في فيلم «I’m legend»، يظهر ويل سميث بطل القصة على أحد جناحي طائرة «black bird» ويقذف بعصا لعبة الجولف الكرة بعيدًا. كانت اللقطة تلك مثل الكثير من المشاهد تشير إلى تعطُّل القدرات العسكرية أمام وباء معين ضربَ البشرية. وصارت كل الآلات الضخمة، والمعدَّات المتطورة مجرَّد قطع حديد لا تختلف عن أي علبة كولا فارغة. صار الجيش يتدخَّل لفرض الانضباط، ويعقِّم الأماكن، ولا يملك حلًّا مثل كل القطاعات سوى المشاركة في المواساة العالمية الكبرى. ونظن بعد انزياح ذروة الوباء، أنْ يعاود دوره في أطماع الغريزة البشرية في شنِّ الحروب، والمشاركة في التغيُّرات الجيوسياسية القادمة، فيضرب بأسلحته الأعداء الجدد، وتزجِّه العقلية السياسية المستهترة بالضعفاء في القتال من أجل الحفاظ على مكاسب تلك العقلية. لكن لن تنسى تلك المؤسسة التي تحرق السلطات من أجلها أموال شعوبها، أنَّها بيوم ما وقفت مُكبّلة أمام أزمنة الوباء، وأنَّها لم تجد نفعًا بكلِّ قوتها وقوة السياسة التي تدعمها بالمال والبشر، بل لحق الوباء بقادتها وجنودها. هذا الدرس أيضًا سيعيد في العقلية البشرية النظر فيما تعلَّمته كما أسلفنا في أحد الفصول السابقة. وكان لزامًا على كل دول العالم المهووسة بشراء الأسلحة أو بيعها، المهووسة بالتدريب العسكري ووضع الخطط الإستراتيجية لأغراض السيطرة وتدريب الجنود، كان لزامًا عليها تدريب البشرية على الإنقاذ العالمي، وصناعة العُدد الطبية لمؤازرة الجيش الأبيض (الكادر الطبي) الذي بقي في المعركة وحيدًا يعطي أمل الشفاء للمصابين، الجيش الأبيض كان هو الأحقّ في النفقات الجنونية. وهو الجيش الوحيد الذي يستحق أن تتكِل عليه السلطات في أوقات الطوارئ والكوارث. لقد فعل الأطباء والممرضون ما لم يفعله جنود النورماندي، تلك المعركة التي لم ينسها الأوربيون والأمريكان خصوصًا، وبقيت عالقة بذاكرتهم حتى يومنا، يحتفلون بذكراها، ويقفون أمام الشاطئ الذي سقطت فيه أجساد كثيرة. فهل سيستذكر العالم وقفة الجيش الأبيض بنورماندي كورونا ؟ وهل سيعي الكثير بأنه باتَ من الضروري تعريف الجندي على أنَّه من ينقذ الحياة والإنسان، وليس ذاك الذي يصوُّب فوهة بندقيته أو سلاحه المتطور من اجل إثبات مفهوم سلطات بلاده؟ مختصر الأمر: شتَّان ما بين الجيشين.

ولسؤالٍ جديد يلوح في أذهان الكثير ممن يتفكرون بعالم ما بعد كورونا: هل سيعمُّ السلام بعد انزياح الوباء؟ الإجابة المباشرة هي: كلا. فهذا الوباء الذي قوَّض فظاعات بعض الحروب وأجبر المتحاربين على إيقاف إطلاق نيرانهم، لن يتمكن من تغيير النزعة البشرية التوَّاقة للسيطرة. بل ربما سيثير نزاعات أخرى هي أكثر عدوانية. وأسباب ذلك كما أشرنا لها سابقًا بسبب المتغيرات التي ستحصل فيما بعد، أيضًا، فالتاريخ البشري مولع في شن الحروب، بفعل العدوانية الغريزية الكامنة في الإنسان. لم يمر قرن منذ بداية تدوين التاريخ إلى اليوم ما لم تقع فيه حروب كثيرة، بل لم يمر عقد والأرض ليس عليها حرب. كل أنواع الحروب وكل أهدافها، وكل نواياها السليمة كما يدَّعي مشنّوها، هي لا تخرج من إطار مصطلح تسميتها، فثمة قتلى وأسرى وأحداث مريرة وخسائر فادحة أخرى. أمَّا دعوات السلام، فهي النداء الضعيف الذي يخرج كلما تقدَّمت البشرية إلى الهاوية. النزعة العدوانية تلك بكل أنواع تحليلاتها النفسية والاجتماعية، ما هي إلَّا عبارة عن ترجمة لتبرير الحرب. تلك التبريرات هي أيضًا أخذت تفسيرات عبر العصور، كانت تنطلق منها بدايات العدوانية، أو ردُّ الفعل لتلك العدوانية. واليوم يُستخدم مصطلح عصري جدًّا، يتقبَّله الكثير من المهتمين بما وراء كورونا. مصطلح نظرية المؤامرة هو أحد الفرضيات التي يجري تداولها، وبعيدًا عن تفسير هذا المصطلح، علينا أولًا أن نقدم التعليلات المقنعة في اللجوء إلى فكرة المؤامرة، وهل حقًّا أنَّ الأمر يستحق في زعزعة العالم كله بضربة واحدة وجعله أمام انهيارات عظيمة في اقتصاداته ومؤسساته السياسية والاجتماعية ووضعه على حافة الهاوية؟ لن نقف مع هذه الفكرة أو ضدها طبعًا. ولكلّ واحد منا قناعاته وافتراضاته. إنَّ المقتنعين بالنظرية قد رأوا الكثير من مشاهد القيم وهي تنهار. لم تعد المُثُل السماوية أو الوضعية تجدي نفعا إزاء التغيُّرات. العالم يتجه نحو طبقتين بينهما مساحة فجَّة لا يمكن تقليصها. وقد حمل الكثيرون الرأسماليةَ هذا التداعي والتآكل في القيم. بينما حمّلت دول أخرى الصين في التقصُّد لإخفاء معلومات مهمَّة عن الفيروس المسبِّب. المؤيدون للنظرية ربما استندوا إلى بعض الأسس كي يتبنوا تأييدهم، كون الغرض منه هو إحداث تغيُّرات عظيمة في هذا العالم، تلك التغيُّرات التي من شأنها كما أشرنا في فصل سابق إلى ظهور جغرافية أو أنظمة جديدة، تحلُّ محل الجغرافية والأنظمة الحالية. ولعلَّ التخلي الواضح من قبل دول أوروبا عن إيطاليا أو فرنسا والتي سبَّبت بقيام بعض الشخصيات السياسية هناك إلى إنزال علم الاتحاد الأوروبي المجاور لعلم دولهم ورميه في الأرض. أيضًا، ثمة أنظمة تؤسس علاقاتها مع الدول الكبرى على مستوى من العداء الطويل، كلما هدأ مرة زاد وتوتَّر مرات كثيرة، مثلما فعلت إيران ورجحت على أنّ كورونا هو سلاح بيولوجي استهدفها. الكثيرون قالوا إنّ هذا الوباء أنتجته أمريكا حينما كان يفتك بالصين، بينما آخرون افترضوا أن الصين هي من أنتجته من أجل إحداث نظام عالمي جديد غير الموجود الآن، والذي تلعب فيه الولايات المتحدة دور الشرطي العالمي فيه وربِّ العمل الأكبر. هناك الكثير من الافتراضات حاليًا تحاول إقناع المهتمين بأن الأمر هو مؤامرة، وبالرغم من الفوضى التي أحدثها في كل بقاع الأرض، وأنّ الجميع قد تضرر، تبقى بعض الجوانب التاريخية التي أُسست عليها النظرية، هي الأدوات المنطقية لدى من يعتقد بوجود مثل هذه مؤامرة، حتى وإن كانت من النوع (الخيِّر) من أجل إحداث تغيير عالمي ذي فائدة، هذا النوع الموجود في واحدة من نقاط هذه النظرية يجعل المناصرين لها بتأييد النظرية لا من الجانب السلبي للعالم، إنَّما من أجل إحداث معالجة لسلبية تعاني منها أغلب دول العالم، وهي الرأسمالية الأمريكية التي استبدَّت بقوانينها الاقتصادية، وآخرها الحرب الاقتصادية ما بين الصين والولايات المتحدة. تلك الحرب التي لم تشغل الصين وحدها فحسب، بل كل دول العالم ذات التعامل التجاري مع الولايات المتحدة؛ إذ كانت تتحسب بعلاقتها مع أمريكا بردّ الفعل الاقتصادي لا السياسي أو العسكري أو غيرهما. ولا بأس رغم كل ذلك، ماذا لو تم اكتشاف الأمر عبر جملة من الافتراضات واعتباره نوعًا من أنواع الحرب البيولوجية الممنوعة دوليًّا؟ بل لِنقُل ماذا لو تم قبول تلك (الافتراضات) وليس اكتشاف الأمر بالأدلة ؟ هل سيكون العالم على ما يرام؟ وكيف ستكون ردَّة الفعل باعتبار إنّ دولة ما جرى استهدافها بسلاح جديد بغية إحداث تغيّر عظيم، ولها الحق القانوني والقطعي في الرد. هذا الطرح تبناه أيضًا المؤمنون تحت غطاء «العمل المُنظَم» لنظرية المؤامرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد