يعتمد ابنك في اكتسابه للمعارف في المقام الأول عليك أنت، يكاد لا يكتشف جديدًا إلا بفضلك، ولا يعلم شيئًا لا تعلمه أنت قبله، أنت في مقدمة طريق العلم أمامه على الدوام.

لكنه بمرور الأيام، وحين يذهب ابنك إلى دار الحضانة ثم المدرسة الابتدائية تبدأ مرحلة جديدة في تلقي العلوم والمعارف والاكتشافات. يقضي ابنك ساعات كل يوم في تعلم أشياء ربما لا تعرف أنت بعضها أو حتى كلها، ويختلف أسلوبه في التعلم، لا دخل لك الآن في توجيه تعلمه، فهو يتعلم طبق منهج مخطط له وجدول زمني لتنفيذ تفاصيل تلك الخطة الدراسية. وضع هذه الخطة شخص غيرك، وصاغها آخر، ويشرف الآن على تنفيذها معلم له أسلوب يختلف عن أسلوبك. كل ذلك يتم دون تدخل منك، وربما بلا حاجة إلى موافقتك حتى، تكفي موافقتك الخطية لدخوله دار التعليم والتربية تلك في اليوم الأول فقط، فإذا ما حصلت الدار أو المدرسة على توقيعك كان هذا إذنًا دائمًا لها بتنفيذ بنود خطتها التعليمية والتربوية، بناء على الأيديولوجية الفكرية التي تتبعها.

يتعلم ابنك الآن على أيدي معلمين لن يتخلوا عن نظرتهم إلى العالم أو فلسفات الحياة الخاصة بهم حتى يحصلوا على موافقتك قبل تقديمها إلى ابنك. كما يجلب الأطفال الآخرون من زملاء ورفقاء ابنك في المدرسة جميع أنواع المعلومات، الصالح منها والمضلل إلى عالم ابنك، ليس عن قصد التضليل لكن بنية نقل المعارف وتبادل الخبرات فقط. لكن هيئة التدريس وجماعة الرفاق يستمرون في تربية وتعليم ابنك شئت أم أبيت.

تخشى أن تكون هذه الحقيقة مخيفة لك؟ تخشى أنك بذلك تشعر بنفسك مقيد اليدين ضعيف الحيلة تجاه مسؤوليتك عن حماية ابنك من التعرض لأي أفكار لا تروق لك؟ اعلم أنك محق في كل ما تخشاه.

تخشى أنك هكذا قد وقعت في فخ لا فرار منه؟ أما هذا فلا، فإن هذا الوضع ليس شرطًا أن يكون فخًّا، إما لأنه ربما يكون أغلب ما يكتسبه ابنك من معارف هي من النوع الذي ترضاه إن أحسنت اختيار الروضة أو المدرسة تمامًا، أو أن تكون على قدر المسؤولية وتتحمل تبعات متابعة ابنك أولًا بأول، تقوم وتعدل وتصحح بذكاء وحرفية، لكنك في الحالتين سوف تكون في مأزق تجاه تأثير جماعة الرفاق.

سوف يجب عليك الآن وفي هذه المرحلة أن تسلم بأنك لا تمتلك المفتاح الوحيد لبوابة العلوم والاكتشافات والمعارف بل حتى السلوكيات لدى ابنك الحبيب. سوف تتعدد قنوات التلقي لديه وتتنوع. وربما سوف يتساوى قدر البعض مع قدرك، إن لم يرتفع عن مقامك من حيث القدرة على التأثير. يجب أن تعترف بالمستجدات حتى يمكنك التعامل معها. لم تعد أنت المصدر الوحيد، فلا تسمح لنفسك بأن تفاجأ حين تجد ما لا يعجبك أو ما لا يقنعك. الأهم والأولى هو أن تستعد لأداء واجبك الذكي نحو هذا الوضع الجديد.

أول ما يجب عليك أن تفعله، هو أن تتفاءل تجاه مميزات هذا الوضع الجديد. نعم مميزاته عديدة. أولها أن غيرك يساعدك، هناك آخرون يقومون بالتربية والتعليم، آخرون ينشغلون بإكساب ابنك المعارف، آخرون يهتمون بتوجيه سلوكيات ابنك إلى الأفضل، آخرون يسهرون الليل يفكرون في حل مشاكل ابنك، آخرون يبدعون ويبتكرون ويجتهدون حتى يكتشفوا مواهب ابنك واهتماماته وميوله، ويرعوها وينموها ويصقلوها بكل ما يمكنهم من وسائل، آخرون لا شاغل يشغلهم عن الاعتناء بابنك، بل إن ابنك هو رسالتهم في الحياة ومصدر أرزاقهم في الوقت نفسه. على قمة الهرم الذي يشمل هؤلاء؛ المعلمون والمربون. لست وحدك إذًا، وهذه إيجابية رائعة تعوض عليك سلبية التخوف من التأثير السلبي في ابنك من بيئته الجديدة.

أمر إيجابي آخر يجب ألا تغفل عنه، وهو أنك وحدك لا تستطيع أن تعلم ابنك كل شيء، حتى إن كنت عالمًا يشار إليه بالبنان. أنت وحدك لا تستطيع أن تغرس فيه كل القيم وإن كنت تربويًّا يرجع إليه المربون. أنت وحدك لا تستطيع أن تكسب ابنك كل المهارات إلا إن كنت تجمع بين سوبر مان وبات مان وهولو مان وهيت مان وإنفيزيبل مان وجيمس بوند وأدهم صبري على الأقل. الإيجابي في الأمر أن كثيرين من ذوي المهارات يجتمعون ويتعاونون لإكساب ابنك ما يمكنه ان يكتسب من مهارات، وليس شرطًا أن يكونوا خارقين حتى ينجحوا بتلك المهمة، يكفي أن يكونوا مخلصين وبارعين في الوقت نفسه.

امر إيجابي ثالث في هذا الوضع الجديد أن ابنك يزداد روعة بازدياد موارد معارفه ومهاراته. حتى إنك ربما تجد نفسك أحيانًا تلميذًا لابنك بعد أن كنت معلمًا. بازدياد معارفه وتنوعها ربما تجد ابنك على علم بأشياء كثيرة تجهلها بالفعل، وربما ساعتها تسأله أنت عن تلك المعارف، بعد أن كان يسألك عن كل شيء. لن تفقد مكانة الأب، لكنك تفقد مكانة المعلم الوحيد، لتصير معلمًا بين مجموعة كبيرة من المعلمين، ومربيًا بين مجموعة كبيرة من المربين، بل وصديقًا واحدًا من بين مجموعة أكبر من الأصدقاء والرفقاء. وعليك ساعتها أن تتكيف مع هذا الوضع، تستفيد من مزاياها، وتجتهد في التغلب على عيوبها.

وحتى تفعل ذلك سترغب في الاستمرار في دخول عالم ابنك قدر الإمكان. سوف تلاحظ وتقيم مواهبه وميوله، ما يحب وما يكره، ما يجيد وما يجهل، ما يميزه وما ينقصه، ما يتوق إليه وما يخاف منه، ما يثيره وما يحبطه، كيف يعامله الآخرون وكيف يتفاعل معهم.

سوف تزوره في فصله، بترتيب مع المعلم والإدارة، سوف تشاركه في حفلات الروضة أو المدرسة وفي مسابقاتها وفعالياتها التي يدعونك إليها، سوف تحضر اجتماعات مجالس الآباء بانتظام ودون اعتذار حيث تعطيها أولوية وأهمية قصوى. حتى إنك سوف تصحبه إلى المسجد، والنادي الرياضي، والرحلة والنزهة، وزيارات الأهل والأقارب والمعارف والجيران، وخروجات التسوق لشراء الملابس ولوازم الدراسة والرياضة وغيرها. حتى إنك سوف تشاركه اللعب في مباريات كرة القدم بين الحين والآخر، حتى لو كانت من نوع المباريات البسيطة في الشارع والحي.

سوف تدعوه إلى عالمك أيضًا. دعه يعرف مشروعًا صعبًا تواجهه في العمل، أو تجول معه في السوق التجاري بحثًا عن مفصلة شباك أو قفل باب أو علبة طلاء أو أداة إصلاح. ادعه أن يصحبك في مشوار إلى صاحب البيت لتدفع له الإيجار، أو إلى ماكينة الصرافة لتقوم بعملية سحب أو إيداع أو تحويل. ادعه ليصحبك في زيارة صديق أو زميل عمل أو زيارة مريض أو حفل عرس أو حتى جنازة. دعه يتعرف إلى عالمك حاليًا، والذي سوف يكون عالمه مستقبلًا. بذلك كله وغيره سوف يقترب كل منكما من الآخر، وسوف تتفاهمان وتتعارفان وترتبطان أكثر وأكثر، وسوف تعوضان وقت الفراق حيث تعمل أنت ويتعلم هو طيلة فترة الصباح.

عبر هذا التنوع من دخولك عالم ابنك، ودخول ابنك عالمك، سوف تساعده على اكتشاف ذاته ونمو عالمه. ورغم ذلك أنت لا تسيطر على حياته بكل هذا التداخل. بل تكون حكيما في اختيار حدود التداخل. سوف تترك له وقت الراحة والحرية بالتأكيد. وسوف تعطيه المجال لينجح ويفشل، حيث يتعلم من فشله كما يتعلم من نجاحه. وسوف تقرر أيضًا متى تنقذه من ورطة ومتى تتركه في أخرى ليتعلم منها. وبتلك الحكمة وهذا التقدير سوف تظل بجانبه في كل وقت، بوجودك معه حضورًا، أو وجودك معه متابعة ورعاية. وبعد مرور السنوات وعندما لا تكون بجانبه، سيظل يسمع صوتك يشجعه على المضي قدمًا بشجاعة واقتناع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد