الثقب الأسود هو منطقة من الفضاء تُظهِر تسارعًا قويًّا جدًّا في الجاذبية، لدرجة أنه لا يوجد أي جسيمات، أو حتى إشعاعات كهرومغناطيسية، مثل الضوء، يمكنها الهروب منه.
تتنبأ نظرية النسبية العامة أن كتلة مدمجة بما فيه الكفاية، يمكن أن تشوه الزمكان لتشكيل ثقب أسود، وتسمى حدود المنطقة التي لا يمكن الهروب منها أفق الحدث «the event horizon». على الرغم من أن لأفق الحدث تأثيرًا هائلًا على مصير عبور جسم ما وظروفه، فإنه لا يبدو أن هناك أي مميزات يمكن الكشف عنها في هذا المستوى.

يعمل الثقب الأسود كجسم أسود مثالي؛ لأنه لا يعكس أي ضوء. علاوة على ذلك، تتنبأ نظرية المجال الكمي في الزمان المنحني بأنه ينبعث من أفق الحدث إشعاعًا يسمى بإشعاع هوكينج، بالطيف نفسه الذي يتسم به الجسم الأسود، والذي تتناسب درجة حرارته عكسيًّا مع كتلته. درجة الحرارة هذه على حدود المليارات من الكلفن، الشيء الذي يجعل ملاحظته أمرًا صعبًا.
ومع ذلك، ما يمكننا القيام به هو الاعتماد على بعض النظريات للإجابة عن مجموعة من الأسئلة الحتمية من قبيل: ماذا سيحدث إذا قفز شخص ما في ثقب أسود؟ حسنًا، إليكم خمس من أكثر النظريات الغريبة حول ما قد يحدث إذا دخلت في ثقب أسود.

  • الاستنساخ «cloning»

مفارقة معلومات الثقب الأسود لغز حير علماء الفيزياء منذ قرون. لقد كان هذا هو السبب وراء نقاشات لا نهاية لها، حول ما يحدث بالفعل، بمجرد دخولك إلى ثقب أسود. لفهم المفارقة تمامًا، سنحتاج إلى مساعدة صديقتك، لوسي. قررت لوسي التراجع في آخر ثانية وتراقبك حاليًا من بعيد، وأنت تدخل ثقبًا أسود وحدك. مع تقدمك في الطريق، ترى أنك تتمدد ببطء إلى أن تتبخر في النهاية إلى هش. تعتقد لوسي الآن أنك ميت، وسعيدة لأنها لم تعد تسمع صوتك، لكن انتظر، لم تنته القصة هنا. في الواقع، ما زلت على قيد الحياة وبصحة جيدة، وأنت تغامر بلا نهاية عبر الثقب الأسود. ما يحدث بالفعل لك بعد ذلك، لا يهمنا في هذه المرحلة. ما يثير الاهتمام حقًّا هو حقيقة أنك ما تزال على قيد الحياة، رغم أن لوسي رأتك فقط تموت. هذه هي مفارقة معلومات الثقب الأسود. إنه ليس وهمًا، ولم تفقد أنت ولا لوسي عقلك. إنها ببساطة قوانين الفيزياء، فهي ما تملي أنك ميت خارج الثقب الأسود/ وعلى قيد الحياة بداخله. لقد افترض بعض علماء الفيزياء أنه لا توجد مفارقة على الإطلاق، إذ لا يمكن ملاحظة كلتا الواقعتين في الوقت نفسه. رشح آخرون الاستنساخ «وجود حقيقتين منك» حلًّا لهذه المفارقة، على الرغم من أنها تتحدى قوانين ميكانيكا الكم المتعلقة بحفظ المعلومات. في النهاية، لا توجد إجابة معينة على هذه المفارقة «حتى الآن». ربما آلاف السنين من الآن، سوف نفهم ما يجري بالفعل. ومع ذلك، فنحن على يقين من أنك لا يجب أن تأخذ لوسي معك في رحلات بعد الآن.

  • المكرنة «spaghettification»

نظريًّا فإنه بمجرد دخولك أفق الحدث لثقب أسود، ستبدأ في تجربة قوى المد والجزر من الجاذبية الهائلة. نظرًا لأنك تسقط في الثقب الأسود، فإن القوة المطبقة عليك، مقارنة بتماسك جسمك، قد تتسبب في تمزيقك إلى أجزاء. علاوة على ذلك، إذا قررت القفز بجرأة برأسك أولًا في ثقب أسود، فتُسحب رأسك بعيدًا عن قدميك، بحيث تبدأ في الظهور كالمكرونة. والفكرة هي أن الفرق في التسارع بسبب الجاذبية بين رأسك وقدميك هائل للغاية في تلك المرحلة، بحيث تكون ممتدًا وشكلك يشبه «الاسباغيتي». وهكذا، صاغ علماء الفيزياء هذه العملية على أنها «مكرنة» «spaghettification».

  • تشويه الضوء.. والفضاء.. والوقت «distortion of light, space and time»

أول شيء يلاحظه أي شخص عند دخوله أفق الحدث لثقب أسود هو مدى اختلاف الضوء والفضاء والوقت. بمجرد دخولك، قوانين الفيزياء المعروفة تتوقف، وتوضع قوانين جديدة. كمية لا حصر لها من الجاذبية تُنتج من التفرد «the singularity» وسط الثقب الأسود مما يسبب تشوه الفضاء، الوقت ومسار الضوء أيضًا. ولهذا السبب، فإن إدراكك لما يحدث سيكون غاية في الصعوبة مقارنة بكيفية مشاهدتك للأشياء قبل الانتقال إلى أفق الحدث. بالطبع، سوف يستمر هذا فقط حتى تغوص في الظلام وحيدًا، ولن تكون قادرًا على إدراك أي شيء بعدها.

  • السفر عبر الزمن «time travel»

افترض أعظم علماء الفيزياء، مثل أينشتاين وهوكينج، أن وقت السفر إلى المستقبل أصبح ممكنًا من خلال استغلال القوانين الأثيرية للثقب الأسود. كما ذكرنا سابقًا، فإن قوانين الفيزياء تعد لاغية داخل الثقب الأسود، وتوضع مجموعة جديدة من القوانين موضع التنفيذ آنذاك. شيء واحد مختلف بشكل كبير في الثقب الأسود مقارنة بعالمنا هو الوقت. الجاذبية تشوه الوقت، والثقب الأسود هو في الأساس هيئة الجاذبية الضخمة. مع وضع ذلك في الاعتبار، تتمثل الفكرة في أن تشويه الوقت يتيح إمكانية السفر عبر الزمن. من خلال استغلال التفاوت الهائل بين الوقت داخل أفق الحدث وخارجه، ومنه يمكنك بالفعل العودة إلى عالم مستقبلي ما يزال عمرك فيه 25 عامًا، ولكن أفضل صديق لك الآن هو ستيني العمر، وذلك بسبب توسع وقت الجاذبية. بالطبع، علينا أن نأخذ بعين الاعتبار أنه، في الوقت الراهن، ليست لدينا وسيلة للسفر إلى الثقب الأسود، ناهيك عن عدم وجود أي طريقة للدخول والخروج من أفق الحدث سالمين ناعمين.

  • الثقب الأبيض «the white hole»

من المعروف أن الثقب الأسود يمتص كل ما يدخل عبر أفق الحدث، إلى الحد الذي لا يستطيع فيه حتى الضوء الهروب منه. إحدى النظريات تفيد أن كل ما يصل إلى التفرد داخل ثقب أسود يخرج من نهايته الأخرى، فيقابل ثقبًا آخر يطلق عليه الثقب الأبيض. بالطبع، لم يشاهد أحد من قبل أي ثقب أبيض، لذلك لا أحد يعرف بالفعل ما إذا كان أبيض بالفعل أم لا. ولكن السبب وراء تسمية ذلك هو أن ميكانيزم الثقب الأبيض يمثل العكس الكامل لميكانيزم الثقب الأسود، فبدلاً من امتصاص كل ما يعبره، فإنه يبصق كل ما بداخله. تمامًا مثلما لا يمكنك الهروب من الثقب الأسود، فإن العكس صحيح بالنسبة للثقب الأبيض، إذ لن تكون قادرًا على الدخول. باختصار، فإن الثقب الأبيض يبصق أي شيء قد ابتلعه الثقب الأسود في كون بديل. هذه النظرية جعلت علماء الفيزياء يعدون الثقوب البيضاء أساسًا لإنشاء الكون. إذا تمكنت من النجاة من السقوط في الثقب الأسود و السفر بطريقة ما خارج الثقب الأبيض، فمن المحتمل أنك لن تتمكن أبدًا من الوصول إلى هذا الكون مرة أخرى.
في بعض الأحيان، نود أن نتجاهل الحقيقة الواضحة والسوداوية، بينما نغض طرف العين عن فرصة الوصول إلى شيء أكبر. بقدر ما يبدو الأمر ساديًّا، فإن النتيجة الأكثر احتمالًا للسقوط في ثقب أسود هي أنه قبل أن تتمكن حتى من الاعتراف بوجودك داخله، سوف تكون ممزّقًا إلى آخرك، حتى إنك لن تفهم أنك شاهدت ما يزعم علماء الفيزياء أنه مفتاح فهم أسرار الكون الغريبة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة

الشباب الدائم.. حلمٌ أم علم؟
شارك 95
علوم
منذ أسبوعين
سهم الزمن
شارك 30
علوم
منذ 3 أسابيع