كثيرون هم اليوم من يمتهنون الكتابة لا رغبة في الشهرة كما يفسر البعض، ولكن لأنَّ الكتابة ما صارت لعنة، أو على الأقل هكذا ما صارت في مُتخيل جُل من يكتبون اليوم. وإن لم تكن الكتابة لعنة اللغة، فماذا عساها تكون؟ سوى ملهاة كبرى.

أنَّ تكتُب يعني على الدوام أن تسقط، في فخ عظيم حيث تضع جزءًا منك على الورق ليُعرض على المشاع. سيأتي يوم يحاكمك فيه أحدهم قائلًا إنك يومًا ما كتبت كذا وكذا. هنا فخ الكتابة، إنك مع كل نص تلفظ جزءًا من أناك، وهو جزء في الغالب لا تقبله الذات، ويفسر هذا أن ما نكتبه هو المتمرد في معتقداتنا، نصٌ كتبناه هو في الحقيقة نص لم يتوافق مع المكون الجمعي للذات من أفكار ومعتقدات، ربما هذا المتمرد الدخيل، هو مجدنا، هو النقي فينا، لكن المفارقة أنه قد يكون أسوأ ما فينا، جرثومة ما تحملَ العقل بقاءها فلفظها على الورق.

بهذا وغيره الكثير تصبح الكتابة لا شي غير حقل ملغم عن آخره، من يتجرأ على دخوله، لا يمكن إلا أن يكون بين حالين، ساذج لا يعي معنى الكتابة، أو ساذج يظن في نفسه امتلاك الأبجدية. في النهاية لن ترى ممن أدرك الكتابة معنىً، من يسمي نفسه كاتب، هذا النعت للذات، ينفي النعت ذاته، سقراط حين يقول أنه لا يعلم سوى أنه لا يعلم، يعيد تعريف ماهية المعرفة بأنها الشاطئ الآخر، ليست المعرفة أن تعرف، بل أن تقف على الشاطئ الآخر – شاطئ الجهل – مدركًا أنَّ ثمة شاطئًا أخر مقابل موجود وحقيقي هو شاطئ المعرفة، وصباحًا مساءً تحجُ إليه، لا لتبلُغه، وتُقبِّل حجره الأسود، بل لتدرك تحققه، أنه موجود، ولو فنيت دونه، بلا بلوغ.

مرة أخرى ليست الكتابة سوا العلم بجهل الأبجدية، وكل تجاسر على تلك الأبجدية، هو خفة كائن ثقيل لا تُحتمل تفاهته. أما ما نراه الآن فجُله ليس كتابًة بقدر ما هو صورة عن الكتابة، وهو اتساق مع العالم الصورة كما يراه هايدجر، حيث الأشياء ما عادت على عهدها القديم لا كنستولوجيا لماضٍ لن يعود، بل حنين لماهية الشيء – الكتابة – وإن كان للكتابة ماهية فإنها كما يقول بوكوفسكي ذات مرة الانفجار.(1)

والانفجار كما يطرحه الشاعر الأمريكي كماهية للكتابة يصلح كعلاج لأزمة نصوصنا التي ننتجها اليوم، تلك النصوص التي لا تمنحنا سوى الحروف الفارغة والكلمات التي لا تُشير إلى شيء. فإن تكتب بهذا المعنى هو أن تنفجر، والانفجار هنا يؤشر على فقدان القدرة على التحكم في الحرف أكثر من ذلك، أن يغلى القِدر بداخلك حتى الفوران، فتمتزج الحروف بالحروف، وتناطح الكلمات الكلمات. هذا العجز أمام فيض الأبجدية هو اللحظة الوحيدة التي ستعطي هذا النص الخارج على الورق ماهيته. وهنا فقط تتحق كينونة الحرف، ويسرق وجوده كاملًا بلا نقصان.

إن الكتابة اليوم ما عادت فعلًا نضاليًا، ولا نرمي هنا أنه حري بها في كل مرة أن تكون نضالية، لكن المؤكد والذي لا مفر منه على الحقيقة أنها لا يُمكن لها إلا أن تكون مقاومة، سواء كان النص عن شيء يخص المجال العام أو حتى يتمترس خلف قضايا اليومي والمعيش. والكتابة كفعل مقاومة لا تشترط فضاءً خاصًا لتكتسب معنى مقاومًا، فحكاية الذات رغم كل ما فيها من شخصانية تصير مقاومة في بلدان يُطلب فيها الصمت ويعز فيها حقيق الكلام.

لكن لا يؤخذ الأمر على عموميته، فنحن لا نعيش كما قد نميل للتصور في عالم يحث على الصمت، لا في الحقيقة إننا نعيش في عصر يحثنا على الكلام، وكما يُشير ديلوز فإن المشكلة لم تعد في حاجتنا لتهيئة الناس للتعبير عن ذواتهم، بل على العكس في الحاجة لمساعدتهم للحصول على برهات من الوقت للوحدة والصمت؛ إذ ربما في تلك اللحظات يستطيعون أخيرًا أن يجدوا شيئًا يستطيعون قوله. في ظل أنظمة قمعية لم تعد تمنع الناس من التعبير عن أنفسهم، بل تُجبرهم على ذلك. ولكم هو مريح أن يكون لديك ما تقوله، لكنك مختارًا تمتنع عن قوله. لأنه في تلك الحالة تتحصل على فرصة نادرة بل شديدة الندرة لأن تصيغ شيئًا يستحق القول. (2)

وهي مفارقة أن نقول بإن النظام الذي يحكم العالم اليوم ربما يخشى الصمت أكثر من خشيته للكلام، لكنها الحقيقة, واضعين في الحسبان أيضًا تلك الآلة الرأسمالية الهائلة التي تحول كل خطاب إنساني أي كان شكله ونوعه إلى استثمار لها؛ لذا فمقاومة هذه المنظومة بالصمت ربما تعيدنا لعبارة في منتهى الأهمية ختم بها جيجك كتابه العنف حين كتب أنه في بعض الأوقات أعنف ما يمكن أن نقوم به هو ألا نقوم بأي شيء. (3) هو الأمر ذاته مع الكتابة، حتى أنني قد أتجرأ للقول إن الصمت قد يكون أحيانًا نوعًا من التدوين، إذ إن التدوين والكتابة هما في الأصل طرق ابتكرها الإنسان لإيصال رسالة ما، وسيلة للبوح، وبما أن الصمت يقول أحيانًا ما لا تقوله الكلمات فإنه يحل محل الكتابة في بعض الأوقات.

هو الحكي في أقدم صوره، حيث إنسان النياندرتال في أحد كهوف جبل طارق، يتكبد الكثير من العناء محاولًا سن أحجار الكهف الصغيرة، واحدًا تلو الآخر، لينهي قصته مرحبًا: أنا رجل كهف، آكل فواكه البحر، نجحت اليوم في إشعال النار، آسف لأن رسمي قبيح، لكني رغبت في الحكي.

لكن شهوة الكتابة لا تقاوم، وكثير من مأساة عالمنا العربي اليوم يُمكن أن نردها لفائض مهدر من الكتابة فيما لا يُجيب عن أسئلتنا كعرب، وما يقوله المسكيني عن الترجمة يصح عن الكتابة فليس يمنعنا من ملاقاة أنفسنا مثل أن نترجم بها ما ليس نحن. أجل، لما يفعل العرب الجدد غير بذل أخص ما عندهم لترجمة أخص ما عند الغرب. والنتيجة لم تكن غير إهدار الخاصتين معًا. (4) هذا الكلام عن الترجمة هو في حقيقته كلام عن الكتابة، إذ ما الترجمة غير نوع من الكتابة – كتابة الآخر – بلغتنا نحن.

تحكمنا السوق جميعًا اليوم، ولا يوجد تمثُل للذات اليوم خارج السوق، معرفيًا وروحيًا واقتصاديًا إلى أخره، والكتابة ليست استثناءً أبدًا عن قاعدة السوق. اليوم من يبيعون رأس مال ماركس هم رأسماليون، لا يستطيع راتب موظفيهم أن يشتري مجلد من رأس المال، وهي لن تكون مُزحة ما وسعنا الجهد أن نفهم توغل السوق كأديولوجية، وإطار تحليلي يسع كل شيء. والعبرة هي أن نتوقف عن مقاربة الكتابة كفعل خاص يُعبر عن حالة بوح شخصية على الورق، ما تركت الرأسمالية اليوم من كثير يمكن أن نسمه بالخصوصية، لذا الكتابة اليوم هي استثمار رأسمالي بامتياز، ورؤية مكتبات ودور النشر العربية اليوم كفيل أن يكشف حقيقة تحول الكتابة والتأليف إلى جزء من منظومة رأسمالية كبرى، لذا فلا غرو أن نرى زحف البلهاء مؤلفي وقراء الأدب الردئ، هذا الأدب الذي هو مؤشر من مؤشرات زمن بلا ثقافة نعيشه اليوم.

لكن رغم الصورة التي قد تبدو قاتمة للكتابة اليوم، فإنها تظل أداة للمقاومة، ربما فقط تُغير تموضعها حسب السياقات الحاكمة لعالم اليوم، لكنها تظل في القلب من كل فعل جمعي أو شخصي يحاول إعادة مأسسة العالم على هيئة أكثر عدالة وإنصافًا. لكن لا أمل أن يحدث ذلك ما لم تُفهم الكتابة كسقوط حر، غير عابئ بالعالم، نعم هو سقوط من أجل العالم لكنه في الآن نفسه غير عابئ به، وإلا انحدر الكاتب إما إلى كتابة نصوص أديولوجية تُشيد العالم على ورق، أو انحدر إلى تجرع معاناة العالم الهائلة للحد الذي يعجز فيه عن مقاربة العالم كفكرة ويتوقف عند العالم كشعور ومأسأة كبرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد