الخلاف بين الشارع الغاضب والطبقة السياسية الحاكمة في العراق لا يتعلق باجتهادات لها صلة بمنهج الحكم، ولا بمواقف سياسية ترتبت عليها تباينات في الرأي بين الجمهور والنخبة الحاكمة، ولا ناشئة عن سياسات اقتصادية أضرت بشريحة معينة من المجتمع، ولا هي نتاج تقاطع فلسفي في النظرة إلى الدين وحدود تأثيره، أو الانغماس في القضايا الوطنية والقومية، أو التخلي عنها لحساب أولويات أخرى، ولا هو صراع حزبي تحشد فيه أحزاب المعارضة مؤيديها لإضعاف أحزاب الموالاة!

إنه صراع بين طبقة احترفت اللصوصية والسطو على المال العام، وصممت القوانين والأنظمة على مقاساتها بما يجعل إيرادات البلاد حكرًا لها، وبين شعب اكتشف أن كل شيء راح يتبدد من حوله بما في ذلك مستقبله ومستقبل أجياله القادمة، بل إن الآفاق قد أغلقت تمامًا أمام جمهور أيقن أن صمته سيعني انقراضه وزواله!

في الوضع العراقي لا نحتاج للبحث عن صاعق يفجر سخط الناقمين على النظام السياسي وأحزابه، فإن لم يكن شعور الأغلبية بالضياع صاعقا يكفي لتفجير مستودع البارود الكبير فإن تمادي الطبقة الحاكمة بإفقار الناس، وتجويعهم، وتحويل العراق إلى خرائب تنعق فيها الغربان، ومسخه كدولة كانت تتنافس مع أهم دول المنطقة على دور ( القيادة ) و( الريادة).. أقول إن ذلك يكفي لتفجير مستودعات البارود كلها!

في جميع محاولاتها الباهتة والخجولة للاستجابة لمطالب المتظاهرين تجاهلت الطبقة السياسية الاقرار بالفساد أو حتى الإشارة إليه، وتشاغلت بإجراءات و(إصلاحات) لا علاقة لها بحقيقة المرض العضال الذي ضرب الدولة، واستشرى فيها، وحولها من دولة فائض مالي جاذبة للعمالة الاجنبية في عقود قريبة مضت إلى دولة فائض سكاني طاردة لأبنائها!
لم نسمع حتى اللحظة من ينفي ضلوع الطبقة السياسية بفساد غير مسبوق في تاريخ الدول والشعوب، ولم نر سياسيًا واحدًا يفسر لنا ما جرى من نهب منظم لثروات البلاد وإفقار شعبها، ولم يفكر السياسيون بفتح حوار جدي مع المتظاهرين لمناقشة السبب الحقيقي الذي أشعل فتيل الانتفاضة وجعل شباب الثورة يقايضون حياتهم، وهم في عز الشباب، بوطن قد اختُطف منهم في وضح النهار!

جميع الأنظمة السياسية التي تعاني من أزمة ثقة تعزلها عن شعوبها تحاول أن ترمم العلاقة، وتخفف من عمق الفجوة من خلال محولات درأ الشبهات، وتفنيد الاتهامات التي تكال لها باستثناء الطبقة الحاكمة في العراق فقد أسقط بيدها، وأصيبت بدوار حاد فقدت على أثره القدرة على التركيز، واستسلمت لسياط الجمهور الغاضب وهو يجلدها على مدار الساعة قصاصًا مما خلفته من خراب طال كل شيء، ولم يسلم منه شيء!

هل أنتم لصوص فعلًا؟ هل لديكم ما تدافعون به عن أنفسكم؟ هل يمكنكم أن تقدموا لنا تبريرًا واحدًا لسلوككم الرخيص الموغل في الحرمنة والدونية وانعدام الضمير؟
إذا كنتم تقرون بذلك فإن قنوات الحوار معكم ستكون مغلقة.. ليس أمامكم سوى الامتثال لشرائع الأرض والسماء، وما تفرضه من حدود بحق السارق، أو أن تهربوا بجلودكم وتتركوا البلاد لأهلها!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد