في سنة 1990 كانت الصين دولة نامية، لا تمثل رقمًا على خريطة الاقتصاد العالمي، لكن التنين الآسيوي لم يحتج إلا لـ25 سنة فقط ليتحول إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

في فترة التسعينات كان الصراع على أوجه بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي، خاصة بعد ظهور عملة اليورو سنة 1999، هذه العملة التي أصبحت فيما بعد العملة المنافسة للدولار الأمريكي، وكانت ستكون العملة الأقوى لو تمكن معمر القذافي من بيع البترول باليورو بدل الدولار، لكن أطيح به سنة 2012، بعد خيانة فرنسا له ورئيسها ساركوزي آنذاك، وهو نفس السبب الذي أدى إلى غزو العراق حين قرر صدام حسين كسر قاعدة «البترو – دولار» وبذلك كسر هيمنة الدولار والولايات المتحدة الأمريكية على الاقتصاد العالمي.

في سنة 1993 كانت الولايات المتحدة الأمريكية تسيطر على حوالي 40% من الاقتصاد العالمي، وفي نفس السنة بلغت قيمت شركة جنرال موتورز الأمريكية حوالي 113 مليار دولار أي حوالي 10 أضعاف ميزانية الحكومة الجزائرية التي قدرت بـ13 مليار دولار ولكم أن تتصوروا حجم وقوة الاقتصاد الأمريكي الذي كان يملك حوالي 18 ألف شركة متعددة الجنسيات في مثل حجم شركة جنرال موتورز تقريبًا. ولكي تتضح الصورة أكثر فقد بلغ حجم الاقتصاد الأمريكي حوالي 20 ترليون دولار سنة 2019، في حين أن أفريقيا بأكملها كانت في حدود 2.5 ترليون دولار!

دخلت الصين نادي العشر الكبار اقتصاديًا سنة 1991، ولم تكن تشكل تهديدًا للولايات المتحدة الأمريكية في ذلك الوقت.

تعتبر هذه المقدمة كشفًا لقوة ومقدرة الاقتصاد الأمريكي على التحكم في الاقتصاد العالمي، وفي اعتقادي أن أكبر عامل يساعدها على البقاء في الريادة هو سيطرة الدولار على التجارة العالمية، وخاصة أكبر مادة إستراتيجية، وهي النفط، بالرغم من أن ميزانية الولايات المتحدة الأمريكية البالغة 5500 مليار دولار سنة 2019 تعاني من عجز يقدر بألف مليار دولار، أي حوالي 10 أضعاف ميزانية الجزائر، لكن هذا العجز لا يِؤثر على مرونة الاقتصاد الأمريكي، عكس العجز الذي يظهر في كافة ميزانيات دول العالم, أي أن الموازنة الأمريكية لا تتأثر بالعجز، لأنها تُمَول من باقي اقتصاديات دول العالم، وخاصة من الدول المصدرة والمستوردة للنفط.

حين بلغ حجم الاقتصاد الأمريكي 9.4 ترليون دولار سنة 1992 كانت الصين تحتفل ببلوغ أول تريليون لها أي عشر الاقتصاد الأمريكي، إلى هذا التاريخ لازالت الصين بعيدة عن منافسة الاقتصاد الأمريكي ، لكن بحلول سنة 2005 باتت الصين ثالث قوة اقتصادية خلف اليابان و أمريكا، وهنا اتضح أن العملاق استفاق وبات على بعد عتبة واحدة لمواجهة الاقتصاد الأمريكي، والتي بلغها بحلول سنة 2009 حجم يقدر 5.3 ترليون دولار بعد الولايات المتحدة الأمريكية بـ14.6 ترليون دولار، لكن بعد 10 سنوات من هذا التاريخ أصبح الفارق بين الصين وغريمتها سوى 4 تريليونات حين بلغ سنة 2019 أكثر من 14 ترليون دولار.

استطاعت العملة الصينية فرض نفسها على اليورو والدولار وباتت رقمًا يسيطر على التجارة الدولية، وحين يتعلق الأمر بتهديد مكانة الدولار في الاقتصاد العالمي بات لزامًا على الولايات المتحدة إيجاد طريقة للحد من المد الصيني بأي طريقة شرعية وغير شرعية، ومن أمثلة ما قامت به نذكر:

1- أزمة الصلب والسلع الصينية: في سنة 2018 قرر ترامب فرض رسوم جمركية تقدر بـ50 مليار دولار على صادرات الصين من الصلب والسلع، التي تنافس السلع الأمريكية في عقر دارها، لكنها تلقت نفس الرد من الحكومة الصينية برفع الرسوم الجمركية على السلع الأمريكية؛ الأمر الذي دفع ترامب بالعدول عن قراراته.

2- التخفيض من قيمة الدولار: تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية من تخفيض قيمة الدولار مقابل اليوان (العملة الصينية) من اجل إعطاء فرصة للمنتجات والسلع الأمريكية لمنافسة السلع الصينية، إلا أن الصين استطاعت التأثير على عن سعر صرف عملتها مقابل الدولار بالانخفاض، وهو الأمر الذي أزعج ترامب واتهم الصين بالتلاعب بالعملة وطلب فرض الرقابة الدولية على العملة الصينية.

3- أزمة شركة هواوي الصينية: في سنة 2019 أصبحت شركة «هواوي» الرقم الأول في سوق الهاتف النقال، هذا المجال الأكثر حساسية من الناحية الاقتصادية والعلمية والأمنية، حيث أصدرت الحكومة والقضاء الأمريكي 23 تهمة في حق شركة «هواوي»، وتم اتهامها بسرقة الملكية الفكرية والتجسس وجملة من الاتهامات الأخرى، إلا أن هذه الأزمة حلت بعد زيارة الرئيس الصيني للولايات المتحدة الأمريكية.

أصبح الصراع الصيني الأمريكي واضحًا وفي كل المجالات، وظهرت الولايات المتحدة الأمريكية عاجزة عن إيقاف المد الصيني، الذي تنبأت مكاتب الدراسات الأمريكية بأنه سيصبح ضعف حجم الاقتصاد الأمريكي بحلول سنة 2030 أي بعد عشر سنوات فقط، هذه التنبؤات تعطينا فكرة على أن حرب المصالح والسيطرة تجيز أي شيء، في إشارة إلى أن فيروس ««كورونا»» المطور هو صناعة في المخابر الأمريكية، وظهوره في هذا الوقت مدروس بدقة، وهو الاتهام الذي وجهته الخارجية الصينية بتاريخ 12 مارس (آذار) 2020.

الحرب البيولوجية بأبعادها الاقتصادية والتي تعدت حدود الصين إلى باقي دول العالم كانت لها آثار كبيرة فكيف أثرت على الصين؟

1- أثرت أزمة فيروس «كورونا» بشكل كبير على الصادرات الصينية، وبلغت الخسائر 50 مليار دولار.

2- التأثير على حركة النشاط الداخلي والسياحة، حيث تستقبل الصين أكثر من 60 مليون سائح سنويًا، بالإضافة إلى حالة الطوارئ التي فرضت في العديد من المدن، والتكلفة الباهظة لمواجهة الفيروس.

3- انهيار أسعار البترول إلى حدود 30 دولار للبرميل، وهنا تكون «و. م. أ» ضربت عصفورين بفيروس واحد، إلا أن الصين كذلك استفادت بحكم أنها أكبر مستور للنفط.

4- انهيار العملة الصينية وانهيار أسعار أسهم كبرى الشركات الصينية في البورصات العالمية؛ مما أدى لتفاقم الوضع المالي، بسبب تخلي المستثمرين الأوربيين والأمريكيين عن أسهمهم في رأس مال الشركات الصينية، لكن الحكومة الصينية تحركت بسرعة واشترت تلك الأسهم بثمن لا يزيد عن 20 مليار دولار؛ مما أرجع الاستقرار لأسهم تلك الشركات، بالإضافة إلى سيطرة الصين عن رأس مال شركاتها الكبرى.

5- قد يكون المستفيد الأكبر والذي سيظهر في الأيام القادمة هو من سيبيع اللقاح، والذي في اعتقادي أنه جاهز، وبانتظار وصول الانتشار إلى مرحلة الذروة، سواء من ناحية التفشي أو من الناحية الإعلامية بنشر الرعب في العالم، وهو الدور الذي يقوم به كل من رئيس وزراء بريطانيا بتصريح أقل ما يقال عنه إنه لا يختلف عن السينما، والرئيس ترامب بإعلانه حالة الطوارئ.

أعتقد أن الآلة الإعلامية ستقوم بالدور اللازم مثلما حدث في أزمة أنفلونزا الطيور والخنازير لضمان تسويق لقاح فيروس «كورونا» وسيكتب عليه «made in USA» أي صنع في أمريكا؛ لأن من يطور فيروس لابد أن يحمي نفسه منه قبل نشره، هذا ما يقوله المنطق والعقل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد