كيف ضيعت النخب لحظات تاريخية كان يمكن أن تغير وجه تونس الحديثة نحو الأفضل؟

المتابع للأحداث والشأن العام التونسي، لا يفوته أن يلاحظ أن هناك موضوعات يتكرر تداولها دوريًّا، فتتخذ موضع سنن تكاد تكون مؤكدة، فبحلول ذكرى 20 مارس (آذار) 1956، تاريخ الاستقلال، يكثر اللغط والحديث ولو جزئيًّا هذه السنة بسبب انشغالنا بأخبار الفيروس «كورونا»، حول مدى استقلالية تونس، وسيمتد بعد ذلك المحتوى الإلكتروني إلى الخوض في ما إن كان بورقيبة، ومن يمثلهم من الحركة الوطنية حينها، قد كان مدبر الاستقلال ومحركه كما يزعم ويزعمون، وكذلك مناصروه من بعده، أم هو فقط بيدق يبد الإمبريالية الفرنسية وضعته ونفخت فيه؛ لتصوره زعيمًا فتنهب ثروات البلاد حسب ما يدعي غرماؤه.

ولادة النظام العالمي الجديد من رحم الحرب العالمية
الثانية:

شمال أفريقيا هي الحدود الأمنية للعالم الحر

سنتاول فيما يلي بإيجاز ما يخص تونس من تلك الفترة. كان العالم قد سبق وتحددت معالمه الجديدة بعد الحرب العالمية الثانية، في لقاء جمع كلًّا من روزفلت، تشرشل وستالين على جزيرة مالطا(1) 1945. وقد اعتبر روزفلت حينها أن «شمال أفريقيا هي الحدود الأمنية للعالم الحر» (تسمى المنطقة كذلك بجنوب أوروبا في الأروقة الكوليانية وقتها)، واتضح أن على فرنسا أن تلملم جراحها وتنهض عن فراش العظمة، الذي استغرقت فيه نائمة منذ قرن مضى. فهم الوزير الأول لاحقًا «بيار منديس فرانس» ذلك، وهو مثقف فرنسي سليل برجوازية يجيد التفاوض وخياطة الجروح، فانطلق في التفاوض للخروج من مستنقع الهند الصينية «فييتنام»، ولينقذ ما يمكن إنقاذه من كرامة فرنسا في شمال أفريقيا، بعدما اندلعت ثورة مسلحة عارمة ركبها الحزب الدستوري حينها، ولم يعترض على ذلك «الأزهر الشريطي» ورفاق سلاحه، بعد أن ضاقوا ذرعًا بالمحتل، خصوصًا وأن كثيرًا منه اكتسبوا خبرة القتال أثناء مشاركتهم في  الحرب العالمية مع القوات الفرنسية بعد أن وعدتهم بالتحرر. إذن نستنتج من كل هذه الأحداث، أن الحكومة الفرنسية قد قررت مسبقًا منح التونسيين ما يريدونه. وكان السؤال حينها: من ستمنح وماذا ستمنح؟

ترتيبات المفاوضات وترشيح بورقيبة:

إن الوزير «آلان سافاري» قد بعث برسالة إلى «منديس فرانس» بعد لقاء جمعه بالحبيب بورقيبة، مفادها أن الأخير لا يرنو
لأكثر من حكم ذاتي. فعرفت الحكومة الفرنسية، بناء على ذلك وعلى تقارير عن ليونة بورقيبة وتماهي أفكاره مع القيم الجمهورية الفرنسية، أنه لا يعارض فكرة وجود فرنسي في تونس، كما أن بورقيبة كان قد أوضح سابقًا، في لقاء(1) جمعه مع «بيار فينوا»، نائب كاتب دولة شؤون الخارجية في 1936 «أنه مستعد للتعاون والإصلاح»، وأوضح أيضًا في تصريح للصحافيين إبان ذلك، أن «حقوق الفرنسيين الاقتصادية والاستراتيجية والثقافية ستحترم». بناء على هذه التصريحات، بالإضافة إلى التوصية الأمريكية حول بورقيبة، وبهذا تكون الحكومة الفرنسية وصلت حينها إلى ضالتها، وتوضح لها ما ستمنح ولمن ستمنح. فانطلقت
المفاوضات بعد تحضيرات قام بها الشاب المصمودي حينها في جنيف.

وللتذكير هنا، فإن كلمة دستور عندما ظهرت في 1920، مع بعث الحزب الدستوري، كان لضمان حقوق التونسيين في صلب نظام الحماية(2)، أي إن فكرة الاستقلال وخروج فرنسا نهائيًّا من تونس لم تطرح في أي سياق حينها. (بتحفظ)

السلاح أم الحوار؟

لا يسمح لنا الفضاء بإتيان كل التفاصيل، ولكنها موجودة في المصادر لمن أراد، إذ إن القارئ للأحداث في تلك الفترة يمكن أن يخلص أولًا إلى أن غاية الحركة الوطنية حينها هي السماح بمشاركتها في تسيير شؤون البلاد، أين يسعهم تقلد بعض المناصب حفظًا لماء الوجه، بعدما أفنوا أعمارهم في نضال لست أنكره، حتى يمارسوا مسرحيات الزعامة (موضة عالمية في ذلك الوقت) بكل أريحية. ثانيًا، إن استكانة فرنسا إلى المفاوضات، كان ثمرة تضحية المقاومين، أمثال مصباح الجربوع، وجهادهم، والذي استثمره بعد ذلك حفنة من الوصوليين والمرتزقة، والحال أنهم طمسوا تضحية أولئك، وعمدوا إلى تزوير التاريخ بالقول إن السياسة هي من أجبرت فرنسا على الاستقلال، فإن كان كذلك فماله تأخر لأكثر من 30 عامًا بعد إنشاء أول حزب تونسي؟ المخبول وحده هو من يظن أن كيانًا كوليانيًا يغادر أرضًا يعتبرها ملكه بالحوار والسياسة.

بروتوكول الاستقلال

إن وثيقة الاستقلال لم تلغ اتفاقيتي باردو والمرسى الممهدة لتنصيب الحماية

أكثر من ذلك، إن تقارب النخب التونسية حينها فكريًّا وثقافيًّا، جعلها تهلل للمبادرة الفرنسية لمنح الحكم الذاتي لتونس، وتوافق على بنوده إجمالًا، بما فيها أن الاستقلال الداخلي مبرمج على مراحل تمتد ل20 سنة(3) لولا مضي المقاومين قدمًا حينها في تحرير كل تراب الوطن. ويلوم المؤرخون، مثل الأستاذ عبد الجليل التميمي(4) والعميد توفيق بشروش(2)، عدم نشر بروتوكول الاستقلال للعموم من جهة، مما يفتح بابًا للارتياب حول محتوى الوثيقة، وهو ما سهل للبعض، من مناصري نظرية المؤامرة خاصة، بناء أساطير وسرديات تخوِّن من تولوا حينها وضع أسس الدولة الحديثة، أو الوطنية إن صح التعبير. ومن جهة أخرى، يرى العميد توفيق بشروش(2) أن الوثيقة (بروتوكول الاستقلال) تتضمن ثغرات قانونية، إذ إنها لم تلغ ما سبقها من اتفاقيات تنصيب الحماية، وهو ما يحيل إلى أن تلك الاتفاقيات ما زالت سارية المفعول حتى يوم الناس هذا.

الختام

للمقاربة، فلنعتبر من الثورة التونسية، مع تمثيل فرنسا بالنظام الجاثم على النفوس حينها. هل استطاعت الأحزاب السياسية قبل الثورة أن تفتك شيئًا من بن علي؟ بل على العكس، كانوا فقط يطمحون إلى أن يسمح لهم بن علي بالظهور والتمعش، (هرولوا إليه في كل مرة دعاهم باستثناء البعض)، ولكن الأخير فرض عليهم النضال حين رفضهم ومطالبهم، إلا من رحم ربي، والحال أنه لم «يفهمهم»، فلو أنه عينهم معتمدين وولاة لانتهى زعمهم. فلنذهب أكثر من ذلك، كيف تصرفت النخب السياسية، حكومة ومعارضة، إبان الثورة. كأن التاريخ يعيد نفسه، كانوا يرجون من النظام لقمة صغيرة يلتفون حولها كرجاء نظرائهم قبل 50 عامًا من فرنسا أن تعتبرهم، فأهدتهم الثورة الحكم، كما أهدى الاستقلال من سبقهم، فكانت لقمة أكبر من أفواهمم، فمن كان يرجو أن لا يعود للسجن وأن يتنفس حرًّا، وجد نفسه إبان الثورة زعيمًا أو منظرًا أو وزيرًا أو نائبًا. فضيعوا الفرصة والمرحلة بارتجاليتهم وخوفهم وارتعاشهم، والأمر سيان في المناسبتين، الاستقلال والثورة، فلا تجد لا قرارت ثورية ولا حاسمة، بل تجد مكانها مسايرة اعتباطية للأحداث، وممطالة ماكرة. هل هو قدر البلاد أن تظل رهينة الوصوليين والارتجاليين، أم أن الأقدار تحمل عكس ذلك؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد