بدأ في الآونة الأخيرة نقاش حول مشروع قانون تتبناه الحكومة المغربية حول تقنين زراعة القنب الهندي من أجل الاستعمال الطبي لهذه النبتة التي تتم زراعتها في منطقة الريف شمال المملكة المغربية.

هناك طرف يرحب بالفكرة ويرى فيها فرصة من خلالها سيتم خلق التنمية الاقتصادية والاجتماعية داخل هذه المنطقة؛ مما سيعود بالنفع على الساكنة المحلية التي تعاني من الهشاشة وشبه انعدام للمصادر والأنشطة المدرة للدخل من غير زراعة هذه النبتة الخضراء، فبالمصادقة على المشروع الذي أعدته وزارة الداخلية، سيكون ذلك بمثابة طوق نجاة للعديد من المزارعين الذين يخشون دائمًا خطر إلقاء القبض عليهم والملاحقات القانونية، وكذلك الاستغلال الذي يتعرضون له من طرف الوسطاء والتجار الكبار لهذه النبتة.

في المقابل هناك من يرى في هذه الخطوة محاولة لشرعنة تجارة القنب الهندي (الكيف) وما يشتق منها من مخدرات وحشيش، حيث إن هذا التقنين سيكون بمثابة هدية للبارونات والكارتيلات التي تتاجر في هذه المواد السامة.

من بين الأسباب التي أدت إلى إحياء هذا الملف هو القرار الذي اتخذته الأمم المتحدة في شهر ديسمبر (كانون الأول) 2020 بإزالة القنب الهندي من لائحة المخدرات الخطرة وقبول استعماله في الاستخدام الطبي والعلمي تماشيًا مع توصيات منظمة الصحة العالمية، فالمغرب كان من الدول التي صوتت بقبول الاستعمال الطبي للنبتة خلال اجتماع اللجنة الأممية، بالإضافة لقرار اللجنة حتى الاحتجاجات الأخيرة بمدينة الفنيدق ونواحيها (شمال المغرب) ساهمت في ذلك، هذا الحراك الإجتماعي يأتي كرد فعل على إغلاق معبري سبتة ومليلية المحتلتين (مدينتين محتلتين من طرف إسبانيا)، لأن سكان هذا الإقليم يعيشون على تجارة التهريب التي تتم عبر هذين المعبرين مما انعكس سلبًا على الاقتصاد والمنتج الوطني، فما كان من السلطات المغربية إلا اتخاذ قرار إغلاق المعبرين، وكذلك من أجل الضغط على حكومتي المدينتين السليبتين، وتشديد الخناق عليهما والقيام بشبه حصار اقتصادي تمهيدًا لفرض واقع جديد يفرض على إسبانيا الجلوس إلى طاولة المفاوضات في المستقبل القريب، من أجل إعادة المطالبة بالثغور المحتلة بعد إنهاء ملف الصحراء المغربية الذي حسم تقريبًا بشكل نهائي، خصوصًا بعد اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة المغرب على صحرائه، وبقية بعد التفاصيل التي سيتم الفصل فيها خلال هذه السنة.

لذا فمن أجل حل مشكل الاحتجاجات التي تعبر عن رغبة لدى سكان المنطقة في توفير البديل الاقتصادي الذي يعوضهم على تجارة التهريب التي كانوا يعيشون منها، ارتأت الحكومة المغربية مناقشة مشروع تقنين استعمال القنب الهندي من أجل الاستخذام الطبي، والذي تم تأجيل المصادقة عليه إلى يوم الخميس القادم، فبمصادقتها عليه ستنهي اللغط حول هذا الملف الذي خلق حالة استقطاب إبان قيادة د. عبد الإله بن كيران لرئاسة الحكومة السابق (الأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية المغربي)، والذي رفض مسألة التقنين التي كان ينادي بها غريمه السياسي آنذاك إلياس العماري الأمين العام السابق لحزب الأصالة والمعاصرة (المعارضة)، وهو نفس الموقف الذي ما زال يتشبث به، حيث يعتبر من أبرز الرافضين للمشروع بحجة المساهمة في توفير البيئة والظروف لتجار المخدرات لتوسيع نشاطهم؛ مما قد يرفع من نسبة الإدمان الذي قد يؤدي إلى الرفع كذلك من نسبة الإجرام.

كل المعطيات تشير إلى مصادقة الحكومة على هذا المشروع؛ لأنه سيخلق دينامية اقتصادية كجلب استثمارات في مجال صناعة الأدوية، بالإضافة لخلق فرص شغل مباشرة وغير مباشرة لأبناء المناطق الشمالية في المملكة المغربية، فقرار اللجنة الأممية سيدفع بالأصوات المعارضة للمشروع باتخاذ هذا المعطى كذريعة لقبولها وموافقتها على عملية التقنين.

استعمال القنب الهندي لأغراض طبية لم يكون وليد اليوم، فهناك ظهير صادر سنة 1922 قام بوضع إطار قانوني ينظم استخدام النبتة للاستعمال الطبي، لكن سرعان ما تم وضع حد لزراعتها بعد ظهير 1954.

مشروع القانون الذي تقدمت به الحكومة ينص على إنشاء وكالة وطنية لمراقبة الإنتاج والنقل والمبيعات، بحيث سيتم إخضاع كافة الأنشطة المتعلقة بزراعة وإنتاج وتصنيع وتسويق وتصدير القنب الهندي ومنتجاته لنظام الترخيص وتقوية آليات المراقبة، كما يشجع المزارعين على إنشاء تعاونيات، لكن التخوف الذي يصرح به بعض من معارضي المشروع هو الوقوع مجددًا في فخ الريع والاحتكار الذي قد يذهب بمحاولة الحكومة تحسين دخل المزارعين وحمايتهم من شبكات تهريب المخدرات أدراج الرياح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد