الجدر والأسوار والأبراج جذورها متأصلة في تاريخ اليهود، وفي عمق النفسية الصهيونية، والعهد القديم (الكتاب المقدس) مليء بالحديث عن بناء الأسوار والأبراج العالية، ومنها أسوار أورشليم وأريحا، ومما جاء في الكتاب المقدس عند اليهود:

 

أولاً: التوراة.

أحسن برضاك إلى صهيون، ابن أسوار أورشليم،  وتشدد وبني كل السور المنهدم وأعلاه إلى الأبراج، وأجعلك لهذا الشعب سور نحاس حصينا، فيحاربونك ولا يقدرون عليك لأني معك لأخلصك وأنقذك يقول الرب، وخذ أنت لنفسك صاجاً من حديد وانصبه سوراً من حديد بينك وبين المدينة، وثبت وجهك عليها فتكون في حصار وتحاصرها، تلك آية لبيت.

هكذا يمكن فهم الدوافع الصهيونية الخفية وراء إقامة الجدار الفاصل, والتركيبة النفسية المغرقة في العزلة، إلى حدٍ يدفع البعض إلى القول: إن إسرائيل كلها ستعود لتصبح حارة اليهود في الشرق الأوسط، أو بمعنى آخر “الجيتو” الأحدث والأوسع مساحة، لكنّه نفس الجيتو المعروف تاريخياً، الذي يحشر داخله كتلاً بشرية يعصف بها التوجس والخوف والحذر والشك.

 

ثانيا: القرآن الكريم.
يكشف القرآن الكريم عن حقائق النفس البشرية، وفي هذا الصدد خصص القرآن الكريم حيزاً واسعاً لتحديد معالم الشخصية الجماعية لليهود.

ويقول الله فيهم: لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ. الحشر﴿١٤﴾

وفي هذه الآية يخبرنا الله عز وجل عن جبن اليهود وحرصهم على الحياة، وعن عقلية الجدار والأسوار المتأصلة في أعماقهم، واليهود لا يقاتلون الفلسطينيين، إلا من وراء جدر، ومن داخل مدن وقرى محصنة بالحيطان والأبراج العالية، والوسائل القتالية التي يظنون أنها تحميهم من خلف حيطان يستترون بها؛ لأنهم لا يقدرون على المواجهة.

ويتضح أن تاريخ الجدر اليهودية ارتبط ارتباطاً وثيقاً بحماية ممتلكات تم الاستيلاء عليها من الفلسطينيين، ويلاحظ ا أنه عبر تاريخ الاستيطان الصهيوني في فلسطين، والذي بدأ في النصف الثاني من القرن التاسع عشر لم يحدث أن أقيمت مستوطنة إلا كانت محاطة بالجدران والأسلاك الشائكة، حتى أنهم  وقبل أن يرسموا خريطة بناء منزل في الأراضي الفلسطينية يحرصون على رسم خريطة بناء السور والجدران حول المنزل، إدراكاً منهم بأن هناك صاحب حقٍ يعمل على استرجاع حقه، وأن الأسوار تستطيع إبطاء الخصوم العنيدين، ولكنها لا تقدم خدمة الحماية التامة أبدا، وأنها لا توفر الشعور بالأمن بقدر ما تؤكد غياب إستراتيجية للدفاع عن الذات.

لأنّ الله تعالى ذكره في القرآن الكريم, بقوله تعالى:(من وراء جدر) ينبئ عن المهانة والاستتار والاختفاء المريب والغموض لدا اليهود، وقال فيهم أيضاً:(وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) البقرة﴿96﴾.

والضمير في (أَحَدُهُمْ) يعود في هذا القول على اليهود, لأنهم أشد الناس حرصا على الحياة،  ويخافون الموت لكثرة معاصيهم في الحياة الدنيا, وهم مغفلون حيث يعتقدون أنه كلما طالت حياتهم كانوا بعيدين عن عذاب الله تعالى في الآخرةِ, لذلك اليهود لا يبالون أن يعيشوا أي حياة, ولو كانت في ذلة أو في مسكنة، أو أي نوع من أنواع الحياة، المهم أنهم يعيشون أي حياة، فالدنيا هي كل همهم وكل حياتهم.

فاليهود يعيشون حالة من الشعور بالذل والضعف، على الرغم من المقولات الزائفة: دولة اليهود دولة لا تقهر، وإنّ جيش اليهود قوة لا تقهر، قال تعالى حكاية عن موسى عليه السلام إنه قال لقومه:(يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ) المائدة﴿21﴾.

من خلال دراسة اليهود عبر التاريخ سنجد تعلق النفسية اليهودية بالجدار، كما نجد أهمية الجانب الديني بالجدار، والجانب التاريخي مرتبط بالنص القرآني الذي يشخص النفسية اليهودية التي يسكنها الخوف والجبن، والحرص على الحياة وكراهية الموت, فاليهود لا يجرؤون إلا على قتال الضعفاء، ولا يقاتلون إلا من خلف جدر, وأماكن محصنة تقيهم, إن بناء اليهود للجدار الفاصل يعكس لديهم الشعور الدائم بالعزلة والشعور بالخوف التاريخي من أصحاب الأرض التي أقاموا دولتهم عليها.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد