رُبما يكون هذا المقال أقربَ لخواطر خريج لم يزل يُجاهد عقله للخروج من عالم الدراسة إلى عالم الأعمال الكبيرة المرعبة، لذلك أرجو ألا يُزعجكم أن أشارككم هذه الخواطر التي رُبما يكون قد مر بها غيري في السابق، أو يمر بها غيري الآن.

في العلوم النفسية هناك أربع مراحل يمر بها الإنسان طوال حياته، تبدأ من الـ«Comfort Zone» وتنتهي عند الـ«Growth Zone». دون الدخول في تفاصيلٍ نفسية بعيدة تمامًا عن هدف المقال، يمكننا البدء بقول إن الـ«comfort zone» في الأساس ليست شيئًا سيئًا في المطلق، لكنها بكل أسف ليست الأفضل كذلك، فما هي الـ«comfort zone»، وكيف نتعامل معها، هذا ما سنعرفه في الفقرات القليلة القادمة.

لنبدأ بمعرفة معنى مصطلح الـ«Comfort Zone» كما يصفه الطب النفسي، هى حالة نفسية حيث تبدو الأشياء مألوفة ويمكن السيطرة عليها بسهولة، رُبما يواجه الشخص خلالها القليل من القلق والضغط لكن بمعدلاتٍ طبيعيّة جدًا قد اعتاد على التعامل معها منذ زمن، وفي هذه الحالة غالبًا تكون إنتاجية الشخص مستقرة لا تتغيّر كثيرًا.

لنتفق أن هذه الحالة في الواقع ليست حالةً سيئة إطلاقًا، فمن منّا لا يرجو الحصول على الاستقرار والراحة في فعل الأشياء؟ لكن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يشعر أحدنا أنه لا يريد الخروج عما يألفه، يكتفي بما تعلم وما عانى، ثم لا شيء. هنا حيث يبدو أن المسير قد انتهى، مسيرٌ ثابتٌ تمامًا من دون أي تجديد، ولا محاولاتٍ أخرى.

وأنا كغيري أردت ذلك دائمًا وأريده الآن كذلك، لكنني كنت كأي طالبٍ جامعيّ أتمنى انتهاء الدراسة التي أكره الالتزام بها طوال سنواتٍ طويلة، وكأي طفلٍ لا يفقه شيئًا عن الحياة لم أفهم أن القادم – حرفيًا – مجهول، لا خطط واضحة، وإن كانت واضحة فغالبًا ما يخوننا التوقيت، أو نكتشف في النهاية أن الخطة والهدف لا يناسبان ما نحتاجه أصلًا.

يعني ببساطة أن الأمور ليست سهلة كما تبدو في خيالنا أيام الدراسة؛ لأن الواقع يقول إن دكتور الجامعة قد يكون لطيفًا وطيبًا أكثر من العمل الذي سيخنق أنفاسك بصعوبته، في البداية على الأقل! ليس لأن رب عملك سيكون شريرًا بالضرورة، لكن لأن العمل يتحرك بشكلٍ أسرع بكثير ولا يدور حولك وحدك، بل إن عملك في الحقيقة سيُؤثر في العمل بأكمله، ليست عدة درجات ستفقدها أو تكسبها والسلام، الأمر جديٌّ هذه المرة.

قد جاءتني منذ أسابيع قليلة فكرة أن دراستي كانت بمثابة الـ«Comfort Zone» بالنسبةِ لي، لأنني كنت أعلم كل شيءٍ يحدث أو سيحدث على المدى القريب، كنت أعرف تمامًا طريقة الدكتورة الفلانية، وأن الدكتور الفلاني لا يُعطي درجاتٍ جيدة… إلخ. أعلم في الدراسة أنني سأدرس عندما يتبقى يومان على الامتحان، وأنني سأُحصّل تحصيلًا كفيلًا بالحصول على تقدير جيد جدًا.

كنت ككثيرين غيري أشعر بأنني أسيطر تمامًا على الوضع وأتأقلم مع الضغوط التي أشكو منها ملايين المرات، كنت أعرف جيدًا أنني سأتعامل مع هذه الضغوط في النهاية رغم كل شيء لأنني أعلم إمكاناتي جيدًا، أما العمل فلا أعلم عنه شيئًا بالفعل، وإن جربت الذهاب إلى شركةٍ ما لشهر أو شهرين، فلا يُغيّر ذلك من حقيقة أنني مازلت لا أعلم شيئًا عن الوحش المجهول الذي سأواجه أو قدرتي على مواجهته من الأساس!

الأهم هو أنني أعلم يقينًا أنّي لم أزل في حاجةٍ لنوم ساعاتٍ طويلة، والنظر ليلًا إلى سقف غرفتي دون فعل أي شيء أو التفكير فيما سأفعل في اليوم التالي خلال ثمانِي ساعاتٍ من الجلوس أمام الـ«Model» الذي يُخيفني فعلًا. أعلم كذلك أن العمل لا يُخيفني لأنني لا أفهمه، بل لأن رأسي لا يتوقف عن سؤالي: هل سأنجح؟! ولا أجد إجابةً لهذا السؤال أبدًا، مهما حاولت لا أجدها في أية زاويةٍ من دماغي الخائف!

المشكلة الآن أنني أفهم جيدًا معنى أن أحبس نفسي داخل الـ«Comfort Zone»، سيتركني ذلك في متاهةِ الأسئلة التي لا نجد إجاباتها بالنظر إلى سقف غُرفنا، ماذا لو جربت ونجحت؟ أو لماذا لم أخض التجربة؟ ما الذي يُخيفني؟ وأسئلة كثيرة على هذه الشاكلة، ثم لا إجابة ولا فعل كذلك، كل ما هناك هو التوقف حيث أنا بلا حراك.

في الواقع، إن الـ«Comfort Zone» في هذه الحالة لا يمت بِصلة لأي نوعٍ من أنواع الراحة والتعايش بسلام مع الأشياء من حولي، إنما هى حالةٌ سُميّة تشل حركتي تمامًا ولا أشعر حتى بأنني أريد مقاومتها بأي شكلٍ كان. فما الجدوى من جلوسي في هذه الحالة؟ لا أعلم حقيقةً، لكنني أعلم أنه لمن الخطأ أن أبقى ها هُنا.

وعلى الرغم من كره هذه الحالة، فلا أظن أن كل من حاولوا ونجحوا لم يشعروا حتى للحظاتٍ قليلة بأنهم يحتاجون للجلوس فقط داخل قوقعتهم المريحة، حيث لا مخاطر، لا مكاسب ولا خسارة كذلك، لكنهم في النهاية حاولوا. المشكلة أن المجتمعات لا تفهم غالبًا أن كل شخص هو فريدٌ بذاته، لا يُشبه غيره، فلا يجب على الجميع أن يتحركوا داخل الطُرق المرسومة لمن سبقوهم، لأننا لا ننجح في قوالبِ غيرنا، لكن هيهات، لا أحد يقبل ذلك مهما حاول الجميع إفهامهم هذا.

وأسوء ما في الأمر أن استسلامنا للـ«Comfort Zone» قد يمنعنا أحيانًا من قبول التعامل مع الأخرين، رُبما يجعلنا هذا نرى كوابيسًا مرعبة، ورُبما يجعلنا هذا نفقد الكثير من الخبرات المفيدة، فقد يُعطلنا هذا حتى أكثر من عدم التحرك نهائيًا. يبدو الأمر سخيفًا ومرهقًا كذلك، فالواقع صادم ونفوسنا قد لا تتقبّل التعامل معه والسيطرة عليه في كثيرٍ من الأحيان.

لا أعلم من الذي فرض على المتخرجين أن يكونوا متحمسين ومُقبلين على العمل، لماذا لا يجدر بنا أن نشعر بالخوفِ أولًا ثم بعض التيه والأسئلة، حتى نجد إجابةٍ ما قد تدلنا على بداية الطريق، دون ضغوطات ولا خوف من فواتِ الآوان والتأخر في البدء.. إلخ. ما المشكلة في التأخر أصلًا؟ من يُحدد أننا تأخرنا أو أننا نسير حسب الخطة والجدول؟ لا أعلم!

أظن أننا وحدنا من نُحدد هذه الأشياء، رُبما نستعين بخبراتِ والديّنا وأصدقائنا الذين سبقونا، لكننا في النهاية من يتحرك، لأن الحقائق تقول إن الذين سبقونا قد تحركوا بالفعل منذ زمنٍ بعيد وأنهم قد وجدوا ما يُحبون أو ما يرتاحون فيه، لكننا لم نفعل ذلك ولا نعلمه بعد. وما العيب في أننا لا نعلم؟ لا عيب في ذلك كما أرى.

نهايةً أتمنى أن نحظى جميعًا بالراحة والنمو كذلك، دون تفريطٍ أو إفراط في أيٍ من الجانبين، فقط الراحة والسلام فيما نُحب والنمو كذلك والتقدم دون خوفٍ مُفرط وتساؤلاتٍ كثيرة بلا إجابات. رُبما يومًا نحصل جميعًا على هذا الهدوء الذي نحتاجه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد