عرفت الجزائر في 22 فبراير «شباط» حراكًا شعبيًا واسعًا شاركت فيه كل أطياف الشعب الجزائري، فانخرط الناس في الشأن العام بشكل غير مسبوق وارتفع سقف الطموح السياسي، واستمرت المسيرات كل يوم جمعة لعموم الشعب ولفئة الطلبة خاصة يوم الثلاثاء لأكثر من عام متواصل، وتخلل هذا العام محطة مهمة جدًا أخرجت الجزائر من مرحلة الشغور والفراغ الدستوري إلى مرحلة الرئيس المنتخب في 12 ديسمبر «كانون الأول» 2019، وبغض النظر عن تقييم ما حصل وما تخلل المسار من اعوجاج وخلل، فقد تم وصول السيد عبد المجيد تبون إلى قصر المرادية محملًا بوعود انتخابية ووعود بالإصلاح الجذري في السياسة والاقتصاد حتى خرجت مسودة الدستور التي فاجأت الجميع بمحتواها وبمقترحاتها التي لا تعكس أي رغبة في الإصلاح، ولا تتوافق تمامًا مع ما ينشده الشعب الجزائري وما وعد به رئيس الجمهوية عبد المجيد تبون.

وسنحاول في هذا المقال تسليط الضوء على جانب مهم من هذه المسودة من الناحية المبدئية ومن ناحية السياق والوضع العام، ثم سنبدي ملاحظات نراها أساسية فيها.

 أولًا: من ناحية الأصل والمبدأ فإن المسارات السياسية عمومًا، والدستورية خصوصًا كما ذكر الدكتور حمزة عبد اللطيف القراري في كتابه الشعوب وصناعة الدستور أنها تكون نتيجة لعقد وطني وفكرة جامعة تأتي بعد حوار وطني جامع ومشاورات عامة ويشارك فيه صناعته الجميع من  سياسيين وأساتذة وأكاديميين والفاعلين في المجتمع المدني والمواطنين المهتمون بالشأن العام، ثم بعد ذلك يأتي دور الخبراء في الصياغة القانونية التقنية وسد الفجوات والثغرات واختيار اللغة القانونية المناسبة. 

وكذلك تُعتبر صناعة الدساتيير وتطويرها مسؤولية الشعوب ودعاوي احتكار هذه الصنعة والصباغة تضليل للشعوب وخيانة للشرعية وإضرار بالأوطان وإشراك المواطنين والتعامل معهم بالأهلية الكاملة وإعطائهم فرصة صناعة دساتيرهم مع الخطأ أفضل وأسلم وأصح من احتكار جهة واحدة واستبدادها في صناعة الدساتير، فالدستور هو مشروع حكم شرعي وشعب حضاري وتنمية مستمرة للقوة والثروات الوطنية وهو صمام الأمان من أي خيانة سياسية أو تدخلات أجنبية، كما  أنه نتاج تاريخي يعكس مدى استفادة الشعوب من تجاربها السياسية ويحدد مكامن الخلل والقصور والضعف ويحجمها من العودة لتكرار ما سبق.

ثانيًا: من ناحية السياق والوضع العام فإن المسودة تأتي بعد انتخابات مأزومة بنسبة مشاركة لا تتجاوز الـ40٪ وهو عدد قليل جدًا مقارنة بسقف الطموح العالي الذي يصحب مراحل التحول التي تأتي بعد الحراكات الشعبية والثورات، وكانت هذه الانتخابات قرارًا سلطويًا أحاديًا بدأه قائد الأركان السابق أحمد قايد صالح رحمه الله بمقولة «أحب من أحب وكره من كره» بعد أن اقترح من الثكنة العسكرية وبلباس عسكري استدعاء الهيئة الناخبة التي عين هو رئيسها السيد أحمد شرفي باعترافه هو في تصريح صحافي بعد جنازة قايد صالح رحمه الله.

 كما جاءت هذه الانتخابات في جو مجتمعي مشحون بالاستقطاب الأيديولوجي ومعارك الهوية الهامشية وتوجيه الرأي العام والشعب ضد الأقلية الأمازيغية في المجتمع من خلال حرب المصطلحات التي تم استدعاؤها من التاريخ ووضعها في سياق آخر مختلف تمامًا عما ظهرت من أجله، وتبادل المؤيدون للمسار الانتخابي والرافضون له الألقاب بهذه المصطلحات؛ مما عزز أكثر الانقسام الذي وصل إلى حد الاشتباك الجسدي عند أبناء الجالية وتحطيم صناديق ومقرات الاقتراع في بعض الولايات والبلديات القبائلية الأمازيغية خصوصًا. ثم بعد فوز السيد عبد المجيد تبون برئاسة الجمهوية تم تعيين لجنة صياغة الدستور بقرار أحادي سلطوي مرة أخرى ووُضع شخص أحمد لعرابة على رأسها والذي يعتبر امتدادًا ورمزًا للنظام البوتفليقي والممارسات الأويحيوية «نسبة للوزير السابق أحمد أويحي».                                        

 كما تأتي المسودة كذلك في سياق القمع والحجر على الحريات ولا يكاد يمر أسبوع في الجزائر إلا ويتم فيه إعتقال واستدعاء نشطاء الحراك وتغريمهم وسجنهم، إضافة إلى الحجز على الرأي الاخر في القنوات الإعلامية وغيابه تقريبا وتوقيف بعض الإعلاميين من العمل في قنواتهم. كما أن المسودة جاءت أيضًا في وقت الحجر الصحي بسبب أزمة كورونا وهو ما يمنع التقاء الناس من أجل نقاشهم حول المسودة، ومن إبداء رأيهم حولها من خلال التواصل بين الجماهير بعضها ببعض وبين الجماهير ونخبها من أجل تنويرها بمحتوى هذه المسودة ليتم اتخاذ القرار حول الاستفتاء عن وعي تام بما تحتويه هته المسودة.                         

 كان سبب هذا السرد المبدئي والسياقي هو تبيان الأصل في صناعة الدساتير والوضع العام في الجزائر لكي نعرف ما سيتم إنجازه مستقبلًا، فالسعيد من اتعظ بغيره وبتجاربه، وكذلك من أجل أن لا يطغى الجانب التقني على الجانب السياسي، وأن لا نغرق في التفاصيل أين تغيب الكليات والأصول.


ثالثًا: أما بخصوص مسودة الدستور فقد جاءت خلافًا للمأمول والمنشود وردة عن الوعود الانتخابية لرئيس الجمهوية ولم تحمل أي مدول أو رغبة في التغيير، وبالرغم من أنها مجرد مسودة قابلة للنفاش والتعديل والحذف، إلا أنها تعكس توجهات النظام السياسي، فهو من يتحمل نتائجها باعتبار أنه كلفها بالمهمة، وهو من عينها، وباعتبار التجارب السابقة أين تحولت مسودات الدساتير إلى دساتير حقيقية على الرغم من الرفض الشعبي لها. وهذا ما سجلته من ملاحظات أعتبرها أساسية جدًا في المسودة المطروحة:   

أولًا: غياب المشروع الحضاري الذي ينبع من روح المجتمع والذي يعبر عن تاريخ الأمة وإنجازاتها وانتمائها وما تطرق له مجرد إشارات لا ترقى إلى المطلوب في الصياغة والخطاب، وربما يعود هذا إلى أن المسودة تمت صياغتها باللغة الفرنسية والعربية معًا وهو ما جعل نقلها من الفرنسية إلى العربية يفقدها مدلولها الحقيقي.

 ثانيًا: عدم تغيير طبيعة النظام السياسي وإبقاؤه على شكله الهجين غير الواضح  بحجة أن طبيعة النظام كانت خارج مهمة التكليف الرئاسي كما جاء في المسودة وبحجة أنه لا يصلح سوسيولوجيا في الجزائر وهي حجج واهية تعكس أنه لا رغبة للنظام في التغيير، وبالتي فالنظام الذي تقترحه المسودة لا هو رئاسي ولا هو برلماني ولا هو شبه رئاسي، وإنما تم الإبقاء على النظام الرئاسوي المغلق الذي يعيد الاستبداد من النافذة بعد أن خرج من الباب في 22 فبراير 2019.  

ثالثًا: صلاحيات رئيس الجمهوية الإمبراطورية ومن المعروف أن عدم توزيع القوة بين الأطراف السياسية الفاعلة والمؤسست واحتكارها في جهة واحدة هو أحد أهم الأشياء المؤدية للاستبداد، بل تم زيادة صلاحيات الرئيس من خلال تعيين نائب له يمكنه أن يكمل العهدة في حال شغور منصب الرئيس وهو ما لم تعرفه أي من دساتير العالم، ولا يفهم من هذه الخطوة سوى أن النظام تعلم من درس الشغور في مرحلة ما بعد الحراك ولا يريد تكرار نفس التجربة. 

رابعًا: عدم الفصل الواضح بين السلطات فالرئيس هو القاضي الأول للبلاد ويمكنه التشريع بالأوامر في وجود البرلمان، وليست البرلمان سوى هيئة استشارية لرئيس الجمهوية يمكن أن يستشيرها مثلًا في تعيين رئيس الحكومة هو الآخر وهو ما يحرم الأغلبية الشعبية من حقها في التمثيل الحكومي.

خامسًا: وهو ما يتعلق بمحور الحريات السياسية وحق إنشاء الأحزاب والممارسة السياسية واحتكار  الإدارة لحق الترخيص وعدم منح الاعتمادات على أساس الإخطار وعدم ورود مواد واضحة في حرية الصحافة والانفتاح على الإعلام الحر.                                                                  

وفي الأخير أقول أن على السلطة والنظام السياسي في الجزائر وفي العالم العربي أن يتعلم من التجارب السابقة وعليه أن يدرك أن الشعوب العربية دخلت مرحلة الوعي وأن استغبائها والالتفاف حولها كل مرة قد تجاوزه الزمن، وأن يدرك هذا النظام أن حبل الاستبداد قصير وأن حبل الكذب أقصر. 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد