«خذ العبرة من أفواه المجربين»… ستبدأ حياتك مثل حياة أي إنسان ينتمي إلى هذا العالم، سيحاول أفراد المجتمع المحيط بك تلقينك أفكاره وقيمه التي تكون بالنسبة لهم القيم اللازمة لكي تستطيع أن تعيش في هذا العالم، والتي هي في الغالب تبعد كل البعد عن قيم الجمال والحق والعدل والحرية، فطرة الله التي فطرك عليها، حينذاك سيكون أمامك طريقان، إما أن تقبل بالأمر المفروض عليك وتحمل أفكار المجتمع المحيط بك، وساعتها ستكون من المرضي عنهم، بل ستحصل على إجازة للعيش في هذه الحياة، وأما أن تعزف عن اعتناق أفكارهم، وساعتها ستكون هناك حربان، حرب بينك وبين العالم الذي تحيا فيه، وحرب بينك وبين نفسك التي يوجد فيها جانب اسمه عيوب الطبيعة البشرية.

في بداية رحلتك ستكون متحمسًا للغاية، وستدأب على مقاومة محاولات استقطابك لمجتمعك بكل الطرق، التي تكون عن طريق إغرائك بمميزاته وما يمكن أن تظفر به، أو تخويفك من العقبات التي ستلاقيها ولن تستطيع أن تذللها ما دمت تحمل أفكارًا مثل أفكارك الهلامية على حد مزاعمهم، ستتصور في بداية الأمر أنهم يبالغون في تكهناتهم، وستستمر في محاولاتك للهروب من التطبع بطباعهم، حتى تصطدم ذات يوم بواقع كابوسي، ترى فيه من يمت من الجوع ومن البرد، ومن يقتل على مرأى ومسمع من الجميع، لأنه يعبر عن أفكار مستهجنه من قبل مجتمعك، وحين تعترض وتصرخ صرخة المستغيث المفجوع ستجد الجميع يرمقك بنظرة تخيرك بين أمرين؛ إما أن تصمت وتشيح بوجهك عن كل ما يحدث حولك، وإما تلحق برفاقك الحالمين، ليس عن طريق قتلك بالرصاص كما تظن، بل قتلك بالبطيء بواسطة الزج بك في وحشة الظلمات، وهذا ما ستدركه حين ترى أصدقاء يكبرونك في السن يستنزفون، ولكنك ستكتشف أنك في هذه السن المبكرة ستكون أتفه من أن يضعوك في رؤوسهم أو يسعوا إلى التخلص منك، لذلك سيتركون لك الحبل على الغارب، لتقول ما تشاء ما دمت لم تتجاوز الخطوط الحمراء.

سيترك الواقع الكابوسي في داخلك أثرًا لا يستهان به، وستتشبث أكثر بأحلامك، وستتمنى في كل لحظة وحين أن تكون أداة لجبر الضرر وتطيب الجروح المتقيحة للمعدمين في هذا العالم، ولكن ستدرك لاحقًا أن تحقيق الأماني ليست بالتمنى كما كان يخيل لك في أحلام اليقظة، لذلك ستحاول أن تبحث عن الطرق التي تجعلك الأداة المطيبة لجروح المعدمين، وستجد هذه الأداة، وستنبهر في بداية الأمر بنضال مستخدمي هذه الأداة المزعومة، ولكن الأمر لن يكون كذلك، فحينما ترى الواقع بعينيك، ستكتشف أن الأمر ليس كما كنت تتخيل، وستتذكر كلمات صديقك الذي استُنزف كثيرًا في هذا المجتمع حين أوصاك بعدم الإفراط في الإيمان بأشخاص حتى لا تكون صدمتك فيهم كبيرة، وستتثبت من صحة كلماته هذه حين ترى كيف تكون اليد الحانية هي اليد التي تنتفع على حساب معاناة المستضعفين في الأرض، بالطبع ستصعق وسيضيق صدرك وينفطر قلبك، وستبحث عن الملاذ، ستجده غالبًا في فتاة، سيجذبك لها طفولتها وجرأتها، وستفصح لها عن كل ما يدور في صدرك، ستحكي لها عن أحلامك الطوباوية، وعن الحرب الدائرة بينك وبين عيوب طبيعتك البشرية، ستقول لها كل ما لم تقله إلا لربك ولنفسك حين تنسى لماذا خلقها خالقها، وستسدرجك برقتها لكي تفصح لها عن مشاعرك تجاهها، لا لأنها تريد أن تشنف أذنها أو تمتع عينيها بالكلمات الغرامية، ولكن حتى يتسنى لها الفرصة لكي تدهس مشاعرك بقدميها، ستنظر إليها وهي تتفنن في دهسها نظرة ندم وستؤنب نفسك، لأنك لم تضع قلبك تحت قدميك لأنه دق لها في وقت من الأوقات، خاصة مع علمك المسبق أنها ابنة المجتمع المدللة، ستصعق وتصدم كما لم تصدم من قبل، وستتمنى وقتها لو أنك أخمدت أنين ضميرك وسلمت نفسك إلى المجتمع منذ اللحظة الأولى لتفتح عينيك على هذه الدنيا، وكففت عن التمرد على قيمه، وستتمنى لو أنك تستطيع أن تدير وجهك عن معاناة المستضعفين، ولو أنك تستطيع التطبيع مع الفساد، ولو أنك تستطيع دهس دماء رفقائك التي لم تبرد بعد، ولكن حين ستداهمك هذه الخواطر في لحظة يأس خرقاء سترى طيف عبارة سيدنا المسيح، عليه السلام، التي تقول لك «ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟»، لكي تحذرك من محاولة جديدة لاغتيال إنسانيتك وأحلامك التي يقولون عنها إنها خيالية، وتقول عنها أنت إنها ستتحقق ولو بعد حين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد