أكتب ولكن لا عتاب علي إن لم أخض في كل ما يعتري أذهانكم، فإن كان في كلامي مقاربة له فاتخذوا منه دواء وإن جانب فحوى أذهانكم فاجعلو منه وقاء فمن زعم الإحاطة فهو واهم، فالنفس لغز يصعب فهمها وقد قيل «يكذب من يصور لنفسه أنه فهم النفس البشرية، وأحاط بها، بل يكاد الواحد منا لا يفهم نفسه وهو أقرب الناس إليها، وإن نفسه لتراوغه وتدلس عليه وتتمثل عليه وتتنكر أمامه وتغلف الشهوات بالدواعي والمبررات». مصطفى محمود.

قال أبو حاتم محمد بن حبان، رحمه الله وأعلى منازله في عليين: «ولا يجب للعاقل أن يغتم لأن الغم لا ينفع، وكثرته تزري بالعقل، ولا يحزن لأن الحزن لا يرد المزرأة ودوامه ينقص العقل. والعاقل يحسم الداء قبل أن يبتلى به ويدفع الأمر قبل أن يقع فيه، فإذا وقع فيه رضي وصبر».

لا تمدن عينيك إلى ما يملكه الآخرين

لا تمدن عينيك. وأصدق ماجاء في ذالك هو كلام الله وقد ذكر النهي في موضعين (الحجر و طه) والتكرار يقتضي التوكيد قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ 130﴾-سورة طه.

أي: «ولا تمد عينيك معجبًا، ولا تكرر النظر مستحسنًا إلى أحوال الدنيا والممتعين بها، من المآكل والمشارب اللذيذة، والملابس الفاخرة، والبيوت المزخرفة، والنساء المجملة، فإن ذلك كله زهرة الحياة الدنيا،…» تفسير السعدي.

لست هنا في صدد الوعظ أو الدعوة إلى الزهد عن الدنيا كما أنني لن أمقت ما تهفو إليه نفسك مما في أيدي الآخرين، وإنما بغيتي من هذا المقال هي الوقوف على الأعراض التي تنشب في ذات الفرد من جراء تطلعه إلى ما متع به الآخرين من زهرة الحياة الدنيا؛ لذا فإنني لن أتحدث عن الجانب الآخر من الآية وسأقتصر على غاية مقالي، والتي يتضمنها أسلوب النهي ولكن حتى يتضح لك المعنى سأتطرق لإعطائك تعريفًا لما أنهاك عن مد العينين إليه وهو «المتاع الدنيوي» وليس أكثر وصفًا له من قوله تعالى ﴿… قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (77)﴾ سورة النساء.

في واحة الحياة وعلى غرار الواقع تتشبث بعض النفوس بما لدى الآخرين من متاع الدنيا، وذلك وفقًا لتقارير أدلت بها عيونهم التي رمقت وقرأت ثم أقرت أن من وراء تلك المظاهر طمأنينة دائمة وأرى أن مثل هذه النفوس ستشمئز متأففة من حال من هو أدنى منها منزلة ومكانة، بل ستمتلئ غرورًا ثم إنها لن تقارن بينها وبين تلك النفوس التي هي دونها في ذلك الشيء الذي تطلعت إليه حين ألقت ببصرها عليه وقبل أن تغمضها فجأة دون تدقيق أو قراءة، وعلى غرار ذالك أعتقد يقينا أن هذه النفوس  هي ذاتها التي جعلت من قارون وزيرًا واستبعدت بل استضعفت من هم دونه في المال من بني جنسه.

ينسبون للإمام جعفر الصادق وصيته لابنه موسى والتي قال فيها: «يا بني.. من قنع بما قسم له استغنى، ومن مد عينيه إلى ما في يد غيره مات فقيرًا، ومن لم يرض بما قسم له اتهم الله في قضائه ومن استصغر زلة غيره استعظم زلة نفسه، ومن كشف حجاب غيره انكشفت عورته، ومن سل سيف البغي قتل به وشيئًااحتفر بئرًا لأخيه أوقعه الله فيها..».

إن مد العينين الى ما في أيدي الآخرين لا يجلب على النفس سوى الأسى، والذي يتضمنه غالبًا شعور بالدونية لدى الفرد تجاه ذاته، ويزداد الأمر سوءًا حين يقارن الفرد بين ذاته والآخرين فينتج من ذلك ادعاء أن ما حازه أولئك إنما هو بفضل ذكائهم وشطارتهم وأن ما جعله دونهم في المتاع إنما هو بسبب فشله وجهله، وحينها يفقد الفرد حيويته ويستصغر مهامه ثم ما يلبث أن يتيه في بحر أحلامه وينسى أنه يوما ما تلا قول الله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ ۚ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (71) سورة النحل.

لا تمدن عينك لأن تتبعك لأحوال الآخرين والانشغال بهم يزرع فيك الكثير من الأحقاد والضغائن التي تتولد في ذاتك تلقائيًّا وليس أقل من أن يغمرك الحسد ويستوطن فيك.

لا تمدن عينيك، واطمح فالرضا والطموح لا تضاد بينهما، وقد قيل «سر الرضا: الالتفات للموجود وغض الطرف عن المفقود.. وسر الطموح: البحث عن المفقود مع حمد الله على الموجود». أحمد الشقيري

سئل ابن حازم: ما مالك؟ فقال:

للناس مال ولي مالان مالهما… إذا تحادس أهل المال حراس

مالي الرضا بالذي أصبحت أملكه …  ومالي اليأس مما يملك الناس

يرى الدكتور بكار أن «ما يحتاجه الناس حتى يكونوا سعداء ليس كثيرًا، ويبدو أنه يكفي للشعور بالطمأنينة والارتياح أن نمتلك شيئًا من الإدراك الصحيح للواقع مع شيء من القناعه والتسامح، بالإضافة إلى شيء من التفاؤل.» ولأن الإدراك الصحيح للواقع يتطلب منا الإجابة أولًا عن سؤال ما هي الحياة؟ فإن تعريفها كما أشار إليه الدكتور مطاوع  بقوله «الحياة هي فن الممكن، وفن التوافق معه والرضا به» أما القناعه فاني أنقل لكم تعريف ابن حبان «القناعة هي الاكتفاء بالموجود وترك الشوق إلى المفقود».

لا تتمنى ما يملكه الآخرين.

«التمني: تصور ما لا حقيقة له وطلب ما لم تتخذ الأسباب لتحصيله، ويتضمن معنى الطمع فيما في يد الغير، والحسد له» تفسير زهرة التفاسير.

قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوۡا۟ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡض لِّلرِّجَالِ نَصِیب مِّمَّا ٱكۡتَسَبُوا۟ۖ وَلِلنِّسَاۤءِ نَصِیب مِّمَّا ٱكۡتَسَبۡنَۚ وَسۡـَٔلُوا۟ ٱللَّهَ مِن فَضۡلِهِۦۤۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَیۡءٍ عَلِیما﴾ 32 النساء.

أي «ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض من الأمور الدنيوية كالجاه والمال، فلعل عدمه خير والمقتضي للمنع كونه ذريعة إلى التحاسد والتعادي، معربة عن عدم الرضا بما قسم الله له، وأنه تشه لحصول الشيء له من غير طلب وهو مذموم، لأن تمني ما لم يقدر له معارضة لحكمة القدر، وتمني ما قدر له بكسب بطالة وتضييع حظ، وتمني ما قدر له بغير كسب ضائع ومحال». تفسير البيضاوي.

عن ابن عباس: قوله : «ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض» قال ولا يتمنى الرجل فيقول: «ليت لو أن لي مال فلان وأهله!»

﴿…وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (32)﴾ النساء أي: «… واتجهوا إلى الله تعالى علام الغيوب الرزاق ذي القوة المتين، واسألوه ما يتفضل به عليكم، وما يزيدكم به من حظوظ الدنيا والآخرة، فإنكم عندئذ تطمئنون وتستقر نفوسكم، ويبعد عنكم القلق والانزعاج والله سبحانه هو المعطي الوهاب» تفسير زهرة التفاسير.

اسألوا الله من فضله دون تواكل ينجم عن كسل وركود في السعي والحركه، فقد حث الإسلام على العمل ونبهنا إليه قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10)﴾ سورة الجمعه. ولذا جاء عن عمر بن الخطاب قوله: «أقبلوا على ما يصلحكم من أمر دنياكم فإنه قوام وجوهكم وبلاغ إلى آخرتكم».

ختامًا:-

يقول الرافعي: «تموت بالموت كل الفوارق الإنسانية من المال والجاه والجمال، ولا يتبق سوى الحسرة واللوعة والدمع والزفرة، وهذه هي أملاك الإنسانية المسكينة».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد