراط ضمن صفوفها لممارسة لعبتهم المفضلة، والتدرب خلال الموسم كاملًا، والذي ينتهي غالبًا أيضًا مع نهاية الموسم الدراسي، إذ يكون جل المنخرطين والمتدربين تحت لواء الأندية من التلاميذ والطلاب المتمدرسين في مختلف الأطوار، وعلى الرغم من التطور الفكري الحاصل في الدول العربية، ورغبة كثير من أولياء الأمور في دمج أبنائهم فعليًّا في أندية كثيرة؛ من أجل الممارسة والتدرب أولًا، أو ربما الوصول إلى مستوى النخبة ثانيًا، فإن فكرة الخوف من تأثير الرياضة بالسلب في دراسة الأبناء ما زال سائدًا لدى كثيرين؛ فيتجه الولي مباشرة إلى رفض فكرة دمج ابنه في رياضة ما؛ خوفًا من تأثير ذلك بالسلب في تحصيله الدراسي. وهو ما أفقد كثيرًا من الطلاب فوائد جمة من الرياضة، والتي غالبًا ما تكون ذات منفعة، ويكون تأثيرها إيجابيًّا بشدة في الدراسة.
وعلى الرغم من أن الرياضة تأخذ فعليًّا جزءًا غير يسير من وقت المُمَارِس، فإنها تعود بالنفع الكبير على الطالب الرياضي، إذ أثبتت كثير من الأبحاث أنّ مُمارسة الرياضة بالتزامن مع الدراسة لها تأثير إيجابي كبير في الأفراد وفي صحتهم؛ فهي تعمل على تشجيعهم على التحضير الجيد للدراسة، وتحفزيهم على تنمية قُُدراتهم الذهنية، والتخلُّص أيضًا من أي ضغوط نفسية قد تصيبهم خلال الدروس العادية أو أوقات الامتحانات، والتي تصاحبها غالبًا موجة قلق وخوف، فتجعل الطالب محافظًا على هدوئه في أوقات الحاجة لذلك، في حين تحسن أيضًا عمل الذاكرة، فطبقًا لآخر الدراسات في علم الأحياء، فإن ممارسة الطالب لساعات منتظمة يطور قدراته الذهنية، والتي تساعده بدورها على استرجاع المعلومات وزيادة نشاط الجزء المسؤول عن الذاكرة في المخ. هذا الأخير سيكون في صحة جيدة إن كانت الممارسة بانتظام أيضًا، فهي على المدى القصير نافعة، كما أسلفنا الذكر، أما على المدى الطويل، ومع التقدم في العمر، فتحمي من الخرف والزهايمر. في حين أكدت أيضًا دراسة في جامعة كوبنهاجن، أن الرياضة تزيد من نسبة الأوكسجين في الدم، وتحسن الدورة الدموية؛ مما يزيد من نسبة التركيز لدى الطلاب في الفصول الدراسية، وبالتالي تحسين تحصيلهم العلمي.
الأكيد أن الجمع بين الرياضة والدراسة شيء جيد لا يختلف فيه اثنان، لكن الربط بينهما دون توفيق قد يشكل عائقًا، ويعود بالسلب على المعني، خاصة من جانب الدارسة، وهو ما يجب على الطالب وممارس الرياضة بشكل هاوٍ أو محترف أن يعيه جيدًا، وعلى أساسه يبرمج الأوقات التي ستساهم في التوفيق بينهما. وهنا يبقى الاختلاف فقط في مسألة ميول الفرد؛ فهناك من يرغب بشدة في جعل الدراسة أولوية، وإنضواءه تحت لواء الأندية مجرد هواية لا يبغي من خلالها صنع مشوار رياضي طويل، أو المرور إلى مستويات أعلى والوصول إلى مستوى النخبة، وهو ما يريده البعض بشدة، وهنا تختلف مسألة تنظيم الوقت بين الدارسة والرياضة وأوقات الفراغ في اليوم والأسبوع.
يعد السبيل للتوفيق بين الدراسة والرياضة أهم عائق يواجهه الطلبة والرياضيين في حياتهم، خاصة في الدول العربية أو دول العالم الثالث عمومًا، وهو ما يمكن للأستاذ في المؤسسات التعليمية أو المدرب في الأندية المساعدة لتحقيقه، من خلال النصائح الممنوحة، والتسهيلات اللازمة لذلك. لكن ما رأيناه وما نراه الآن في وقتنا الحالي، هو الفشل في التوفيق بينهما بشكل كبير فقط، إذ يتحمل الكل مسؤولية عدم الوصول إلى ذلك، من الأفراد في حد ذاتهم، إلى المجتمع المصغر، إلى المنظومة ككل. وهو ما يدعو بجدية إلى إيجاد حلول سريعة لخلق احتراف حقيقي، وإنتاج رياضي متعلم ومثقف، وإطار ممارس للرياضة وعارف لها ولخباياها.
هناك نماذج عديدة في العالم تثبت نجاح من أرادوا حقًّا الجمع بين الدراسة وممارسة الرياضة دون تأثير سلبي في الأولى أو الثانية، نأخذ مدافع نادي يوفنتوس الإيطالي، جيورجيو كيليني، مثالًا، والذي يعد واحدًا من أفضل المدافعين في العالم، وأحد أحسن الدارسين لمجال إدارة الأعمال، إذ حصل مؤخرًا على ماجستير في الاختصاص من جامعة تورين العريقة؛ فأصبح ينادى بالدكتور بين زملائه. أيضًا هناك جيرارد بيكي مدافع نادي برشلونة ومنتخب إسبانيا، الذي يدرس في جامعة هارفارد بالولايات المتحدة الأمريكية في المجال ذاته أيضًا. وهناك خوان ماتا الإسباني الصحافي، والروسي أرشافين، المصمم وغيرهم كثير.
لم تكن يومًا الدراسة حجة لترك ممارسة الرياضة، سواء بشكل هاوٍ أو حتى باحتراف، بل كانت دائمًا السبيل للنجاح بها حسب كثير من الدراسات بين العلماء والباحثين والدارسين للمجال، وهو ما لا يجب أن يتحجج به الأولياء لحرمان أبنائهم منها؛ فدائمًا ما كانت القاعدة أن العقل السليم في الجسم السليم، وأن الرياضة غذاء الروح، كما أن الدراسة غذاء العقل، فقط تبقى مسألة تنظيم الوقت بشكل ملائم للتوفيق بينهما، لتكون النتيجة دائمًا تحصيلًا وافرًا لغذاء الروح والعقل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد