لا تصدق الذين يسخرون من «ديمقراطية الصناديق». نعم، الديمقراطية هي الصناديق. على الأقل في البداية. ابدأ بحراسة الصناديق وعدم تزويرها، ثم ستكتشف لاحقًا أن بإمكانك أن تضيف إليها المزيد. لا تأتي الديمقراطية دفعة واحدة. إنها تنمو مثل أشجار الغابة وتحتاج إلى وقت. يجب أن يتعهدها الناس بالرعاية حتى تكبر وتمتد جذورها. الديمقراطية تحتاج إلى الممارسة من جيل إلى آخر حتى يدرك الناس أن الحرية كالماء والهواء، إذا انقطعتْ عنهم لن يكون لحياتهم معنى.

لا يقاس تقدم البلاد بتقدم النخبة أو الطبقة الحاكمة ومن يعيشون حولها وينتفعون منها، وإنما يقاس بتقدم وارتقاء الناس العاديين. لا فائدة أن يكون لديك طبقة غنية تتعلم في أوروبا والولايات المتحدة بينما تعيش الجماهير في الفقر والمرض. في النهاية أنت تعتبر أن الولايات المتحدة واليابان بلادًا متقدمة لأنك عندما تسير في شوارعها تجد بشرا متعلمين يحافظون عليها. إن تحسين حياة الناس والارتقاء بهم ليس رفاهية، وإنما هو ضرورة لكي يحافظ الناس على الشوارع ووسائل المواصلات والمرافق.

إذا قلتَ لشخص إن الحرية ضرورة للإنسان لا يمكن الحياة بدونها، ثم ردَّ عليك بأن «الحرية ليست ضرورة، بدليل أن الصين بلد قوي وغني رغم أن الناس هناك يعيشون تحت ظل حكومة استبدادية». لا تغضب. لا تنفعل. فقط ارفع يديك إلى السماء، وتضرعْ إلى الله بأن يرزقه برحلة إلى الصين لا يعود منها أبدا لكي يستمتع بالإقامة في هذا البلد الغني.

خطورة الاستبداد لا تتمثل فقط في الجانب السياسي، لكنه يتغلغل داخل المجتمعات، يصبح الأستاذ في المدرسة أو الجامعة مستبدًّا، ويصبح رب الأسرة مستبدًّا، ويصبح رئيس العمل مستبدَّا. سلسلة طويلة تبدأ بالحاكم وتنتهي بالفرد.

حتى لو جاءت نتائج الديمقراطية بصورة لا ترضيك، بإمكانك أن تغيرها بعد أربع سنوات أو ثمان. لن تستمر إلى الأبد. لا تقلق.

أهم ما في الديمقراطية أن الشعب هو «السيد». هو الذي يرسل الرئيس المنتخب إلى الحكم. يظل هذا الرئيس خادمًا للشعب ومتحدثًا باسمه، يظل مدينًا لهذه الطوابير الطويلة التي أجلسته على كرسيّ السلطة. السلطة منحة من الشعب لشخص.

في بلاد الحرية، الحاكم موظف عام يأتي لفترة من الوقت، ثم يذهب ويأتي شخص آخر بأفكار جديدة وأسلوب جديد. الدول تشبه أجسادنا تمامًا. الدول التي يتداول الناس فيها السلطة وتتغير فيها الدماء تظل شابة قويَّة، بينما الدول التي لا يُسمح فيها للناس باختيار الحكام أو تداول السلطة تعاني من الشيخوخة وتصيبها الأمراض المزمنة.

في البلاد التي يحكمها القانون والدساتير، تأتي السلطة من أسفل إلى أعلى. هناك جماهير تجتمع يوم اختيار الرئيس. يزحفون معا إلى صناديق الاقتراع، ثم يضعون أصواتهم في صناديق مغلقة. هذه الصناديق تُرْسِل شخصًا إلى قمة السلطة. يظل هذا الشخص مدينًا لهذه الجماهير التي أوصلته إلى الكرسي. يظل خاضعًا لإرادتها ومتحدثًا باسمها. السلطة تمتد من أسفل إلى أعلى. الجماهير هي التي تمنح السلطة لفترة من الوقت. إذا انتهى الوقت، يعود الحاكم كما كان شخصًا عاديًّا.

في بلاد الانقلابات العسكرية والحكم الشمولي، لا قيمة للجماهير. الناس لا يختارون الحاكم. بإمكانه أن يحصل على السلطة من خلال انقلاب عسكري، يظل الانقلابيُّ مدينًا للدبابة التي أوصلته إلى السلطة، يهتم بها ويحبها ويتمنى رضاها. يظل مدينًا للبنادق. يشتريها بالمليارات، لا يحس بالراحة أو السعادة إلا إذا أبرم المزيد والمزيد من صفقات السلاح. ربما يموت الناس جوعًا. لا يهم. ربما يحتاجون إلى مستشفيات أو مدارس أو جامعات. لا يهم. المهم أن يكون السلاح كافيا كي يردع أيَّ شخص تحدثه نفسه بالحرية أو تداول السلطة.

لكل نظام حكم سرديَّة تجعل الناس يقبلون به. لكي يخضع الناس للسلطة لا بد من حكاية تقنعهم. يمكنك أن تقوم بثورة وتسمي نفسك قائد الثورة. يمكنك أن تعقد اتفاقية سلام، سوف يطلق الناس عليك لقب «قائد الحرب والسلام». يمكنك أن تشارك في حرب تحرير، ويسميك الناس بعدها «قائد الضربة الجوية». الدبابة وحدها لا تكفي لإخضاع الناس إلى الأبد.

حتى لو كنتَ مواطنًا أمريكيًّا تعيش في بلد ديمقراطي، لن تستطيع أن تذهب إلى البيت وتنام دون أن تشعر بالقلق. حتى في البلاد المتقدمة، إذا أغلق الناس عيونهم بإمكان المستبدين أن يقفزوا إلى أحلامهم. لا يمكن أن يحصل الإنسان على الحرية إذا لم يدافع عنها أو يحرسها بدمه. أوروبا والولايات المتحدة الآن تواجه تيارات يمينية متشددة يمكن أن تُحوِّل هذه البلاد إلى جمهوريات موز كتلك الموجودة في الشرق الأوسط. حدث هذا في «ألمانيا» و«إيطاليا»، وكان يمكن أن يحدث في الولايات المتحدة لولا استقلال المؤسسات وحرية التعبير.

ينبغي النظر إلى أدوات التعبير والصحافة والإعلام كأنها ألسنة الناس ومرآة أفكارهم. الدول التي تراقب أدوات التعبير وتحتكر الإعلام هي دول تعيش بألسنة مقطوعة.

هل يمكنك أن تتخيل ما الذي يمكن أن يحدث للولايات المتحدة لو أن أنصار «ترامب» احتلوا مبنى الكونجرس ومنعوا استيفاء نتيجة الانتخابات، ثم يتحرك الجيش لاحتلال الشوارع وفرض الأحكام العرفية؟ إذا كنت مواطنًا شرق أوسطيًّا، لا تحتاج أن تتخيل. فقط انظر حولك وتأمَّلْ كي تعرف النتيجة.

كلما رأيتُ عربيا يسخر من الولايات المتحدة، وينتقد نظامها ومؤسساتها السياسية التي تلاعب بها الرئيس الأمريكي، أضحكُ من قلبي. ينبغي للإنسان أن ينظر تحت قدميه قبل أن ينتقد الآخرين. أين حمرة الخجل؟! إن نوافذنا من الزجاج، ورغم هذا فعندنا الجرأة المتناهية أن نقذف الآخرين بالحجارة. لا ينبغي لمن يقف بقدميه في الوحل أن يشير إلى ملابس الآخرين المتسخة. هذا لا يعني أن انتقاد أمريكا خطيئة، لكن الخطيئة الأكبر هي أن ننظر إلى أخطاء الآخرين وننسى أخطاءنا.

إذا أحسستَ أن المسافة واسعة بين ما نطمح إليه وبين ما نعيشه في الواقع فلا تيأس. صحيح أن الثورات العربية التي قامت منذ 10 سنوات قد انتهت إلى مآلات حزينة ومخزية، لكنَّ وعي الناس وإدراكهم قد تطور بشكل كبير بدرجة يصعب معها إعادتهم إلى الحظيرة مرة أخرى.

بإمكان البذرة الضعيفة المختفية في باطن الأرض أن تفتت أقوى الصخور، وأن تخرج لنا زهورًا جميلة تشق طريقها بهدوء وأن تبدأ حياة جديدة. الزهور تفعل هذا كل يوم. ألا نستطيع نحن أن نفعل؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد