لقد تعلَّم الإنسان درسًا غاية في الأهمية، واستمدَّ من هذا الدرس تصورًا جديدًا عن النهاية التي من الممكن أن يكون فيها هذا العالم، ولطالما أخذت منه وقتًا وتأملًا عن تلك الكيفية التي سيختفي فيها كل شيء. التصور الجديد مفاده: ليس من الضرورة أن تكون نهاية العالم وفق اضطرابات كونية هائلة تمهّد للفناء، تختلّ فيها كل نظم الكون المُرتَّبة، فتتصادم الأكوان فيما بينها، وتنتهي الأرض بصدام هائل. أو تكون النهاية باشتعال حرب عالمية تستخدم فيها الدول العظمى قنابلها الفتّاكة ليعم الخراب وتنتهي الحضارة كلها، ولن يعود بالإمكان العيش في هذا العالم لافتقاده صلاحية العيش ومسبباته. التصورات الكثيرة والخيال والفرضيات التي كانت تطلقها وكالة ناسا على سبيل المثال، والتي طالما كانت تُنبّه الى اقتراب كويكب من الأرض، واحتمالية اصطدامه بمكان ما منها، بالرغم من علميتها وأخذها الحيز الأكبر في أذهان المختصين والمهتمين لم تكن لتضع في الحسبان فكرة صغيرة لكائن خفي غير مرئي بإمكانه محو عالمنا بكل هدوء. وكل التجارب العلمية والأموال المنفقة على المنشآت العسكرية والاختراعات الحربية التي كانت من شأنها تهديد الوجود البشري لم تقدر على مواجهة ذلك الفيروس، ولوقفةٍ صغيرة من على مرتفع التأمل، قد يضحك أحدنا ساخرًا ويقول: كيف لهذا العقل البشري الذي تمكَّن عبر قرن مُشبع بالعلم أن يختبئ في موضع ريثما تأتيه إمدادات العلم في اكتشاف علاج لكورونا؟ . الكثيرون الآن يموتون بسبب ذلك العدو. بينما يقف الأطباء بسلاح علمهم في مؤازرة المرضى دون أن يقدّموا لهم شيئا. الاطباء الآن جنود مُجهَدون، وينتظرون تعزيزات العِلم في اكتشافٍ ينقذ البشرية جمعاء. بينما بقيت دراسات اكتشاف الكواكب، والأسلحة الفتاكة، والصواريخ الذكية والطائرات بدون طيار، بقيت جاثمة كما لو أنها محض آلاتٍ لم يعد أحد بحاجة إليها.

إذن، قد تلاشت كل الافتراضات والتخيلات حول الطريقة التي من الممكن أن تنهي وجود هذا العالم التي كانت منبعها إما من جهة خارجية خارقة، قوتها خشنة بحجم عملاق لا يمكن مواجهته. وإما من حربٍ هائلة يستخدم فيها الإنسان كل جنونه. وبالرغم من التصورات التي أنتجتها الروايات والأفلام الخيالية في ذلك، لم يكن العالم مستعدًّا بشكل مطلق وملفت إلى الجائحة التي توغلت إليه بصمت وهدوء. وسيعيد صياغة تصوراته في أنه ليس بالضرورة أن تكون نهايته عبر تناطح الكواكب الجبارة السابحة في فضاء الكون الرحب، ولا عبر الأمواج الهائلة أو البراكين الساكنة والأمطار والأعاصير. أو بواسطة القنابل الهيدروجينية والأسلحة السرية، إنما بكائنات خفية، تتوغل بدون أن تكشفها أجهزة الرادار، وتصيب هدفها بدون اي دوي، وتنتشر بسرعة، ثم تطلق حربها الناعمة وتتساوى عندها الدول العظمي بالصغرى، القوية بالضعيفة. الذكية والمتأخرة. لا تعريف أمام هذه الكائنات للدول سوى أنها أهداف مُباحة. بينما يبقى العقل البشري شغًّالا ليلًا ونهارًا إزاء تعريفها وكشف مصادر انطلاقها، ثم الوصول إلى نقاط ضعفها كي يتم القضاء عليها، وإلى ذلك الوقت يتساقط الضحايا مثل أوراق شجرة باغتها فصل الخريف.

إذن، لماذا دائمًا تأتي فكرة نهاية العالم على خواطر الكثيرين؟ وهل حقًّا توجد نهاية مثل هذا النوع؟ إنّ الإنسان بطبيعته كائن مُفكّر، يتأمل ما يحيطه على الدوام، ويجد النهايات الكثيرة تحيطه من كل جانب، نهايات حقبٍ وأقوامٍ ودول وجغرافية وتاريخ. كل أنواع النهايات تهيئه كي يتفكر في النهاية الكاملة التي ستجمع كل تلك النهايات الجزئية، سواء من صنعه أو تلك التي ليست له سلطة فيها أو عليها. ولقد برّر عبر مخاوفه على وجوده ككائن حي متميز من انتاج ذكاء اصطناعي له مواصفات العقل البشري، بإمكان ذلك الذكاء السيطرة على الوجود ثم القضاء على صانعه وبالتالي إعلان النهاية. لكن ذلك الأمر وإن تفنن فيه علماء التقنية وأتعبوا أنفسهم فيه يبقى محدودًا ولا يمكن أن تسيطر التقنية بقدر ما تبقى أداة استخدامٍ خدمة للبشر. وبرر أيضًا مخاوفه من الملوثِات التي بدأت منذ زمنٍ بالتدخل في فسلجة الانسان والتأثير بصحته وصارت مصنعا لإنتاج الامراض البشرية المستعصية، فكانت نتيجة تلك المخاوف إنشاء منظمات رافضة لانتشار التلوث، وإعداد البرامج الخاصة ضد مادة البلاستك مثلا، والتي يحتاج لفناء وجودها الى مئات السنين. أو المصانع ذات النفايات النووية. كل تلك المخاوف لم تتناول أبدًا نهاية العالم بقدر التأثير الجزئي على صحة الانسان وسلامة البيئة التي تحتضنه. عليه ننتقل الى السؤال الآخر : هل حقا هنالك نهاية للعالم؟ هذا السؤال يجب أنّ يكون تأمليًّا وحسب. لأن الجواب بـ«نعم» فيه مدعاة لليأس والإجابة. ولا يصح طالما كان الإنسان يزاول حياته في أية صورة منها ان يجعل هذه الإجابة هي الأقرب إلى ذهنه، لأنه جزء من هذا العالم. وهو ليس المعني الأول في وضع صورة النهاية حتى وان فكّر فيها على الدوام. الإجابة بنعم أو لا ليست مهمة مطلقا، لكن من حقّ كل فرد، أو مجتمع التفكير بها، ورسمِ كل التصورات عنها، وعلى صعد العلم أو الادب والفن والفلسفة. لأن المجتمعات هي المعني الأول بالتفكير الخاص والعام. ومع ذلك لن تصل إلى الطريقة التي من الممكن أن. ترى البشرية نفسها على مسار واحد من النهاية، كما يحصل الان ونحن نمر بأزمة عالمية جمعت هذا الجنس امام عدو واحد ومشترك بعد ان ازدادت الهوّة الطبقية المجتمعية المخلوقة من النظم الاقتصادية والأتعززتعززيدبولوجية. الكل يرى نفسه المسؤول عن وجوده، والمسؤول عن حماية أبناء جنسه. أما الإجابة بـ«نعم لا )» فالأمر بحاجة إلى أدلة دامغة، ويبقى رغم التأكيد محض تشكك، فلكل بداية نهاية، حتى لو كان هذا العالم. فكما أسلفنا : هنالك نهايات جزئية كثيرة حصلت، وتحصل وستستمر على منوالها مثل حركة ديناميكية.

العالَم الذي يتمثل بالكرة الأرضية التي نسكنها جميعًا، لا يمكن للإنسان مهما بلغ من علمه ان يدرك متى بدأ ومتى ينتهي، والحقيقة، ليس بالمهم معرفة البداية أو النهاية، بقدر ما يهم الإحاطة بكل ما يهدد وجودنا البشري الذي هو محور هذا العالم، ونهايتها هو النهاية الواقعية والحقيقة له. وما نعنيه بنهاية العالم ليست تلك الفكرة التي تختفي الارض ككوكب، إنما اختفاؤنا هو ما يجعل هذا العالم ينتهي، ولن يعود صالحا للحياة كسباب رئيس. وإلاّ، فقد باغتَنا نحن بني البشر فايروس لم تكن كل مستشفيات العالم مستعدة له، وهي الآن في محور مرارة المعاناة الشاملة في مواجهة السبب المجهول للوباء، ومعاناة المرضى، ومعاناة ضيق أماكن احتوائهم، ومعانات الأطباء الشخصية التي لم يعودوا يفكرون فيها بالأصل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد