التغيير

جعل الإسلام أساس تفوق الأمة وريادتها مبنيًّا على قاعدة أولية، هي تحرير الإنسان، وكرامة الإنسان؛ من أجل بناء مسلم يصلح نفسه وينفع أمته، فهو مفتاح التغيير الحقيقي.

وإننا إذا أردنا تحقيق تغيير حقيقي، فعلينا أن نؤسس بناءنا الجديد على أسس الإسلام وحده لا شيء سواه، وما أحسن قول الإمام البنا الذي حدد تصورًا كليًّا دقيقًا للفئة المؤمنة في هذا العصر فقال: إننا معشر أمم الإسلام لا شيوعيون ولا ديمقراطيون ولا شيء من هذا الذي يزعمون، ولكننا بحمد الله مسلمون.

وإن بناء جيل جديد يحمل الراية على أسس سليمة وربانية، غير متلوث بأي شيء خارج عن الإسلام وتصوراته، من أقذار الجاهلية المحيطة بنا، هو البداية الصحيحة، وإن وجود الكوادر النافعة غاية أولية لتحقيق التغيير المنشود، فتاريخ البشرية كله هو تاريخ من نبغ فيها الرجال.

ولعلنا نوضح هذا من خلال الجواب عن أسئلة أربع:

• أين وصلت الدعوة في مصر؟ أين نقف الآن؟

• ما (الهدف) الذي نريد تحقيقه أي صورة من التغيير نريدها؟

• كيف يحدث هذا التغيير وما مراحله؟

• ماذا نحتاج (الأدوات الأساسية)؟

1- إلى أي مدى بلغت الدعوة في مصر؟ أين نقف الآن؟

إن المتأمل للوضع في مصر الآن عقب سنوات من القهر، كثرت فيها المظالم، قد يشعر أنه لا توجد به غير الانكسارات والضربات المتتالية فقط.

لكن الحقيقة في تقديري بخلاف ذلك، فهناك زاوية أخرى للمشهد ينبغي أن تأخذ حقها من النظر، فإنه يمكننا أن نرصد بوضوح في هذا الواقع أعدادًا غفيرة من الشباب الراغب في عودة حكم الإسلام من جديد قد تصل لملايين المسلمين، فإن جماهير الأمة وجموعها لتتشوق لتحكيم شريعة ربها، وقد كانت دومًا ما تعطي صوتها لمن يرفع راية الشريعة وينادي بها، نعم نحتاج لحالة من ترشيد الوعي وضبط البوصلة لهذه الرغبات؛ لكي تكون فاعلة نافعة، وقبل ذلك كله واعية بجوانب الإسلام بشكل شامل، غير أننا يمكنا القول إن الواقع ليس سيئًا على كل حال، وقد استطاعت الحركة الإسلامية بطوائفها على مر السنين أن تصل لمساحة طيبة من استعادة جوانب الخيرية في هذه الأمة، مساحة يمكن البناء عليها وتقويتها.

وعلى حركتنا، إن أرادت أن تكون مؤثرة ولها إسهام في التغيير، أن تنطلق من قاعدة الاستجابة لما تُنادي به قاعدة عريضة من فئات الأمة، فإن هذه الأمة ما تزال حتى الآن بفضل الله، مرتبطة بهذا الدين غير منفكة عن أصوله وتعالميه الكلية.

2- ما (الهدف) الذي نريد تحقيقه؟ أي صورة من التغيير نريدها؟

ولعل ما سبق ذكره من تطلع فئات عريضة من المسلمين لتحكيم شريعة ربها، وعودة أمجاد دولتها، يقودنا لهذا السؤال، فلا شك أن هذه الرغبة – على أهميتها – لا تكفي وحدها، ولا بد من هدف واضح وشكل محدد للتغيير الذي نريد تحقيقه لكي نصل لتحقيق هذه الرغبات.

وفي جملة قاطعة أقول إن التغيير الذي أراه هو التغيير الجذري، وليس حالة من الإصلاح الجزئي ولا الوقتي، ولا السطحي لا يغوص في الأعماق، أو يكتفي بالمسكنات دون اقتلاع الأدواء من جذورها.

وهذا الجواب الذي ذكرته هو خلاصة متابعة عدد من المناهج التي سعت لأشكال من التغيير يمكن تلخيصها في الآتي:

1- منهج استغلال هامش الديمقراطية السياسي المحدود والتحرك من خلاله، والناتج أن هذا المنهج غير الموصل الضعيف ضُرب بقوة طوال الوقت.

2- منهج الانقلاب العسكري، وكانت تتبناه جماعة الجهاد في مصر ولم يتحقق، ولم تنجح فكرته إلا في السودان، لكن مع وجود خلل كبير في تصور ما بعد الانقلاب، وفي اختيار القادة الربانيين للحكم، فصار برجماتيًّا وكان الناتج، حكمًا يُنسب للإسلاميين لكنه فاسد، ثار عليه الناس.

3 – منهج الجهاد الصريح ضد العدو (الأصلي فقط)، مثل غزة وأفغانستان، ونجاحه كان جزئيًّا؛ لأنه انعزل عن باقي قضايا الأمة وتعامل مع الأنطمة التي استفادت منه كثيرًا وحيدته، وهو صاحب الرصيد لدى الأمة فخسرت الأمة تأييده لباقي قضاياها.

4 – منهج الثورات الشعبية السلمية، والناتج هو تعثرها لعدم وجود تصور لما بعد الثورة، وكيفية حمايتها كما أنه لم يستطع الإجابة عن سؤال القمع الشديد بعد انكساره، وتعرضه لأول موجة من الثورة المضادة.

5- منهج الاعتزال السلطوي تمامًا سواء ناحية العلم والثقافة، أو ناحية التركيز على صناعة الجماعات الوسيطة لتحسين نسيج المجتمع، فما حقق شيئًا يذكر إلا أن أخرج كثيرًا من أبناء الأمة من الصراع وأدخلهم في مساحات الترف الثقافي الواسعة، على خلاف ما كان عليه قراء الصحابة حين كانوا يذهبون إلى الجهاد ويقولون: يا أهل القرآن زينوا القرآن بالفعال.

وبقي بعد هذا كله منهج مقاومة شامل بدأت بذوره تظهر في الصفوف، وتحتاج لخيط ناظم يجمعها، ونرجو له الخير وأن يفيد أبناؤه من مكتسبات هذه المشروعات ويطور ما يمكن منها في ميدان جهاد الأمة لعدوها، ويفصل في خططه بما يناسب كل قطر من حيث البداية المطلوبة وطريقة التنفيذ المناسبة.

وهذا الطرح الأخير للمشروع المقاوم الذي نرى له أن يتدثر بالأمة يدفعنا له أيضًا، ليس فقط حالات الإخفاق التي أصابت المشروعات والمناهج السابق ذكرها، ولكن يدفع إليه وضع الأعداء المتكتل في مواجهة الأمة والذين تعددت فئاتهم على النحو التالي:

1 – اليهود وقوى الصهيونية العالمية، وزعيمتها إسرائيل.

2 – قوى الصليبية الدولية وزعيمتها أمريكا، ثم روسيا ودول حلف الناتو ومن تحالف معهم من الدول الصليبية.

3- قوى الردة والظلم، وعلى رأسها الحكام والأنظمة القائمة في العالم العربي والإسلامي.

4- المنافقون: وعلى رأسهم المؤسسات الدينية الرسمية وعلماء السلطان ومن تبعهم من فقهاء النفاق وأجهزة الإعلام، والأوساط الثقافية الداعمة للأعداء.

وهذا يعني أننا بحاجة لجهاد أمة، فليس معقولًا أن يكون كل هؤلاء في ناحية في مقابل نخب مقاومة فقط، مهما كانت قوتها، فمقاومة الأعداء هي في النهاية ثمرة للمناخ العام الذي يجب أن ترتفع فيه حرارة الوعي والعاطفة المحبة للجهاد ونصرة الدين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

التغيير, نريد
عرض التعليقات
تحميل المزيد