أرسل الله سبحانه وتعالى، النبي محمد رحمة للعالمين ومعه مشروعه الأخلاقي، وفي نفسه الشريفة سَمَتْ فيها الطبائع البشرية منذ ولادته فجاء بهذه النفس الكاملة التي لا تنظر إلا إلى الفضائل ولا تثور إلا على الرذائل. وذلك هو القانون الأخلاقي، وتلك هي الفلسفة الإلهية التي غرسها النبي محمد في هذه الأرض فجعل منها أخلاقًا ثابتة في الدين الذي دعا الناس إليه، وحارب من أجله، وطبقه في حياته.

تعتمد الطبيعة على هذه الطاقة المنبعثة من الشمس، التي يحيا الكوكب على أشعتها. فمتى أشرقت هي انبعث نورها أرجاء الكون. ومنه تأتينا أشعة النهار التي تضيء يومنا.

يتحرك الزمان مع شروقها وغروبها. ويصبح للمكان قيمة زمنية تنتظم فيها الحركة. لتعود الأشياء منضبطة بقانون الطبيعة الزمني إلا لحظة مولده توقف الزمن وتغيَّر الكون!

لذا شع نور النبي، صلى الله عليه وسلم، فأضاء سماء الدُنيا. فحدثت تغيُّرات في المكان والزمان والإنسان. فمن يستطيع أن يخمد نور الحق إذا سطع في الأرض؟ وهل توجد قوة قادرة على إطفاء نور النبوة العابر من السماء إلى الأرض بالرسالة الهادفة إلى إصلاح البشرية؟

لم يكن قبل النبي محمد أي تاريخ. ولم يكن هناك زمن قبل مولده، لأنه أعاد إحياء تاريخ من قبله، ولأن مولده أعطى أبعادًا روحية للزمان وأضفى على المكان قيمًا روحية لا مادية.

فحركة الكون لحظة ولادته دليل على أنه هو النبي الأعظم الذي أراد به الله سبحانه وتعالى أن يفتح جسور الرحمة بين السماء والأرض لمن في هذه الحياة لينتقلوا بإيمانهم إلى جنته السماوية.

أينما تصفحت سيرة المصطفى وجدت تلك الأخلاق حقيقة في سيرته، وإذا قرأت أي كتاب من كتب السير ستجد المؤرخين متفقين على تلك الأخلاق الحميدة التي عاش بها النبي الأعظم.

ومن يدعو إلى دين وجب عليه أن يطبق القيم الموجودة في ذلك الدين، فيبدأ من نفسه ومن ثم المقربين ثم ينتقل بها إلى الخارج، وبعد ذلك يجعلها عالمية صالحة للجميع، بالرغم من الاختلاف.

لأن الدعوة إلى الفضيلة قيمة تتناسب مع البشر لذا تقبلها النفوس البشرية على الرغم من قوة الاختلاف نظرًا إلى الفوارق بين العادات والتقاليد وما يندرج في علم الاجتماع وتركيبة الأفراد النفسية.

تكمن العبقرية النبوية هنا. إذ تقدم الفضائل للفرد فيقبلها بينما تحترم عاداته وتقاليده لأنها تنظر إلى ماضي الإنسان كجزء من الحركة التاريخية التي يتشكل منها الحاضر.

يؤكد النبي الكريم في أحاديثه الشريفة أنه لم يبعث إلا متممًا للأخلاق، وتلك نظرة نبوية على ميراث الشعوب يتضح فيها أن القوم يملكون قيمًا حميدة فجاء لتعزيزها داخل النفس. وفي المقابل هناك أخلاق سيئة جاء للقضاء عليها.

هذا القانون الأخلاقي طبقه النبي الكريم في حياته كتطبيقه للشريعة التي جاء بها. وإذا أنتَ تعقبت ذلك التاريخ الشريف في سيرته الجميلة فإنك حتمًا ستجده حيًّا ينبض بالحياة داخل هذه النصوص التاريخية التي تعج برائحة الفضائل.

كان يتعامل في بيته بأخلاق الأب الرحيم مع ابنته الزهراء، فكان يقدِّرها ويقف لها ويضع قبلة على ناصيتها إذا قدمت عليه في حجرته، وعلمها هذا السلوك الأخلاقي النبيل فطبقته بحياتها.

بهذا القانون الأخلاقي وبهذه الأخلاق الفضيلة كان يتعامل نبينا الكريم مع أزواجه أمهاتنا، رضي الله عنهن وأرضاهن. وفي أمور الدولة كان يطبق تلك القوانين الأخلاقية، ونحن نلمسها في يوم المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار هناك بالمدينة.

والوفود التي كانت تتوافد عليه كان يعاملها بهذا القانون الأخلاقي نفسه الذي نشأ عليه قبل بدء الوحي، وبعد الوحي؛ لذا جاء موافقًا لطبعه ولطبيعته فأصبح خصلة من خصاله الحميدة.

والإنسانية جزء لا ينفصل عن الأخلاق لما يرتبط بها من السلوك الذي تنعكس على الفرد والنبي محمد قلبه مليء بالأخلاق وبالإنسانية والرحمة:

مرت أمامه جنازة فقام للصلاة عليها فأخبره صحابته بأنها يهودية فأجابهم بهذه الكلمة الخالدة: أو ليست نفسًا؟ فجاء القرآن الكريم بهذه الآية الكريمة ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾.

كتبنا هذا المقال بمناسبة ذكرى المولد، ذلك اليوم المبارك الذي ذُكر بأنه قد ولد فيه حبيبنا، وإن رواية تاريخية تتعلق بالنبي لهي عندنا تعدل جميع ما كُتب في التاريخ الإنساني كله. وعليه فإني احتفل بذكرى هذا اليوم الجميل على قلبي الذي نزل صباح يومه بالحب كأيام الربيع بنفسي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد