يُحكى أنّه حدثت مجاعة في قرية، فطلب الوالي من أهل القرية طلبًا غريبًا في محاولة منه لمواجهة خطر القحط والجوع، فأخبرهم بأنّه سيضع قِدرًا كبيرًا في وسط القرية، وأنّ على كلّ رجل وامرأة أن يضع في القِدر كوبًا من اللبن، بشرط أن يضع كلّ واحد الكوب لوحده من غير أن يشاهده أحد.

هرع النّاس لتلبية طلب الوالي، وتخفّى كلّ منهم بالليل، وسكب ما في الكوب الذي يخصّه. وفي الصّباح فتح الوالي القدر، وماذا شاهد؟ شاهد القدر وقد امتلأ بالماء! فسأل النّاس أين اللبن؟ ولماذا وضع كلّ واحد من الرّعية الماء بدلًا عن اللبن؟ من الواضح بأن كلّ واحد من الرّعية قال في نفسه: إنّ وضعي لكوب واحد من الماء لن يؤثر على كمّية اللبن الكبيرة التي سيضعها أهل القرية. إذا فكل منهم اعتمد على غيره، واعتقد أن خروجه عن القواعد الموضوعة، واستئثاره بكوب لبنه لنفسه، أو لعائلته، هو حالة فردية لن تؤثر في مجتمع القرية، والنّتيجة التي حدثت أنّ الجوع عمّ هذه القرية، ومات الكثيرون منهم، ولم يجدوا ما يُعين ضعفهم.

إنها حكاية تقليدية تحاكي الكثير من الحكايات التي تعيشها البشرية يوميًا، لربما يستهوي الشعوب المقهورة أو التي تعيش في ضنك، قذف الحكومات بالفساد، فهي تحاكي ثوريّات يمكن أن تؤسس لحركات تحرر من سلطة فاسدة لا يمكن الوثوق بها، فينادي قادة الفكر أن التغيير أمر مطلوب وبات لزامًا على الشعب أن يتحرك، وهنا لست في صدد دفاع عن أي من الحكومات فاسدة كانت أم لا؛ إلا أن اعتقادي السائد بأن الحكومات تدين بدين شعوبها في الغالب – مع حفظ الاستثناءات – يدفعني بالنتيجة إلى الإيمان بأن الإصلاح يبدأ من قاع الهرم لا من قمته، لن تعجبك المقالة كثيرًا إن كنت ممن يؤمنون بنظرية المؤامرة لكنني مجبر على البوح بما في داخلي وستعلم ذلك في قادم الصدور.

نعود إلى أهل القرية، لقد كان أمر الوالي – رمزية الحكومة – واضحًا لأهل القرية – رمزية المجتمع – لربما يسأل أحدهم سؤالًا مشروعًا هنا، لماذا جاع أهل القرية من الأساس؟ هل يا ترى نهب الوالي ثرواتهم فتركهم ينامون الليل جياعًا، أجل لربما لم يذكر الراوي ذلك، ولكن اسمح لي أن أسأل هذا السؤال، من هو الوالي يا عزيزي؟ أتراه مخلوقًا نزل من السماء! لا، فصدقني في غالب الحال هو بالأساس ابن القرية وإن لم يكن كذلك فهو ابن البلد التي فيها القرية، وولي على أهله، إما ديمقراطيًا بإرادتهم أو وراثيًا؛ لأنه ابن حاكم سابق وحفيد حاكم سابق نشأ في هذا البلد وشرب ماءه وعايش أهله.

هنا فإننا نضع وصول الوالي إلى سلطته في بوتقتين لا ثالث لهما، فإما أن يكون عصاميًا صنع نفسه بنفسه وصعد سلم السلطة تباعًا، وهذا يعني بالضرورة أنه في طريق الصعود احتك بأهل البلد وعايشهم وعرف طباعهم ورضوا له بأن يصعد حتى يصل لما يريد وما هو عليه اليوم، أي أنه لم يغرد خارج السرب، أو في الخيار الثاني فهو ابن الطبقة السياسية، كما يقولون رضع السياسة مع الحليب عندما كان طفلًا، فمعنى ذلك أن والد الوالي أو جد الوالي كانا عصاميين وفعلًا ما ذكرته سابقًا في حال كان الوالي هو العصامي، وهنا افتراضان لا ثالث لهما، فإما أن الوالي فاسد أذل أهل القرية بفساده، ولكن بطبيع الحال عندما ترك الخيار لأهل القرية بأن ينجوا بأنفسهم بأن فسادهم، أو أن الحاكم بريء كذئب يوسف، ولكن إن كان كذلك فهلا أنعم على أهل القرية بخيرات حكمه، فجاع كما يجيع الجموع! وأترك ما بين السطور لفراستك.

حتى القصة والتي بالمناسبة تذكر في كثير من الكتب عرضًا لأخذ العبرة السريعة، لم تأت على فساد الحاكم من عدمه، لكنها بلا شك أكدت على قضية فساد الرعيّة فهو من جلب الهلاك للجميع، لنكن منصفين قليًلا لا أتعاطف مع فساد الحاكم أبدًا وإن كان سارقًا فعليه وزره، لكن؛ إن التزم أهل القرية بالسياسة الموضوعة، فلربما نجوا!

في الحديث النبوي الشريف، يقول – صلى الله عليه وسلم – مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذِ مَن فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا، فكأس ماء واحد في قدر مملوء بالحليب لن يؤثر شيئًا، كما أن خرقًا في السفينة لن يؤذي أحدًا، هكذا يظن البعض ،ولكن النتيجة الحتمية هي هلاك مجتمع كامل، فإن الحديث الشريف يدعو إلى تمسك المجتمع بمسؤولياته تجاه كل أفراده بدرئهم عن الفساد حتى لا تغرق سفينة المجتمع بأكمله ويحمّل المسؤولية في ذلك لكل فرد من أفراد المجتمع.

يعيش العالم اليوم ظروفًا صعبة مرتبطة بوباء كورونا، لربما سمع الكثير منكم عن سلسلة العدوى وعن حاجة المجتمعات إلى كسرها حتى يتخلصوا من براثن هذا الوباء، سلسلة العدوى هي عبارة عن مجموعة من العوامل التي تؤدي إلى استمرار انتشار المرض، وكسر العدوى يكون بالإمساك بأحد حلقات العدوى ووضع إجراءات وقائية تحد منها، فمثلًا يتم الآن تطبيق التباعد الاجتماعي والكمامة الطبية في مختلف دول العالم أملًا في كسر سلسلة العدوى.

الكل يدرك بأن وباء الفساد أشد فتكًا بالمجتمعات من الكورونا وسلسلة العدوى فيه تحتاج وقفات عدة، إن جوهر القضاء على كورونا كما يجمع معظم الأطباء قائم على وعي الفرد والتزامه بالتعليمات الصحية، وكذلك الأمر بالنسبة للفساد، إن الحد من انتشاره – من وجهة نظري – هو أن تربي المجتمعات نفسها وأبناءها على نبذ الفساد بكافة أشكاله وصوره مهما كبر أو صغر، وصور الفساد عديدة جدًا فكل فعل يتعالى فيه صوت المصلحة الشخصية على مصلحة المجتمع أو فيه استغلال للمال العام أو استخدام للسلطة بغير ما يخدم الوطن، هو فساد ينبذ، ومما لا شك فيه أنه كل ما علا قدر الإنسان وارتفعت مكانته، زادت المغريات من حوله وهفت نفسه إلى ظلم الناس وأكل أموالهم أو استغلال سلطته لمصالحه الشخصية، فإن كانت النشأة صالحة والمجتمع ينبذ ذلك، فإن ذلك سيكبح جماح الشهوة لدى أي من أصحاب السلطة.

يقول أحد الحكماء: «لكي تكون عظيمًا، ابدأ من عندك وافعل ما تستطيع»، والحديث النبوي يقول من قال هلك الناس فهو أهلكهم؛  مما يعني أن هنالك دائمًا مكان للإصلاح مهما ساء الحال، إذًا فهذه دعوى جادّة إليه، يستطيع الجميع ممارسة دوره من موقعه مهما كان، فإن تيقّن الجميع من عظم دورهم في ذلك، وتحلّوا بالنزاهة والمسؤولية وربّوا أبناءهم على ذلك، فإن ذلك سيفضي إلى حاضر أفضل، وإن لم يكن ثمر ذلك في الحاضر، فإنه وبلا شك سيكون الحصاد في المستقبل.

وعلى أن أكون أكثر وضوحًا، إنني هنا لا أريد أن أثني أحدًا عن المطالبات الجادة للمسؤولين والسياسيين بضرورة التوقف عن أي مسلكيات فاسدة في الحكم، ولا أبرّئ هذه الطبقات من أي تهم ولا أحمل أوزارهم إلى الشعوب، ولكنني هنا أدخل من باب مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة، إذًا فمسيري ومسيرك إلى الأوطان العادلة المزدهرة التي نحلم بها ونرتضيها للأجيال القادمة يبدأ بإصلاح أنفسنا ومن ثم مجتمعنا الصغير وعلى هذا المنوال ستكبر كرة الثلج ونصل إلى مبتغانا، لن ينزل النصر من السماء ولن نخرج في سفينة نوح ويغرق الله الفساد والفاسدين بالطوفان؛ فنوح – عليه السلام – ليس بيننا اليوم.

هذه دعوة لشحذ الهمم ونبذ الفتور وعدم الانجرار مع المسلكيات الفاسدة التي ألفتها بعض أوطاننا من واسطة ومحسوبية ورشاوٍ وتدمير للممتلكات العامة واستباحة المال العام، وذلك بذريعة انتشار الفساد في كل مكان! فهذا والله عذر أقبح من ذنب، فإن لم تستطع قول الحق، فأرجوك لا تصفق للباطل واجتنبه، فإنه لو أدى كل فرد في القرية واجبه الأخلاقي والوطني ووضع الحليب في القدر بدلًا عن الماء لشبع الجميع ولحل الرخاء، وللحديث بقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد