في إحدى الندوات التي حضرتها حديثًا كان من بين الحضور كنديون يهود. قالت إحداهن أنها تُكن كثيرًا من الحب لدولة إسرائيل؛ لأنها الحاضنة ليهود العالم، وبالتالي لم تُسمِّ ما حصل في فلسطين استعمارًا، وكذلك رفضت استعمال الكلمة من الأساس. أيضًا رفضت تسمية المضايقات والممارسات التي تحصل في الأراضي الفلسطينية المحتلة بما في ذلك غزة والضفة والقدس أنها ممارسات استعمارية، لكنها وافقت حصرًا على استعمال مصطلح التطهير العرقي لوصف ما يجري في القدس الشرقية.

أستطيع أن أتفهم أنها تحب دولة تجمع كثيرًا من اليهود في البقعة الجغرافية نفسها، ولكن ردي كان أن قيام هذه الدولة يعوق قيام دولة فلسطينية أود أن أكُن لها مشاعر الحب نفسها كما تفعلون. كما رفضت هذه اليهودية إجراء مقارنة بين تاريخ كندا الاستعماري وتاريخ قيام دولة إسرائيل، وبررت بأن التاريخين يختلفان، وأن قيام دولة إسرائيل لا يشبه التجربة الكندية الاستعمارية (ربما هذا موضوع سأتطرق له في مقال آخر؛ لأن أوجه الشبه كثيرة ومتعددة)، لكنها لم تزود براهين مقنعة. كم هو صعب ومحرج أن تدافع عن الظلم.

بالرغم من الحنق والغضب اللذَين أصاباني فإنني تمالكت نفسي خلال الرد. سبب حنقي هو جهل هذه الفتاة وقِس عليها جهل ملايين الأشخاص اليهود وغيرهم حول العالم لما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة. من الطريف أنها زارت دولة الاحتلال عدة مرات، ولكنها تدعي أنها لم ترَ ممارسات الفصل العنصري في الضفة. لم ترَ الحواجز العسكرية وجدار الفصل والواقع المؤلم الذي يعايشه شعب يعيش بضع مئات الأمتار بعيدًا عن شعب آخر يمتلك كل مقومات العيش الرغيد. لم تنطل عليَّ هذه التبريرات العبثية الوقحة لأن من لا يرى الواقع الفلسطيني السميك فهو أعمى وأحمق.

من جهتي أصررت على استخدام مسميات مناسبة لوصف ما يجري، فاستعملت كلمة الاستعمار والتطهير العرقي، ليس لأنِّي فلسطيني فقط، ولكن لأنِّي أنظر إلى الأوضاع من منظور إنساني أولًا. قلت لا ينبغي أن نعود 70 عامًا إلى الوراء كي أُبرهن صدق ما أقول، وما أسهل أن تدافع عن المظلوم. كنتِ يا فلانة قد وافقتي على تسمية ما يحصل في القدس بالتطهير العرقي. احتلال الضفة على سبيل المثال بدأ فعليًّا عام 1967، وما زال حتى اليوم. ما هي التسمية المناسبة التي تودين إطلاقها على عمليات الاستيطان التي نهشت أكثر من 60% من أراضي الفلسطينيين، الحواجز العسكرية التي تفصل القرى والمدن عن بعضها بعضًا، عمليات القتل والاجتياحات الدورية والدمار في مدن الضفة، والتمييز بين المواطنين على أساس قومي وديني؟ بعد عشر سنوات ربما ستُحتل الضفة بالكامل، إن كان ذلك ليس استعمارًا فأرجوك أن تعيدي صياغة نظريات الاستعمار. لم أرَ أنه كان مجديًا أن أكمل في توضيح معاناة الفلسطينيين؛ فالحديث عن حقائق واضحة وضوح الشمس يزرع بي الكآبة والإحباط واليأس وكذلك النقمة على الجهل.

العديد من هؤلاء يُبدي حبًّا لزرع بذور السلام، ولكنهم يرفضون التصالح مع بعض الحقائق التاريخية والحاضر، ويفضلون حجب كثير مما سيسبب لهم التقيؤ. ينبع ذلك بشكلٍ أساسي من نشأة هؤلاء في بيوت يهوديةٍ خالصةٍ، وتلقيهم التعليم في مدارس يهودية أرثوذوكسية في الغرب تمارس ضدهم غسيل الدماغ بشكل ممنهج. فكيف لنا بإقناع شخص تربى على حُب الصهيونية وعلى تقديس دولة إسرائيل؛ أن ما تعرف وتعلمت هو مجرد أكاذيب. كيف للسلام والصهيونية أن يجتمعا في قلب واحد؟ لو كانت الصهيونية مُحِبة للسلام لتعايشت مع الفلسطينيين منذ القِدم، ولو بررنا أن الأوضاع لم تسمح عام 1948، لتعايشت معهم عام 1967، ولو افترضنا مرة أخرى أن الأوضاع لم تكن ملائمة، لتعايشت معهم عام 1993، عند توقيع أوسلو. لكن هذه الحركة قائمة بالأساس على نبذ الآخر وإقصائه مُستمدةً ذلك من مراجع دينية محرفة.

الصهيونية ببساطة حركة أيديولوجية استعمارية اختطفت الدين اليهودي وجعلت نفسها مرجعيةً أساسيةً له. كل من يختلف معها ولو كان يهوديًّا مخلصًا لدينه، ليس يهوديًّا حسب التعريف الاستعماري المحدود للحركة. كل من يعترض على قيام دولة إسرائيل وعلى يهودية أرض فلسطين هو كذلك ليس يهوديًّا، وصوته ليس مسموعًا بالمرة. لكل شخص حق ممارسة دينه بالصورة التي يراها مناسبةً، ولا يحق لأي جهة أو حركة تحديد المبادئ الدينية التي يجب على الأشخاص الإيمان بها، فكل دين لديه مرجعية مجسدة في كتب سماوية وكل شخص له الحرية في الاجتهاد في القراءة والتفسير.

ختمت حديثي بأننا يجب أن نتحلى بنقد الذات، وهذا ليس سهلًا لأنه يعني التحقيق في مُسلمات ومعتقدات تربينا عليها. لا غرو في أنها تحب إسرائيل، ولكن السؤال، ماذا تمثل إسرائيل التي تُحب؟ حُب إسرائيل ليس مجردًا، ولكن يترتب عليه مسؤوليات أخرى يجب أن يتم البحث فيها ومناقشتها. هل يمكن أن يقبل أي شخص حُب كيانٍ يُميز بين إنسان وإنسان على أساس الدين والقومية؟ كيانٍ يحاصر شعبًا أعزل منذ عقود؟ كيانٍ يقصف المدنيين والأبراج السكنية، ويمنع الأشخاص من حرية الحركة وممارسة الحق في الانتخاب والقائمة تطول. هذا الحب لا يجب أن يكون اعتباطيًّا ومتوارثًا، إسرائيل ليست ورودًا وأزهار، هي دولة استعمارية تمتلك مؤسساتٍ وأشخاصًا يديرون تلك المؤسسات التي تمارس شتى أنواع الظلم، ويجب ألا ننسى أن هؤلاء الأشخاص ينتخبهم شعب إسرائيل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد