شاهدت الأيام الماضية فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي لطلبة في المرحلة الإعدادية على ما أظن، يخرجون في مظاهرة ضد إقالة مدير مدرستهم الواقعة بإحدى المدن الليبية، ويهتفون هتاف «بالروح بالدم نفديك يا مدير» رفقة بعض من ولاة أمورهم، قد يبدو أن لا شيء غريب حتى الآن! الغريب أن المدير تم إقالته بسبب انتشار مقاطع مصورة له أثناء ضرب طلبه في المدرسة وتعنيفهم!

بصراحة الحادثة رغم بساطتها إلا أنها جذبتني وتوقفت عندها مطولًا، خاصة عندما قرأت ردود فعل تبرر الضرب والإهانة من قبل البعض متحججين بأننا كلنا ضربنا في مرحلة ما في المدرسة، وأن الضرب هو أحد أساليب التأديب! وليس هذا فقط، بل ذهب بعضهم لأبعد من ذلك بكثير، حيث اعتبروا أن الطلبة الذين وثقوا هذا الضرب مخطئين، وأن استعمال الهاتف المحمول داخل المدرسة أمر ممنوع، وزعم آخرون أن الطلبة لديهم مآرب أخرى وراء هذا الفعل!

هذا الموضوع جرني لما هو أعمق، فأغلبنا اعتاد على رؤية مثل هذا السلوك غير السوي على مستويات أخرى في بلادنا، ربما من خلال مظاهرات تهتف «علي شانك يا بات خميس، نخشوا للنار كراديس» دعمًا للأخ القائد والصقر الوحيد ودعوة صريحة للدخول إلى النار من أجله! وهو الذي كان يعتبر ليبيا مزرعة وملكية خاصة يفعل بها ما يحلو له، أو الأهزوجة الشهيرة «حفاية نمشو شور الكيش، نموتو والمشير يعيش» التي تحث على الذهاب لإحدى الساحات في بنغازي والموت لنصرة قائد عسكري فاشل وأسير سابق سجله ملطخ بالدماء ومليء بالهزائم، او من خلال التطبيل لرئيس وزراء فاسد تاريخه أسود مليء بالنهب والسرقات، بشعارات على غرار «ادبيبيه يا ادبيبه، الشعب راك تسيبه»، وقس عليها وصولًا حتى الوزير والسفير والمسؤول وشيخ القبيلة المرتشي، لكن لم أتوقع انني سأرى مدير مدرسة يرتكب فضائع ضد الطلبة من ضرب وتنكيل مهما كانت الحجة، يحظى بكل هذا القدر من التعاطف والتأييد والهتافات من قبلهم، وهم بهذا العمر الصغير! ومن قبل فئات أخرى تصنف على أنها واعية.

هذا السلوك الغريب الذي بدا أنه وللأسف يورث عبر الجينات، تعد إحدى العقد النفسية المعروفة والمزمنة التي تعاني منها مجتمعاتنا بشكل واسع، وتسمى اصطلاحا «متلازمة ستوكهولم»، وهي باختصار تعاطف الضحية مع الجلاد، ولكن في حالتنا هذه الضحية لا يتعاطف مع الجلاد فقط، بل يلعن ويطعن ويهاجم من يتضامن معه ويسانده ويقف مع حقه، وهنا صار من الضروري إيجاد اسم جديد لهذه المتلازمة النفسية المركبة.

حقيقة لم أعاصر فترت حكم الأخ القائد، ولا أعرف إلا ما يرويه لنا من عاش هذه الحقبة، فقد كان عمري عند انطلاق ثورة فبراير (شباط) 17 عامًا، ولكنني متابع وأذكر كافة التفاصيل منذ ذلك الحين وحتى اليوم، لازلت أذكر جيدًا كيف تم تكفير وتخوين القلة القليلة التي خرجت وطالبت بحقوق إقليم برقة في عام 2012 من قبل أهلهم وعشائرهم وهم الضحايا أنفسهم الذين يناضلون من أجل حقوقهم المسلوبة من قبل الحكومات المركزية المتعاقبة في طرابلس. وكيف تم «دوعشة وأخونة» من انتقد مجرد الانتقاد الخطف والقتل والتهجير الذي قام به بعض المسلحين التابعين لحفتر في بنغازي من 2014 – 2016 من قبل أهالي الضحايا أنفسهم، واصطفوا مع الجلاد بل تبرأوا ورفعوا الغطاء الاجتماعي عن أبنائهم تحت شعار «اللي ما يدير شي، ما يجيه شي»، وكذلك حصل مع من وقف ضد الحرب على طرابلس ومع المصالحة، والأمثلة كثيرة جدًا عن هذه الحالة النفسية المستعصية لا يسعنا المجال لسردها.

لا أدعي أن لدي علاجًا لهذا المرض النفسي الجماعي، ولا أعتقد أن هناك حلًا غير زيادة الوعي، وتوسيع مدارك الأجيال القادمة، وتعليمهم أن الوقوف ضد الظلم ليس عيبًا وأن السكوت عنه خطيئة، لعلنا ننجح في عدم توريث عقدنا النفسية لهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد