فيروس الكورونا و العلاقات الدولية

لطالما توقف بحثنا في حقل الدراسات الأمنية على النظريات التأملية والتفسيرية، وإن كانت بعض المحاولات قد قُدمت في سبيل توسيع مجال الأمن، خاصة بعد نهاية الحرب الباردة، من قبل مدرسة كوبنهاجن وأعمال باري بوزان وويفر Buzan , Waever، وإدخال بعض الأفكار الجديدة  على غرار النظرية الخضراء مثلًا، التي تهتم بالمجال البيئي وسبل مواجهة التغيرات المناخية، أو ما يعرف بالدبلوماسية المناخية، بالإضافة إلى استخدام قطاعات الأمن التي باتت تطبق على أي موضوع يدخل في سياق «الإقليمية».

لكن ما يميز الباحث السياسي خاصة في مجال العلاقات الدولية، أنه يستغل التغيرات الطارئة ويحلل الظواهر  ليستمر هذا الحقل المعرفي بالتطور بشكل مستمر، مع تحول الظواهر وظهور أخرى جديدة، وهنا يعود الباحث السياسي «الأكاديمي» إلى مرجعيته الأساسية في تحليل وتفسير الظواهر الاجتماعية والإنسانية، وهي نظرية العلاقات الدولية وما قدمته مثلًا في دراسة بعض الظواهر المشابهة، وهنا نعيد التفكير وطرح التساؤل من جديد: هل النظرية أداة منهجية لتفسير الواقع الدولي؟ أم أن الواقع الدولي يفرض علينا نظريات جديدة تتماشى والوضع؟

في سياق انتشار فيروس الكورونا COVID-19، والذي يفهم على أنه حالة مرضية تصيب الجهاز التنفسي التي تتراوح حدتها من نزلات البرد الشائعة إلى الأمراض الأشد وخامة، مثل المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة (سارس SARS )، اليوم وبعد انتشار فيروس COVID-19 والذي قد يشكل خطرًا وتهديدًا حقيقيًّا على الأمن الصحي في الدول (وهو أحد قطاعات الأمن الخمسة) يبقى الإشكال مطروحًا: كيف يمكن أن نقول إن فيروس الكورونا يشكل تهديدًا حقيقيًّا؟ أو بشكل عام ما مؤشرات التحدي الصحي الذي يصبح بها X تهديدًا، وما إن يتم تحديده على هذا النحو، ما الاستجابات المناسبة؟
قدمت مدرسة كوبنهاجن في هذا السياق من خلال إسهامات كل من : Buzan, Waever and De Wilde مسارًا لتحديد طبيعة التهديد أو العملية التي أصبحت بموجبها X «مؤمنة»، والتي يمكن تقسيمها حسب ما نشرته مطبعة جامعة أكسفورد بالاشتراك مع كلية لندن للصحة والطب الاستوائي، سنة 2010، إلى ثلاث مراحل:

1. المرحلة الأولى من الأمننة: تحديد هوية الفاعل (Actor) المهدد وجوده، ويأتي ذلك بعد الإعلان والتعريف بطبيعة التهديد (a Speech act).

2. المرحلة الثانية: تتبع المرحلة السابقة بقبول القضية من قبل الجمهور المستهدف (Usually Civil Society) الذين يقتنعون بوجود تهديد محتمل.

3. المرحلة الثالثة: مع تحديد الفاعل المهدد وقبول الجمهور المتلقي لوجود تهديد محتمل لوجودهم، يأتي التحول في المرحلة الثالثة من مرحلة الكشف إلى مرحلة المواجهة وخلق الاستراتيجيات لمواجهة التهديد، إذ يعاد تخصيص الموارد اللازمة (خارج الميزانية) وفرض حالة الطوارئ لمكافحة التهديد، وحالما يُعالَج التهديد بنجاح تلغى الإجراءات السابقة وفي حالة استمراره يصبح جزءًا من بيئة السياسة العامة للدولة.

بين دول تتعامل مع الكورونا فيروس Covid_19 كتحدٍ لسياساتها الأمنية الصحية، وتقييم لمستوى تقَدُمها في هذا المجال، وبين أباطرة نظرية المؤامرة والتشكيك في وجود أي تهديد فعلي لأمنها الوطني، تغرق العديد من دول العالم خاصة المتخلفة منه في دوامة تفشي الفيروس، وعدم القدرة على مواجهته، نتيجة لضعف/ عجز سياستها الأمنية الصحية على إدرة الأزمة من جهة، ومن جهة أخرى ثقافة اللاوعي التي تميز شعوب هذه الدول وتعاملها باستهتار مع الفيروس دون وعي مسبق لما ستؤول إليه الأمور، في حين ترفع بعض الدول على غرار الصين والدول الأوروبية التحدي لمواجهة هذا التهديد،  وتقوم بالتخطيط الاستباقي في حالة انتشار الفيروس بشكل أكبر،  بالاعتماد على المراحل السابقة في مسار تحديد طبيعة التهديد ودرجته، وآلية مواجهته، وقد أعلنت في هذا السياق منظمة الصحة العالمية قدرة الصين على مواجهة التهديد والتعامل معه بشكل رشيد.

كما تتعامل كل من  إيطاليا وإسبانيا وبعض الدول الأوروبية مع الكورونا فيروس على أنه تهديد فعلي لأمنها الوطني، فإيطاليا، والتي تعد أول الدول الأوربية تضررًا من الفيروس، والثانية عالميًّا بعد الصين قد سجلت في وقت وجيز 1266 حالة وفاة، من أصل 17880 حالة إصابة، حسب تقدرات منظمة الصحة العالمية ليوم 16 مارس 2020، وقد أكد رئيس الوزراء الإيطالي أن النظام الصحي في البلاد معرض للارتباك بسبب الموقف الحالي الذي تعيشه البلاد.

أما ثاني أكثر الدول الأوربية تأثرًا بعد إيطاليا فهي إسبانيا، التي سجلت إصابة 1500 شخص في يوم واحد بفيروس الكورونا ليرتفع عدد المصابين إلى أكثر من 5700 حالة منذ بداية ظهور الفيروس في البلاد، وتجتمع الحكومة الإسبانية بعد سرعة انتشار الفيروس وتأكيد ضرورة اتخاد التدابير اللازمة للحد من تأثيراته من خلال الإعلان عن حالة الطوارئ، وتشديد الحجر الصحي على كل المواطنين، وتوفير نفقات خاصة للتقليل من انتشار الفيروس، ولتوفير العلاج اللازم للمصابين، إلى غير ذلك من السياسات والإجراءات، في حين بعض الدول تعيش حالة من الصدمة والترقب بعد انتشار الفيروس، فهي عاجزة بين تعداد المصابين أو معالجتهم.

يبقى على كل فرد منا أن يعتمد على نفسه في المستوى الأولى؛ للحد من انتشار الفيروس أو الإصابة به، وأقل شيء يمكننا فعله، نشر الفكر التوعوي عبر مختلف الوسائط، والقيام بحجر صحي منزلي إلى إشعار آخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد